هل المنطقة اليوم على حافة جولة جديدة من الحرب الواسعة..؟

 اللواء الركن فيصل الدليمي 

*1•مقدمة: الهدنة لإعادة التقييم*
خلال الأسابيع الأخيرة، تعززت القناعة لدى أطراف دولية عربية وغربية بأن الجولة السابقة من الحرب على إيران انتهت إلى نتائج مخالفة لكل الخطط والتوقعات. وأن مذكرة التفاهم لوقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران لم تكن سوى هدنة تكتيكية، هدفها إعادة تقييم ما جرى، وفحص أسباب التعثر، ومراجعة الخطط، ودراسة نقاط القوة والضعف التي أظهرتها أمريكا وإسرائيل وإيران، وكيفية التعامل معها في أي جولة مقبلة.
وقد زاد من قلق هذه الجبهة أن الحرب على غزة لم تنتهِ، والحرب على حزب الله في لبنان لم تنتهِ إلى استسلامه أو إنهاء قدرته كما كان مأمولاً، فيما يواجه المسار السياسي مع السلطة في بيروت تعقيدات كبيرة. كذلك فشلت خطة استئصال الفصائل المسلحة في العراق، وجاءت المفاجأة الأبرز من اليمن، حيث تمكنت حركة أنصار الله من الإمساك بخناق باب المندب، ثاني أهم مضيق حيوي للاقتصاد العالمي.

*2•ما بين 8 نيسان ومنتصف أيلول*
بين 8 نيسان الماضي، تاريخ إعلان وقف إطلاق النار، ومنتصف أيلول الجاري، تراكمت تطورات كثيرة وشهدت المنطقة سجالات حول المسؤولية عن عدم تحقيق الأهداف، ولا سيما عدم إسقاط النظام في إيران، وعدم إحداث تغيير حاسم في قدرات القوى الحليفة لها في العراق واليمن ولبنان.
وشهدت العلاقة بين إدارة الرئيس ترامب وحكومة نتنياهو تجاذباً انعكس سلباً على مواقف دول الخليج، التي شعرت للمرة الأولى بأن مظلة الحماية الأمريكية ليست فعالة بالقدر المطلوب، وأن كلفة التحالف معها ستكون باهظة ما لم يتم تحييد النظام في إيران. وقد درس أكثر من طرف خليجي اعتماد سياسة النأي بالنفس بحثاً عن قدر من الأمان.

*3•تباين المواقف الخليجية*
لكن مسارعة الإمارات إلى عقد صفقة اقتصادية أولية مع إيران، والحذر المصري – التركي – الباكستاني من المشروع الأمريكي – الإسرائيلي، لم ينسحبا على الجانب السعودي.
على العكس، ظلت القيادة السعودية تعمل وفق مبدأ الاستعانة بكل شياطين الأرض لكسر شوكة إيران وحلفائها. وهو مسار يشتمل على عمل عسكري وأمني واقتصادي وسياسي، وله ساحات كثيرة من الخليج نفسه، وفي سوريا والعراق ولبنان، وصولاً إلى فلسطين. وكان التركيز السعودي على ساحة اليمن الغربي، لكنه لم يكن يتوقع انهيار قوة يمنية حليفة له وتمكن أنصار الله من السيطرة على كامل الساحل الغربي ووضع اليد على باب المندب.

*4•الجبهة اللبنانية المعطلة*
في لبنان، لم يكن بمقدور أحد وقف المسار الإسرائيلي في الاعتداءات. وفي كل مرة حاولت فيها السلطة اللبنانية تحصيل أي دفعة من الجانب الإسرائيلي، كان الوسيط الأمريكي يربط ذلك بضرورة تنفيذ خطط نزع سلاح حزب الله، مكرراً أن إدارة ترامب لا تستطيع الضغط على نتنياهو عشية استحقاق سياسي في إسرائيل.
وكانت النتيجة إبعاد لبنان عن مسار التفاوض مع إيران، دون أن يحقق الجانب الأمريكي أي نتيجة لتوسيع نفوذه، فيما كان الجانب السعودي يسعى لمنع انهيار جبهته الحليفة وسط خشية من أن يلجأ حزب الله إلى خطوات داخلية تطيح بالسلطة في بيروت.

*5•مؤشرات الجولة القادمة في اجتماع ألمانيا..*
مما يرشح من مداولات جهات نافذة في المحور المعادي لأمريكا وإسرائيل، أن الخلافات الظاهرة بين ترامب ونتنياهو ليست من النوع الذي يمكن بناء استراتيجية عليه. ومع مرور الوقت، عاد التعاون الأمريكي – الإسرائيلي إلى النشاط، وعادا للحديث عن ضرورة إسقاط النظام في إيران، مع إضافة أطراف جديدة وفي مقدمتها السعودية.
وبناءً عليه، تم إيكال مهمة التنسيق الميداني إلى القيادة الوسطى للجيش الأمريكي، التي نظمت الاجتماع العسكري في ألمانيا قبل نحو عشرة أيام، بمشاركة رئيس أركان الجيش الأمريكي ورئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي ورؤساء أركان وقادة جيوش السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت والأردن ومصر.
وقد ركزت المباحثات حسب التسريبات على بحث المواجهة والتطورات العسكرية القادمة مع إيران، إلى جانب التصعيد المستمر في اليمن. وبدا الاجتماع ظاهرياً كمراجعة لنتائج المواجهة السابقة، لكن المعطيات تشير إلى أنه تحضير لعمل كبير، خصوصاً أن السعودية باتت تضغط لدفع الأمريكيين للانتهاء من إيران مرة واحدة.

*6•الرد الإيراني: تحذير مقر خاتم الأنبياء*
وهذا ما استدعى إصدار بيان مختلف من مقر خاتم الأنبياء في إيران، أشار إلى أن أمريكا ومن أجل التغطية على إخفاقاتها، قررت بضوء أخضر من بعض دول المنطقة، استئناف إجراءات عسكرية ضد إيران في إشارة إلى اجتماع ألمانيا.
ووجه تحذيراً لافتاً: إذا ارتكبت أمريكا خطأً ضد إيران، فإن جميع مراكز تمركزها ومصالحها في المنطقة ستتعرض دون أي قيود لهجمات مستمرة ومؤلمة. كما أن انحياز دول المنطقة إلى جانب العدوان يجعلها شركاء فيه، ولن يعود بإمكانها توقع ضبط النفس.

*7•المأزق السعودي: بين التوريط والضمانات*
وعليه تتقدم السعودية اليوم هذه الجبهة التي عليها أن تعقل وتتوكل، وأن تختار بين القدرة على تحقيق أهدافها، وبين النأي بالنفس والخروج من التحالف الأمريكي، أو التورط في حرب واسعة لا يقدر أحد على توقع نتائجها.
ووسط التسريبات عن ضيق السعودية من عدم توفير واشنطن الحماية المطلوبة، ذهب البعض للحديث عن رغبة الرياض في تسوية سريعة مع إيران، لكن هذا التقدير ليس دقيقاً.
ومن المفيد التوقف عند حديث مسؤول سابق في الموساد الصهيوني قد شارك في إعداد سيرة للحكومة السعودية ووصفها بأنها قصيدة مديح غير مسبوقة بهدف توريطها في حرب واسعة لها بداية وليس لها نهاية.
وفي المقابل، نقلت صحيفة يسرائيل هيوم عن مسؤول سعودي قوله: “نحن في حالة حرب مع إيران رغم عدم إعلانها رسمياً”، وأن إسقاط النظام في طهران أصبح مصلحة إقليمية، وأن أمريكا وإسرائيل هما من أشعلتا فتيل الحرب وهما الوحيدتان اللتان أثبتتا فعالية ضد أنصار الله.
الفكرة أن القيادة السعودية قد تظهر ميلاً لإعادة فتح النقاش مع واشنطن، وهي مستعدة لدفع ثمن إسقاط النظام والقضاء على الحوثيين، لكنها تحتاج إلى ضمانات حقيقية بأن ذلك سيحصل، حيث تخشى كبقية قادة المنطقة من فشل أي حملة جديدة حتى لو كانت أشد عنفاً، خاصة بعد فشلها في الحصول على دعم مباشر من تركيا ومصر وباكستان.

*8.الخلاصة: حرب بلا سقوف*
عملياً، تعيش المنطقة اليوم على وقع توتر كبير. ثمة استحقاقات سياسية في إسرائيل وأمريكا، لكن هناك ما هو أشد فتكاً وهو الآثار الاقتصادية للحرب، مع منسوب قلق عالٍ لدى عواصم بارزة تتقدمها السعودية.
وكل ذلك يقود إلى أن دائرة الانفراجات مقفلة من كل الجهات، وأن اجتماع نيويورك بين ترامب وقادة الخليج سيشكل الأرضية لتوقع أحد مسارين: عمل دبلوماسي لانسحاب كامل من المعركة، أو الاستعداد لجولة عنف ستكون هذه المرة بلا سقوف وبلا قواعد وبلا حدود، ولا يفوز فيها إلا من عدّ لها وقدّر وحسب كل الخيارات وأخطر المسالك واستفاد من كل التجارب والمحن.
وعليه أن أي أمة تريد أن تنهض من كبوتها عليها أن تدرس التاريخ وتستخلص منه الدروس والعبر في حاضرها لكي تستشرف المستقبل،
وإلى الله ترجع الأمور..

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24