هل تُهزم منظومة الفساد بالإجراءات الانتقائية؟

الدكتور ضياء الصفار  
ليس الفساد الذي ينهش الدولة العراقية اليوم ظاهرة طارئة أو مجرد انحراف إداري، بل هو أحد أبرز مخرجات النظام السياسي الذي تأسس بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003. فقد أدى تفكيك مؤسسات الدولة، واعتماد المحاصصة السياسية والطائفية والإثنية، إلى إنتاج منظومة حكم جعلت السلطة وسيلة لتقاسم النفوذ والثروة، لا أداة لبناء الدولة وتحقيق العدالة.
ثم تعزز هذا الواقع مع تنامي النفوذ الإيراني داخل العراق، حيث تشابكت المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، ونشأت شبكات نفوذ واسعة أصبحت تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في القرار السياسي والاقتصادي، الأمر الذي جعل الفساد جزءاً من بنية النظام، لا مجرد حالات فردية يمكن القضاء عليها بإجراءات إدارية أو أمنية محدودة.

وفي هذا السياق، أعلنت حكومة الزيدي عن إجراءات لمكافحة الفساد، وهو عنوان يحظى بتأييد جميع العراقيين، لأن استعادة الدولة لا يمكن أن تتم من دون اجتثاث منظومة الفساد. غير أن العبرة ليست في الإعلان عن الحملات، وإنما في طبيعة أهدافها ومدى شمولها واستقلالها عن الحسابات السياسية.
فإذا كانت المعركة حقيقية، فمن المنطقي أن تبدأ برؤوس الفساد الكبرى التي يعرفها العراقيون جميعاً، وأن تشمل أصحاب النفوذ الذين كوّنوا إمبراطوريات مالية على حساب المال العام، بصرف النظر عن مواقعهم أو الجهات التي ينتمون إليها. أما إذا اقتصرت الإجراءات على شخصيات محددة، بينما بقيت “الحيتان الكبيرة” بمنأى عن المساءلة، فإن الرأي العام سيجد نفسه أمام حملة انتقائية أكثر منها مشروعاً وطنياً للتغيير .

ويكتسب توقيت هذه الإجراءات دلالة سياسية خاصة، إذ إنها تأتي عشية الزيارة المرتقبة للزيدي إلى الولايات المتحدة ، ومن الطبيعي أن يطرح المراقبون تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت هذه الخطوات تعكس تحولاً استراتيجياً في سياسة الدولة تجاه الفساد، أم أنها تهدف أيضاً إلى تقديم صورة (إصلاحية ) قد تعزز موقع الحكومة في لقاءاتها مع المسؤولين الأمريكيين، وتمنحها رصيداً سياسياً في الخارج. والإجابة عن هذا التساؤل لن تكون بالتصريحات، وإنما بما ستكشفه المرحلة اللاحقة من اتساع دائرة المحاسبة أو انحسارها.
لقد أثبتت التجارب أن مكافحة الفساد لا تُقاس بعدد أوامر القبض ولا بحجم التغطية الإعلامية، وإنما بقدرة الدولة على استرداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة كبار الفاسدين قبل صغارهم، وإخضاع جميع مراكز القوة لسلطة القانون دون استثناء.
إن العراق لا يحتاج إلى معارك انتقائية، بل إلى قرار سياسي شجاع يطوي صفحة المنظومة التي نشأت بعد عام 2003، ويعيد بناء الدولة على أساس المواطنة وسيادة القانون واستقلال القضاء. فالتغيير الحقيقي يبدأ من القمة، لأن الشعوب لا تستعيد ثقتها بدولها إلا عندما ترى أن القانون يطرق أبواب الأقوياء قبل الضعفاء.

ويبقى السؤال الذي ينتظر العراقيون إجابته بالأفعال لا بالأقوال: هل ستكون هذه الإجراءات بداية لتفكيك منظومة الفساد التي ترسخت طوال أكثر من عقدين، أم أنها ستبقى مجرد محطة سياسية عابرة، تنتهي بانتهاء الحاجة إليها، لتستمر المنظومة السياسية الفاسدة نفسها في إنتاج الفساد وإعادة تدوير رموزه ؟

1 / تموز / 2026

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24