قصة قصيرة… المقعد الخشبي

بقلم: د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة

لم يكن سليم يخشى الموت بقدر ما كان يخشى أن يمرّ يومٌ آخر من دون أن يتذكّره أحد.
منذ خمس سنوات، اعتاد الجلوس على المقعد الخشبي الأخير في الحديقة العامة، قبالة ممرّ تتساقط عليه أوراق الأشجار في الخريف.
قبل ثلاث سنوات، جلست إلى جواره امرأة غريبة، تحدثت عن الطقس، وضحكت كأنها تعرفه منذ زمن. لم يسألها عن اسمها، ولم تسأله عن اسمه. وحين غادرت، تركت في نفسه فراغًا لم تنجح الأيام في ملئه. صار يعود كل مساء، منتظرًا أن تستأنف حديثًا لم ينتهِ.
في ذلك المساء، وجد ورقة مطوية على المقعد:
«تأخرت. هي كانت هنا، لكنها رحلت».
ارتجفت أصابعه. بحث حوله، فلم يرَ أحدًا. مدّ يده إلى جيب سترته ليتفقد الصورة التي احتفظ بها منذ لقائهما، فاكتشف أن الجيب فارغ.
ظلّ واقفًا، يتأمل المقعد، حين اقترب عامل الحديقة وبدأ يفكّ ألواحه الخشبية.
سأله سليم:
— ماذا تفعل؟
أجابه العامل:
— نستبدل المقاعد القديمة. هذا المقعد انتهى عمره الافتراضي.
حدّق سليم في الألواح التي تُنتزع من مكانها، ثم سأل:
— وماذا عن الأشياء التي تُركت عليه؟
ضحك العامل:
— الأشياء لا تدخل في الجرد، يا سيدي.
ثم حمل المقعد بعيدًا.
في صباح اليوم التالي، وجد سليم إعلانًا عند مدخل الحديقة: «افتتاح مقاعد جديدة، برعاية إدارة تحسين المرافق العامة».
تأمله طويلًا، ثم أخرج من جيبه ورقة الأمس، وكتب على ظهرها:
«أنا أيضًا انتهى عمري الافتراضي».
طواها بعناية، ووضعها على المقعد الجديد، ومضى.
وفي المساء، جلس شخص آخر مكانه، قرأ الورقة، ثم دسّها في جيبه.
لم يكن سليم قد ابتعد كثيرًا؛ رآه من خلف الأشجار، فابتسم للمرة الأولى منذ سنوات.
وأخيرًا، صار لديه من يتذكّره.
لكن إدارة الحديقة أصدرت في اليوم التالي قرارًا بمنع ترك الأوراق على المقاعد، حفاظًا على النظافة العامة…!!.

23.أكتوبر.تشرين أول.2026م.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24