«8/8/1988… شهادة من الطابق الثامن والثلاثين» الدبلوماسي العراقي الدكتور مظفر الأمين يروي لـ«الحدث» الساعات التي سبقت نهاية حرب الثماني سنوات

حوار: د. باهرة الشيخلي

ثمانية وثلاثون عامًا مرّت، وما زالت بعض اللحظات عصيّة على أن تصبح مجرد تاريخ.

في صباح الثامن من آب/أغسطس 1988، كان الدبلوماسي العراقي الدكتور مظفر عبدالله الأمين، مستشار بعثة العراق لدى الأمم المتحدة آنذاك، على موعد مع واحدة من تلك اللحظات؛ اتصال هاتفي في الثامنة صباحًا، صعود إلى الطابق الثامن والثلاثين من مبنى الأمم المتحدة، رسالة داخل ملف، وأكثر من مئة صحفي ينتظرون عند باب المصعد.

وبين الطابق الثامن والثلاثين والطابق الأرضي، قرأ الأمين رسالةً كانت تحمل واحدة من أهم إشارات النهاية لحرب استمرت ثماني سنوات.

بعد عقود من ذلك اليوم، تستعيد «الحدث» معه ما جرى؛ لا من كتب التاريخ، وإنما من ذاكرة رجل كان في قلب اللحظة.

د. باهرة الشيخلي: بعد كل هذه السنوات، عندما يعود بك الزمن إلى صباح 8 آب/أغسطس 1988، ما أول صورة تستحضرها ذاكرتك؟

د. مظفر الأمين: لن أنسى ذلك اليوم ما حييت. في الساعة الثامنة صباحًا اتصل بي المرحوم السفير عصمت كتاني، وكان خارج مدينة نيويورك، وطلب مني أن أتوجه إلى مقر الأمين العام للأمم المتحدة لاستلام رسالة مهمة منه. لم أكن أعرف، وأنا أغادر إلى المبنى، أنني ذاهب لاستلام رسالة ستصبح جزءًا من تاريخ العراق والمنطقة.

د. باهرة الشيخلي: لكن تلك اللحظة لم تولد في ذلك الصباح؛ فقد سبقتها أسابيع من الاتصالات والمفاوضات. كيف كانت تُدار تلك الدبلوماسية المعقدة خلف الأبواب؟

د. مظفر الأمين: استمرت المفاوضات نحو شهر، وكانت معقدة وطويلة، وتتحرك بين أطراف عدة من دون أن يجتمع الجميع وجهًا لوجه. كان الأمين العام خافيير بيريز دي كوييار وفريقه طرفًا أساسيًا، وكان الأمير سعود الفيصل والأمير بندر بن سلطان يتحركان من نيويورك، فيما كانت القيادة العراقية في بغداد، ممثلة بالرئيس صدام حسين ووزير الخارجية طارق عزيز، تتابع التفاصيل، وكنا في بعثة العراق، السفير عصمت كتاني وأنا، جزءًا من هذه الحلقة. وعلى الجانب الإيراني كان وزير الخارجية علي أكبر ولايتي وحكومته.

د. باهرة الشيخلي: وكيف كانت تنتقل الرسائل بين بغداد وطهران في ظل غياب التفاوض العراقي–الإيراني المباشر؟

د. مظفر الأمين: كانت العملية أشبه بدائرة دبلوماسية طويلة. يبعث ولايتي بنص إلى الأمين العام، ثم يصل النص إلى الأمير سعود الفيصل. كنا، الأستاذ عصمت وأنا، نجتمع مع الأمير سعود وبحضور الأمير بندر لمناقشته، ثم نرسل المقترحات إلى بغداد وننتظر ملاحظات القيادة العراقية وطارق عزيز. بعد وصول الرد نعود إلى الأمير سعود، الذي كان يناقش الاعتراضات مع الأمين العام، ثم تُنقل إلى الجانب الإيراني. وبعد ذلك تصل صياغة جديدة، فنبدأ الدورة مرة أخرى.

د. باهرة الشيخلي: تذكرون بصورة خاصة الدور السعودي في تلك المفاوضات. ماذا كان يجري في فندق «والدورف أستوريا»؟

د. مظفر الأمين: كان للأمير سعود الفيصل، ومعه الأمير بندر بن سلطان، دور مهم جدًا. الاجتماعات كانت طويلة ومكثفة، وبعضها يمتد إلى ساعات متأخرة من الليل. وكان الأمير سعود يضغط بقوة في اتصالاته مع الأمين العام من أجل الوصول إلى صيغة يمكن أن تنهي الحرب. لقد كان عملًا دبلوماسيًا مرهقًا ومتواصلًا حتى نضجت الصيغة الأخيرة.

د. باهرة الشيخلي: نصل إلى صباح الثامن من آب. صعدتم إلى الطابق الثامن والثلاثين لمقابلة الأمين العام. ماذا تتذكرون عن اللقاء؟

د. مظفر الأمين: استقبلني الأمين العام وكان واضحًا عليه الابتهاج. سلمني ملفًا يحتوي الرسالة، وغادرت مكتبه متوجهًا إلى المصعد. وفي أثناء نزولي فتحت الملف وقرأت الرسالة. كانت من علي أكبر ولايتي إلى الأمين العام، وتتعلق بالموافقة على الترتيبات المرتبطة بتنفيذ القرار 598 ووقف إطلاق النار وإنهاء الحرب الطويلة.

د. باهرة الشيخلي: ماذا شعرتم وأنتم تقرأون الرسالة وحدكم داخل المصعد؟ هل أدركتم في تلك اللحظة أن الحرب تقترب فعليًا من نهايتها؟

د. مظفر الأمين: كانت لحظة يصعب وصفها. ثماني سنوات من الحرب والدم والضحايا كانت حاضرة في الذهن. وأنت تقرأ ورقة من بضعة أسطر وتدرك أن وراءها حياة آلاف البشر ومستقبل بلدين، يصبح للورقة وزن مختلف تمامًا.

د. باهرة الشيخلي: ثم فُتح باب المصعد… وهنا حدث المشهد الذي بقي في ذاكرتكم حتى اليوم.

د. مظفر الأمين: نعم. عندما وصل المصعد إلى الطابق الأرضي وفُتح الباب، فوجئت بأكثر من مئة صحفي ومراسل ينتظرون. لم أكن أتوقع ذلك إطلاقًا. انهالت الأسئلة عليّ دفعة واحدة عن مضمون الرسالة وما إذا كانت الحرب ستنتهي.

لم أكن مهيأً لإلقاء تصريح، فقلت جملة واحدة خرجت مني بعفوية:

«لقد حان الوقت لوقف حمام الدم».

ثم مضيت سريعًا إلى مقر الممثلية العراقية لإرسال الرسالة فورًا إلى بغداد.

د. باهرة الشيخلي: لماذا خرجت منكم تحديدًا عبارة «وقف حمام الدم» بدل الحديث عن النصر أو السياسة أو المفاوضات؟

د. مظفر الأمين: لأنها كانت اللحظة الإنسانية قبل أن تكون لحظة سياسية. بعد ثماني سنوات من القتال، كان الأهم أن يتوقف الموت. لم تكن العبارة معدّة مسبقًا؛ خرجت في تلك اللحظة كما شعرت بها.

د. باهرة الشيخلي: وصلت الرسالة إلى بغداد، لكن القرار العراقي لم يكن قد صدر بعد. ماذا جرى خلال الساعتين التاليتين؟

د. مظفر الأمين: وصل الأستاذ عصمت كتاني إلى الممثلية، واتصل بنا وزير الخارجية طارق عزيز وأبلغنا أن القيادة تدرس الرسالة الإيرانية، وطلب منا ألا نتحرك إلى أن يصل القرار؛ لأن الأمين العام كان ينتظر موافقة العراق للمضي في الترتيبات وعقد جلسة مجلس الأمن.

بقينا قرابة ساعتين ننتظر بلهفة شديدة. كانتا ساعتين طويلتين جدًا.

د. باهرة الشيخلي: ثم رن الهاتف…

د. مظفر الأمين: نعم. اتصل طارق عزيز وأبلغ الأستاذ عصمت بالموافقة العراقية.

في تلك اللحظة احتضنني الأستاذ عصمت، وبكينا من الفرح.

لم تكن دموع دبلوماسيين يحتفلان بانتصار تفاوضي؛ كانت فرحة رجلين يعرفان أن حربًا استمرت ثماني سنوات وصلت أخيرًا إلى نهايتها.

وأبلغ الأستاذ عصمت الأمين العام بالموافقة العراقية، ومضت الإجراءات التي انتهت بإعلان وقف إطلاق النار.

د. باهرة الشيخلي: في الرواية الرسمية للحروب تبرز أسماء القادة والجيوش والمعارك، لكن شهادتكم تكشف عن عالم آخر: رسائل ومصاعد وهواتف واجتماعات ليلية. هل تصنع الدبلوماسية أحيانًا النهاية التي تعجز المدافع عن صناعتها؟

د. مظفر الأمين: الحرب في النهاية لا تتوقف وحدها. لا بد من لحظة تتحول فيها نتائج الميدان إلى قرار سياسي، ثم إلى صيغة دبلوماسية يستطيع الطرفان التعامل معها. وما جرى آنذاك كان حصيلة تداخل الميدان والسياسة والدبلوماسية وجهود أطراف كثيرة للوصول إلى النهاية.

د. باهرة الشيخلي: بعد ثمانية وثلاثين عامًا، وأنتم تستعيدون ذلك الصباح، ماذا بقي من 8/8/1988 في ذاكرة مظفر الأمين الإنسان، بعيدًا عن مظفر الأمين الدبلوماسي؟

د. مظفر الأمين: بقيت وجوه الذين كانوا معنا، وبقي صوت الهاتف، والطابق الثامن والثلاثون، والرسالة، والصحفيون عند باب المصعد، واحتضان الأستاذ عصمت كتاني ودموع الفرح.

لكن الذي بقي أكثر من كل ذلك هو الشعور بأن حربًا طويلة انتهت، وأن الناس لن يستيقظوا في اليوم التالي على خبر المزيد من القتلى.

ولهذا، وبعد كل هذه السنوات، ما زلت أعود إلى العبارة نفسها:

«لقد حان الوقت لوقف حمام الدم».

كلمة «الحدث»

قد تحفظ الوثائق أرقام القرارات وتواريخ الجلسات، وتحفظ كتب التاريخ أسماء الحروب والمنتصرين والخاسرين؛ لكن شهادة الشاهد تحفظ شيئًا آخر: اللحظة التي أصبح فيها التاريخ حياةً بشرية.

في الثامن من آب/أغسطس 1988 كان الدكتور مظفر الأمين يحمل ملفًا بين يديه وهو يهبط ثمانية وثلاثين طابقًا.

أما الذي كان يهبط معه، فكان ثماني سنوات من الحرب نحو نهايتها.

وبعد ثمانية وثلاثين عامًا، تبقى عبارته التي لم تُكتب في برقية ولم تُصغ في غرفة مفاوضات:

«لقد حان الوقت لوقف حمام الدم».

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24