بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان مسقط
حين يتأمل الإنسان مسرح هذه الحياة، يطرق ذهنه سؤالٌ يتردد بوجل: **لماذا ينهار بعض الناس عند أول ابتلاء؟**
إنها حيرةٌ تنبت في النفوس حين يضطرب الفهم، وتتشابك الرؤى. والحقيقة أن هناك وهماً خفياً يعيشه كثير من الناس دون أن يشعروا؛ إذ يظنون واهمين أن الإيمان صك أمانٍ يعود بحياة سهلة، وأن القرب من الله يقتضي اختفاء العقبات، وكأن الطريق المستقيم يجب أن يكون مفروشاً بالورود مريحاً وممهداً!
لكن الوحي لا يترك الإنسان لسراب ظنونه. وهنا تأتي سورة العنكبوت منذ مطلعها لتكسر هذا الوهم العتيق؛ فلا تبدأ بالحديث عن النصر، ولا تفتح أبواب الفرج والمكافآت أول الأمر، بل تبدأ بسؤالٍ يزلزل ركود القلب ويهز أركانه: *﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾**. وكأن هذا النداء الإلهي يقول لكل مسافر في درب الحياة: هل ظننت أن مجرد الكلمة تكفي؟ هل حسبت أن الطريق إلى الله لن يختبر صدقك ويصهر معدنك؟
إن الأزمة الحقيقية -يا صديقي- ليست في وجود البلاء، بل في تصورنا الخاطئ لطبيعة هذه الدنيا.
نحن في كثير من الأحيان نريد الإيمان لكننا نرفض الاختبار، ونشتهي النتائج لكننا نتهيب الطريق المؤدي إليها.
فإذا ما هبّت أول صدمة، أو نزلت أول خسارة، أو أقبلت أول خيبة أمل، انبرى الإنسان يتساءل بمرارة: *لماذا أنا؟ لماذا يحدث هذا لي رغم أنني أحاول أن أكون صالحاً؟!*
بيد أن سورة العنكبوت تفتح بصائرنا على حقيقة أعمق: الابتلاء ليس علامة على أن الله قد تركك أو تخلّى عنك، بل هو علامة على أنه يربيك، يهيئك، ويكشف لك حقيقة نفسك الحاضرة خلف قناع الأمن المؤقت.
ولكي يترسخ هذا المعنى في أذهاننا، لم تقف السورة عند حدود النظرية؛ بل استدعت التاريخ البشري في أبهى وأقسى صوره، فذكرت قصص الأنبياء واحداً تلو الآخر؛ من نوحٍ وإبراهيم ولوط وشعيب وموسى وأيوب ومحمد بن عبد الله -عليهم السلام. ولم تكن تلك القصص مجرد سردٍ لتاريخ مضى، بل كانت تذكيراً حياً بأن طريق الحق كان دائماً مليئاً بالاختبارات.
لم يكن الأنبياء أقل الناس بلاءً، بل كانوا أشدّهم وأكثرهم ابعتاقاً بالمحن. ومع ذلك، لم يكن سر قوتهم العاصية على الانكسار يكمن في جدران مادية، بل في أنهم كانوا كلما اشتدت عليهم أمواج الحياة، عادوا وفرّوا إلى الله.
ثم تضرب لنا السورة ذلك المثل العجيب والعبقري؛ مثل “العنكبوت”. ذلك المخلوق الضئيل الذي يغزل بيتاً يبدو من بعيد متماسكاً وهندسياً، لكنه في حقيقة الأمر أوهن البيوت في الوجود. وهنا تكمن الرسالة العميقة لكل ذي لب: ليس المقصود بالنسيج مجرد خيوط عنكبوت واهية، بل هو كل ما يعتمد عليه الإنسان خارج حدود ربه ويظنه مصدر قوته، بينما هو في حقيقة الأمر هش وضيع.
كم من بشرٍ ظن أن ماله سيحميه فخذله المال! وكم من امرئٍ توهم أن منصبه سيخلد معه فمضى عنه المنصب! وكم من امرئٍ بنى قيمته كلها على ثناء الناس وإعجابهم، فما هي إلا لحظة واحدة وعاصفة عابرة حتى سقط كل شيء. لم تسقط الأشياء لأن الدنيا ظالمة، بل لأن الأساس الذي بُنيت عليه الحياة كان واهياً كخيوط العنكبوت منذ البداية.
لذا، فإن السؤال الحقيقي الذي تعيد السورة صياغته في أرواحنا ليس: **ماذا تملك؟** بل **على ماذا تعتمد؟**
لأن الإنسان عندما يبني حياته على شيء قابل للزوال، فإنه يسكن بيتاً من الوهم. قد يبدو البيت جميلاً فخماً من الخارج، لكنه لا يصمد أمام أول ريح عاتية. وهكذا هي بعض القلوب؛ تبدو قوية صلبة أمام الناس، لكنها تنهار عند أول أزمة، لأنها لم تتعلق بالحي الذي لا يموت، بل تعلقت بأشياء مؤقتة وزائلة.
وفي الختام، تقف سورة العنكبوت أمامك كمرآة صافية تسألك سؤالاً شخصياً شديد الحسم:
“إذا اهتزت حياتك اليوم، ماذا سيبقى معك؟ إذا فقدت المال، أو المكانة، أو الأشخاص الذين تعتمد وتتكئ عليهم، فهل يبقى في داخلك شيء ثابت لا يتغير؟ أم أن كل ما بنيته وطوال السنين كان مجرد خيوط عنكبوت ظننتها بجهلك جدراناً من حديد؟”
هنا تنجلي العبرة الكبرى:
الابتلاء قادم لا محالة، فهذه هي سنة الحياة المفروغ منها. لكن الشأن كل الشأن هو أن تبني قلبك وتعلّقه بما لا يسقط عندما يسقط كل شيء آخر.
* فأقوى البشر ليس من لم يواجه العواصف قط، بل من يظل ثابتاً، راسخاً، ومستنداً إلى ركن شديد عندما تهبّ العاصفة.
والثبات الحقيقي لا ينبع من قوة الإنسان المحدودة، بل من قوة تعلقه بالله سبحانه وتعالى.









