
بقلم : د. إبراهيم شقلاوي
مما دفعني لكتابة هذا المقال هو التفكير المستمر حول سؤال محوري، هل تمتلك حكومتنا رؤية واضحة لإعادة الإعمار؟ بمعنى آخر هل لدينا ملفات جاهزة ومخططات في القطاعات الحيوية التي ننتظر البدء في إعادة بناءها ؟ في ظل الواقع الحالي الذي يتطلب الاستعداد الفعلي ، نجد أن بعض المبادرات قد بدأت مبكرا ، مثل ورشة العمل التي عقدتها ولاية الخرطوم في بورتسودان في سبتمبر 2024 والتي كانت خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح.
لكن السؤال الذي يبقى قائمًا هو: ماذا عن الوزارات والمؤسسات الحكومية والخدمية، بل والقطاع الخاص؟ هل هناك خطط واضحة ومحددة لتنفيذ مشاريع إعادة الإعمار، لعل التحدي لا يكمن فقط في وضع الرؤية، بل في تحويل هذه الرؤية إلى خطط عمل قابلة للتنفيذ، تتضمن المشاركة الفاعلة من جميع الأطراف المعنية، الحكومة، القطاع الخاص، والمجتمع المدني.
بداية إعادة الإعمار يجب أن تركز على أربعة قطاعات أساسية، الطاقة، المياه والاتصالات والصحة. فهذه القطاعات تشكل العمود الفقري لأي مجتمع يسعى للنهوض بعد الحرب. الطاقة ضرورية لاستعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، حيث تمكّن الصناعات والنقل والخدمات الأساسية من العمل بشكل مستدام. المياه هي العامل الأبرز لضمان بقاء المجتمعات البشرية، فتوفر مياه الشرب النظيفة وأنظمة الري الفعالة يعد من الأولويات. الاتصالات تُمثل عنصر الربط بين الأفراد والمؤسسات، وتسهم في تسريع تنفيذ مشاريع الإعمار وتوجيه المعلومات.
أما الصحة فهي الأساس لاستقرار المجتمع، حيث يساهم بناء نظام صحي قوي في معالجة آثار الحرب وتقديم الرعاية الضرورية للمواطنين. إن التركيز على هذه القطاعات في بداية الإعمار يضمن الإستقرار، ويضع الأساس لبقية المشاريع التنموية المستقبلية. من أين تكون البداية ؟ إعادة الإعمار تبدأ من تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي، إذ لا يمكن الحديث عن إعادة الإعمار دون بيئة آمنة ومستقرة. يجب أن تكون البداية عبر فرض الأمن وبسط سيادة الدولة في كل المناطق المحررة، خاصة المدن التي تعرضت للدمار.
بجانب إعادة هيكلة مؤسسات الدولة لضمان كفاءة الأداء الحكومي، بما في ذلك الأجهزة الأمنية والقضائية والإدارية. كذلك تهيئة البيئة القانونية لجذب الاستثمارات والمساعدات الدولية، بما يضمن الحوكمة والشفافية. يجب أن تكون لدينا استراتيجية متكاملة تتضمن قيود زمنية ، تتبع نهج الإعمار على مراحل، بحيث تتوازى الجهود بين القطاعات الحيوية وفق الأولويات الوطنية، وتتسم بمرونة تتيح التكيف مع المستجدات. مثال ذلك في جانب البنية التحتية والخدمات الأساسية، إعادة تأهيل الطرق والجسور لضمان الحركة والتنقل.
إصلاح شبكات المياه والكهرباء، مع التركيز على المدن الكبرى والمناطق المتأثرة . كذلك استعادة شبكات الإنترنت لضمان التواصل والتنسيق بجانب حوسبة كافة المعاملات الحكومية بما في ذلك عمل المصارف والخدمات المتعلقة بالمواطن .
القطاع الصحي إعادة تأهيل المستشفيات والمراكز الصحية. توفير الأدوية والمستلزمات الطبية عبر شراكات دولية وإقليمية. إعادة الكوادر الطبية النازحة وتشجيع العائدين على الالتحاق بالخدمة. كذلك التعليم: إعادة فتح المدارس والجامعات ، مع التركيز على الولايات الأكثر تضررًا. تطوير مناهج تعليمية تُراعي ظروف ما بعد الحرب وتعزز التماسك الاجتماعي. توفير منح دراسية للطلاب المتضررين لضمان استمرار العملية التعليمية.
إعادة إعمار القطاعات الإنتاجية، بتأهيل المشروعات الزراعية الكبرى مثل الجزيرة والرهد. دعم قطاع الثروة الحيوانية والصناعات التحويلية. إعادة تشغيل المصانع المتوقفة وإنشاء مناطق صناعية جديدة بمواصفات عالمية. إصلاح الاقتصاد وتشجيع الاستثمار من خلال هيكلة النظام المصرفي لاستقطاب الاستثمارات. تقديم حوافز للمستثمرين المحليين والدوليين لضخ رؤوس أموال في مشاريع إعادة الإعمار. تفعيل الشراكات بين القطاع العام والخاص لتمويل البنية التحتية والمشاريع التنموية.
في جانب إعادة بناء المدن المدمرة، يجب وضع مخططات عمرانية حديثة تشمل إعادة تخطيط الأحياء العشوائية. توسيع المدن وبناء مساكن جديدة تلبي احتياجات المواطنين وتراعي التنمية المستدامة. أيضا في جانب الإصلاح الإداري والسياسي، تعزيز الحكم المحلي لضمان تقديم الخدمات بكفاءة. استكمال عمليات العدالة الانتقالية لمعالجة آثار الحرب وتعزيز المصالحة الوطنية.
هناك تدابير مهمة يجب أن يكون الإعمار على مراحل وفق الأولويات، لأن الأوضاع الأمنية والاقتصادية لا تسمح بتنفيذ كل المشاريع دفعة واحدة. ومع ذلك، يمكن العمل على عدة محاور متوازية، مثل إصلاح البنية التحتية الأساسية بالتزامن مع دعم الاقتصاد وتحقيق الاستقرار الأمني والسياسي. لا يمكن تحقيق إعادة إعمار مستدامة دون وجود سلطة تنفيذية تمتلك شرعية وطنية و رؤية واضحة وتخطط للانتقال ،بجانب استقلالية عن التجاذبات السياسية.
من الضروري أن تكون الحكومة التي تقود هذه المرحلة حكومة كفاءات وطنية مستقلة ، تتولى تنفيذ الإصلاحات العاجلة وإعادة بناء مؤسسات الدولة، على أن تعمل وفق الوثيقة الدستورية المعدلة للعام 2025، وتستكمل فترتها البالغة 39 شهرًا، 1.180 يوم والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل أساسية: المرحلة الأولى (0-12 شهرًا): التأسيس والاستقرار، بمشاركة خبراء في الاقتصاد، الأمن، الإدارة العامة، وإعادة الإعمار.
يناط بها خلال الفترة بسط السيطرة الأمنية في كل المناطق المحررة، وإعادة بناء الأجهزة العدلية لضمان سيادة القانون. وضع خطة وطنية للإعمار تشمل الأولويات، وآليات التمويل، ومشاركة القطاع الخاص والشركاء الدوليين. بدء مشاريع إعادة تأهيل الخدمات الأساسية مثل الكهرباء المياه والصحة والتعليم. المرحلة الثانية (13-26 شهرًا): إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، تنفيذ مشاريع كبرى في الزراعة والبنية التحتية وإعادة تشغيل المصانع لتعزيز الإنتاج المحلي. إطلاق برامج الدعم الاجتماعي لمساعدة الأسر المتضررة على التعافي اقتصاديًا.
تفعيل الاستثمار وتشجيع عودة رؤوس الأموال السودانية المهاجرة. إعادة هيكلة الخدمة المدنية لضمان كفاءة الأداء الحكومي. المرحلة الثالثة (27-39 شهرًا): الاستقرار المؤسسي والتسليم الديمقراطي، استكمال إعادة بناء المدن والبنى التحتية المدمرة. وضع أسس قوية لإجراء انتخابات ديمقراطية شفافة بنهاية الفترة الانتقالية. تسليم السلطة لحكومة منتخبة بعد ضمان استقرار الدولة وخلق بيئة سياسية واقتصادية آمنة.
عليه وبحسب ما نراه من #وجه_الحقيقة إعادة إعمار السودان تتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين الاستقرار الأمني والسياسي، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية، ودعم الاقتصاد، وتأهيل القطاعات الإنتاجية. سيكون التنفيذ على مراحل وفق الأولويات، مع ضرورة إشراك القطاع الخاص، والاستفادة من الدعم الإقليمي والدولي، لضمان تحقيق التنمية المستدامة أن خلصت النوايا.
دمتم بخير وعافية.
السبت 29 مارس 2025 م [email protected]