
بقلم بلحمدي رابح /البليدة الجزائر
في علم الهندسة، المنحنى خط لا يستقيم. وفي علم الاجتماع، الوعي الجماعي منحنى أيضًا: يصعد، يهبط، يتوقف، ينكسر، ثم يعاود الصعود. والجزائريون — منذ معسكر إلى قصر المرادية — لم يعيشوا خطًا مستقيمًا، بل منحنىً متعرجًا، فيه قمم من نور، ومنحدرات من رماد، وهضاب من سبات.
هذا المقال محاولة لرسم ذلك المنحنى. لن أستعمل المسطرة، بل سأستعمل الضحك أحيانًا، والدموع أحيانًا، والحلم أحيانًا.
في نوفمبر 1832، اجتمع الجزائريون في سهل غريس، وبايعوا شابًا في الخامسة والعشرين اسمه عبد القادر. لم يسألوه: من أنت؟
سألوه فقط: هل تستطيع أن تحمل الأمانة؟
قال: نعم.
فبنى دولة. عاصمتها معسكر، وجيشها عشرة آلاف، ومصانعها للسلاح، ومدارسها للعلم،وحين سقطت معسكر، نقل العاصمة إلى تاقدمت، وحين ضاقت تاقدمت، الزمالة عاصمة تمشي على قدمين، تحمل فيها الدولة خيامها وأعلامها وكتبها، وتمضي.
في تلك اللحظة، بلغ الوعي الجزائري قمته الأولى. لم يكن وعيًا مكتملًا، لكنه كان وعيًا موحّدًا: قبائل مختلفة، لهجات مختلفة، لكن هدف واحد.
ثم جاءت فرنسا، ومعها خيانة بعض القبائل، ومعها خذلان العالم. وسقط الأمير في 1847.
وهبط المنحنى.
هنا نزل المنحنى إلى وادٍ عميق. لكن في هذا الوادي، حدث شيء غريب: بدأ الجزائريون ينسون أنهم كانوا أمة، ويتذكرون أنهم رعية.
نابليون الثالث كتب رسالته الشهيرة عام 1865 يقول إن الجزائر مملكة عربية، ومستعمرة أوروبية، ومعسكر فرنسي. ثم جاء المرسوم السناتوري عام 1863 ليفكك القبيلة، ويفتت الأرض، وينزع الزعامة. ثم جاء مرسوم كريميو 1870 ليقسم السكان: يهود مواطنون، ومسلمون رعايا.
والنتيجة؟
الوعي الجزائري انقسم إلى ثلاثة:
وعي المستوطن: يريد أرضًا.
وعي المثقف: يريد مكانًا في فرنسا.
وعي الفلاح: يريد أن يبقى حيًّا.
وبين الثلاثة، ضاع السؤال الكبير: من نحن؟
قالوا: نحن عرب. فجاء البربر وقالوا: ونحن؟
قالوا: نحن مسلمون. فجاء العلمانيون وقالوا: والدين لله؟
قالوا: نحن فرنسيون. فجاءت فرنسا وقالت: لا، أنتم أهالي.
وهكذا بقي المنحنى في الوادي، يبحث عن مخرج، ولم يجد إلا… الحرب.
في ليلة الأول من نوفمبر 1954، أعلن بيانٌ أن الجزائر ستكون دولة ديمقراطية اجتماعية ذات سيادة. لم يقل: مشروعًا، ولم يقل رؤية، ولم يقل إصلاحات. قال: دولة.
وفي تلك الليلة، صعد المنحنى من جديد. صعد بسرعة، بدم، بنار، بحلم. صعد من الأوراس إلى القبائل، ومن القبائل إلى وهران، ومن وهران إلى الصحراء. صعد حتى صار وعيًا واحدًا: الاستقلال.
وفي 5 يوليو 1962، بلغ المنحنى قمته الثانية. لكن القمم — كما تعلمون — تنحدر من جهة أخرى.
بعد الاستقلال، توقع الجزائريون أن يستمر الصعود. لكن المنحنى فعل شيئًا آخر: استوى. أصبح هضبة.
هضبة طويلة، مسطحة، لا تصعد ولا تهبط. هضبة اسمها: الاستقرار.
الوعي بالدولة = موجود.
الوعي بالمواطنة = مؤجل.
الوعي بالحرية = لاحقًا، بعد الثورة الزراعية.
الوعي باللغة = العربية لغة القرآن، والفرنسية لغة… الإدارة.
الوعي بالأمازيغية = لاحقًا، بعد الاستقرار.
وفي 1988، حاول الشباب أن يهزوا الهضبة. فسقطوا. ثم فُتح الباب عام 1989، فدخلت التعددية، ثم دخلت العشرية السوداء.
العشرية السوداء لم تكن مجرد حرب. كانت انكسارًا في الوعي. الجزائري قتل الجزائري. والقبيلة عادت لتنتقم من الدولة. والدين تحوّل إلى سلاح. والدم صار لغة.
في تلك السنوات، بلغ المنحنى أدنى نقطة له. لم يكن وعيًا، بل نجاة. لم يكن سؤالًا، بل جوابًا واحدًا: من يقتل من؟
ثم جاء زروال، وقال: كفى.
وأنقذ الدولة من الانهيار. لكنه لم يبنِ وعيًا جديدًا. أنقذ الجسد، ولم يعالج الروح.
وبقي المنحنى في القاع، يتحرك أفقيًا.
بوتفليقة جاء ليُخرج الجزائر من القاع. وأخرجها بالفعل. لكنه لم يُصعدها. جعلها تمشي في القاع، لكن بخطوات واثقة.
المصالحة = نسيان.
الاستقرار = رقابة.
التنمية = ريع.
الديمقراطية = انتخابات بنتائج معروفة.
وفي 2019، استقال. فصعد المنحنى فجأة. صعد في الجمعة. صعد في الحراك. صعد في لا للعصابة.
وللمرة الثالثة في التاريخ، بلغ الوعي الجزائري قمة.
لكن القمة الثالثة كانت مختلفة: لم تكن قمة دم، بل قمة صوت.
بعد 2019، دخل المنحنى مرحلة جديدة: التذبذب.
صعد في المظاهرات.
هبط في الانتخابات.
صعد في الحرية.
هبط في الاعتقالات.
صعد في الوعي الشبابي.
هبط في الانقسام.
وفي 2026، ما زلنا في هذه المرحلة. لا نحن في القمة، ولا نحن في القاع. نحن في منحنى يبحث عن اتجاه.
العوامل المشكّلة للوعي الجزائري
بعد رسم المنحنى، ما هي القوى التي حرّكته؟ خمس قوى:
الأرض
من المرسوم السناتوري 1863 إلى قانون الأراضي 1873 إلى أزمة السكن 2026. من لا يملك أرضه لا يملك وعيه.
اللغة
من تعريب المدرسة إلى قص جناح الفرنسية إلى الدارجة إلى الأمازيغية. اللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل هي وعي كامل.
الدين
من مقاومة الأمير إلى الإسلام السياسي إلى التصوف إلى العلمانية. الدين في الجزائر ليس مسألة شخصية فقط، بل هوية جماعية.
الذاكرة
من معسكر إلى تاقدمت إلى الزمالة إلى 5 يوليو 1962 إلى 5 أكتوبر 1988 إلى 2019. الذاكرة هي التي تُشكل المنحنى. ومن يفقد ذاكرته، يفقد وعيه.
الخارج
من نابليون الثالث إلى فرنسا 2026. من الاحتلال إلى العولمة. الجزائر لم تكن يومًا معزولة عن العالم، والعالم لم يكن يومًا محايدًا تجاه الجزائر.
الاستشراف: إلى أين يتجه المنحنى؟
في 2026، المنحنى أمام ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول: القمة الرابعة
إذا نضج الوعي، واستُثمر الحراك، وتصالحت الأجيال، يمكن أن يصعد المنحنى إلى قمة رابعة. قمة لا تكون بالدم ولا بالصوت، بل بالمؤسسات. قمة تتحقق فيها الدولة كما أرادها بيان نوفمبر: ديمقراطية، اجتماعية، ذات سيادة.
السيناريو الثاني: الهضبة الأبدية
إذا بقي الوعي معلقًا، لا يصعد ولا يهبط، فسنبقى في هضبة جديدة. هضبة التذبذب. لا حرب، ولا سلام. لا استبداد كامل، ولا حرية كاملة. هضبة اللامنتمي.
السيناريو الثالث: الوادي الجديد
إذا انقسم الوعي، وتشظت الهوية، وتغولت المصالح الضيقة، فقد نعود إلى وادٍ جديد. وادٍ لا يشبه وادي التسعينات، لكنه قد يكون أعمق. وادٍ من الانقسام الجهوي، أو الطبقي، أو الجيلي.
وفي الختام:الوعي الجزائري ليس قدرًا. إنه اختيار.
إذا اخترنا الذاكرة، سنصعد.
إذا اخترنا التربية، سنصعد.
إذا اخترنا الحوار، سنصعد.
إذا اخترنا المؤسسات، سنصعد.
وإذا اخترنا النوم… فسنبقى نتنقل بين الوادي والهضبة، والقمة والقاع، إلى أن يأتي من يوقظنا.
الوعي ليس هبة من السماء. الوعي هو الطريق. والطريق… نبنيه نحن.
فلنبدأ من معسكر، لا لنحلم بالماضي، بل لنبني المستقبل.
فلنبدأ من 2026، لا لنندب الزمن، بل لنصنعه.
فلنبدأ.










