مقاربات واختلافات في الأطر الفكرية بين الديمقراطية وفلسفات معاصرة

الحلقة الرابعة: الديمقراطية وفلسفة السلوك الجمعي في التفاعل الإنساني.

د عامر الدليمي.

تُعبّر الديمقراطية عن سلوك جمعي لمختلف الرؤى والأيديولوجيات والانتماءات السياسية، إذ تجمعها ممارسة ديمقراطية وفق آليات محددة وقواعد ثابتة ومتفق عليها قانونيًا وإجرائيًا، ولا سيما في الانتخابات، لإقرار مشروع معين بوصفه رمزًا للتوافق والتفاعل الإنساني، وثقافة اجتماعية مشتركة لها خصائصها وتوازنها المنطقي في حياة المجتمع. وتتخذ هذه الثقافة شكل تعبيرات منطقية وأفعال إرادية تعبّر عن حالة سلوكية وموقف إنساني، ومظهر خارجي ذي دلالات تعبيرية عن شخصية الفرد في تصرف أو أسلوب معين، أو في نشاط مقصود يقوم على الوعي، وينطلق من نظرة إيجابية وسليمة تجسّد موقفًا معينًا في المجتمع.

والديمقراطية، في هذا السياق، هدف لفلسفة تعكس الأفكار والخواطر والميول والاتجاهات، وهي عامل مهم ومؤثر في تنمية الوعي الاجتماعي والتفاعل الإنساني، بوصفهما حالة إيجابية تتجسد في السلوك والممارسة الإجرائية. كما تعمل الديمقراطية على تنظيم السلوك الجمعي من خلال بناء علاقات إنسانية تقوم على المساواة والاعتراف بالآخر والتواصل معه، من دون إلغاء هويته الشخصية أو انتمائه الثقافي والفكري، فضلًا عن توسيع مدارك التعاون والتفاعل الإنساني.

والديمقراطية الحقيقية لا تقف عند حدود المظاهر السياسية الشكلية، بل هي تعبير سيكولوجي عميق يتأصل في ذهنية الفرد وتكوينه الأخلاقي والإنساني، وتتجلى بصورة عميقة في سلوكه وأخلاقه الإنسانية. إنها، بالأحرى، تشكيل صميمي وأصيل يدفع الإنسان إلى ممارسة وجوده الإنساني على نحو تتجلى فيه القيمة الإنسانية للإنسان.

والديمقراطية هي جملة من الاتجاهات والمواقف التي تشكل السمات الشخصية للفرد، وتعمل على تحديد ميوله واتجاهاته في مجال علاقاته بالوجود والمجتمع، وهي، في جانب منها، طريقته في الحياة. وإن الأفراد يستطيعون السلوك والتكيف بذكاء، والمناقشة والانفتاح في مستوى الرأي العام (1).

ولا شك في أن السلوك الجمعي يمثل ثقافة اجتماعية فاعلة تصل بين الوجود الإنساني والواقع الاجتماعي، ضمن تراكيب سلوكية تتسع للجميع بتأثير العقل الجمعي، وفي ضوء الممارسة الديمقراطية للجميع والمصلحة الاجتماعية والتغيير الاجتماعي. وهو، كذلك، انعكاس لمواقف ظاهرة نتيجة للتفاعل الإنساني والاجتماعي في العلاقات العامة، بوصفه تصرفًا يتجه نحو مصلحة المجموع، ويستند إلى القيم والفضيلة.

ولا يقتصر مفعول السلوك الجمعي على إحداث تغييرات اجتماعية فحسب، بل إنه قد يكون، في بعض الأحيان، عاملًا من عوامل المحافظة والثبات وترسيخ النظام؛ فالأنماط السلوكية حديثة العهد، والقيم الحضارية الجديدة، التي لا تزال بحاجة إلى السلوك الجمعي، تحتاج إلى ترسيخها واكتسابها الحرمة والنفوذ بين الناس (2).

وكما أن الممارسة الديمقراطية تحتاج إلى جهد فاعل لترسيخها في المجتمع وإحداث تغييرات سياسية واجتماعية حديثة، فإنها تمثل موقفًا ظاهرًا ناتجًا عن نمط سلوكي جمعي يؤكد حرية الأفراد في اختياراتهم الشخصية، ويجسّد المساواة واحترام الرأي العام للمجتمع.

والسلوك الجمعي هو أحد الأسباب المعنوية والاجتماعية لتفاعل الأفراد بصورة جماعية مع إيقاعات الحياة الاجتماعية وقنوات الاتساق الاجتماعي؛ إذ من غير الممكن أن يعيش الإنسان بمعزل عن مجتمع يتفاعل معه في رغباته ومهاراته ونشاطاته الثقافية والاجتماعية، لأن الإنسان بطبعه وتكوينه كائن اجتماعي.

وقد لا تكون هذه المجتمعات كبيرة، وإنما قد تكون مجتمعات صغيرة يمارس الفرد نشاطه معها، وتكتسب أهمية خاصة بالنسبة إليه؛ لأنها قد تكون أقرب إلى نفسيته أو ثقافته أو هوايته المفضلة، فيجد فيها راحة نفسية، وينطلق منها بوصفها قاعدة نحو مزيد من الإبداع والتفاعل الإنساني، على أساس من الانسجام المجتمعي والسلوكي.

وتنشأ هذه الحالة نتيجة وجود مقتربات اجتماعية تشكل رابطًا أساسيًا للتفاعل والانسجام، بوصفها انعكاسًا لطبيعة شخصية تتجه نحو التفاعل الاجتماعي، وشعورًا مشتركًا وتصرفًا يحمل دلالات ومعاني معينة.

إلا أن هذا التصرف يختلف من شخص إلى آخر، ومن مجتمع إلى آخر، بحسب الثقافة والتقاليد والأنماط السلوكية السائدة في الحياة والعلاقات المجتمعية، وفي كيفية التفاعل الإنساني، سواء في العمل أو في اتجاه الأفكار والقيم. وعلى الرغم من وجود هذه الحالات في المجتمع، فإنها قد تظهر بنسب متفاوتة، إلا أن التفاعل الإنساني قادر على توحيد مقترباتها بصورة متوازية في ضوء فلسفة اجتماعية تحقق مصلحة الجميع.

ومن هنا يأتي المزج بين أعضاء المجتمع بما يسهم في تحقيق التوافق في السلوك، كما هو الحال في العمل الديمقراطي الذي يقوم أساسًا على اشتراك اتجاهات وأفكار متعددة لمنظمات تختلف في مبادئها وتطلعاتها وبرامجها، لكنها تتفق في نهاية المطاف على تحقيق أهداف معينة تصب في مصلحة المجتمع عامة.

ويتحقق ذلك من خلال تفاعلها الإنساني وسلوكها الجمعي التوافقي الديمقراطي، الذي يحمل دلالة على العمل المنسجم والتفاعل الحقيقي، بوصفه نتيجة لأفعال وسلوك إنساني يتجلى في مظاهر لنشاط مقصود، ويعبّر عن فلسفة ديمقراطية لها علاقة وثيقة بالسلوك الجمعي والتفاعل الإنساني.

المصادر

1. جون ديوي، فيلسوف ومفكر أمريكي في القرن العشرين، «الديمقراطية الخلاقة والمهمة التي تنتظرنا»، ترجمة علي أسعد وطفة، 2023م، موقع Google.

2. د. حاتم عبد الصاحب الكعبي، السلوك الجمعي، مطبعة الديوانية الحديثة، العراق، 1973م، ص. 178.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24