ليلى عمر
وقفتْ «الأيام» على منصة الشهود، بخطواتٍ تثقلها التفاصيل، وتجلّلها هيبة السنون. لم تكن العجلة التي تدور بلا هدف، بل كانت السجلات الحية التي عبرتْ من خلالها الروابط، وتشكّلت في مطارحها الملامح. نظرت إليكِ بعين العارف الحكيم، وبصوتٍ يشبه هدير الموج حين يرتطم بالصخور بعد هدوء عميق، رفعت شهادتها.
أيتها الإنسانة الواقفة في قفص الاتهام.. لستُ الخصم الذي سرقك، ولا الغريم الذي تبددين في حضرته العمر، بل كنتُ الوعاء الصافي الذي سكبْتِ فيه أثمن ما تملِكين: مداد الروح، وعمق التأمل، وحنو الأمومة، ودفء الزوايا التي شهدتْ تفاصيل الحنين والسكون.
أتيتُ اليوم لا لأشكو جحودًا، بل لأكشف سرًا غفلتِ عنه في خضمّ السعي والالتفاتت لقد كنتِ تخافين ألا يسعكِ الوقت، بينما كنتِ أنت من تتسّعين لكل العالم!
لقد عبرتِ معي عتباتٍ طويلة،حملت في قلبك دفء بيوتٍ امتدت لسنوات، وأودعت السطور أسرارًا لا يدرك كنهها إلا من صافح الروح قبل الحرف. جعلتِ من قهوة الصباح مزارًا للسكينة، ومن لوحاتكِ نافذةً تطلين فيها على بحر غرامكِ الخفي.
ومع ذلك.. كنتِ دائمًا تقفين على حافة القلق، تحسبين ما فات،وتستبقين ما يأتي، كأنكِ لستِ أنتِ من يكتب لحن الحياة، بل من يترقب نهايته!
جئتُ لأقول لكِ أمام الملأ: لا تيأسي من كثرة ما أخذتُ منكِ من سنين، فما تركتُه فيكِ من أثرٍ أعمق وأبقى. إنكِ لم تضيعي يومًا، بل كنتِ في كل صباحٍ تنحتين من جدار الأيام قصيدةً، وتربين في رياض الروح أجيالاً من العطف والجمال. فلماذا اليوم تقفين متهمةً، وأنتِ التي ألبستِ الأيام معناها، وجعلتِ من دقاتها نبضًا حياً لا يموت؟










