قبر مجهول في سيدي عبد الرحمان

بقلم بلحمدي رابح/ البليدة الجزائر

في سيدي عبد الرحمان، يا سادة أو يا خو !!!

على ذلك المرتفع الذي يطل على العاصمة كأنه يتفرج عليها، هناك قبر. قبر مجهول. لا اسم. لا تاريخ. لا نسب. لا قبيلة. لا عرش. لا دوار. لا قصر. لا خيمة. لا سفينة. مجرد حجر. وحجر آخر. وتراب.

من هذا؟

شكون هذا يا خو ؟

لا أحد يعرف. لا أبناؤه. لا أحفاده. لا الذاكرة. لا الأرشيف. لا الشهادة. لا البطاقة. لا الجنسية. لا اللقب.

هذا القبر، يا سادة، هو كلنا. هو أبونا الأول. هو الجد المؤسس. هو من بنى. ثم مات. ثم نُسي. ثم صار حجرًا.

ومن يسأل عنه اليوم؟

من يزوره؟

من يعرف أنه كان؟ من يعرف أنه جاء؟ من مكان ما. من زمن ما. من جهة ما. على دابة. أو قدم. أو سفينة. أو مركبة. جاء. بنى. سكن. أنجب. مات. ونُسي.

هذا هو الدرس الأنثروبولوجي الأول: العاصمة لا تحتفظ بأحد. حتى الموتى فيها مجهولون. لأن العاصمة لا تحب الأسماء. تحب الأرقام. والأرقام لا تُذكر. تُحصى.

والقبر المجهول في سيدي عبد الرحمان ليس استثناءً. هو القاعدة. هو النموذج. هو المفتاح.

من أنت؟….من أين جئت؟….من كان جدك؟

لا أحد يعرف.

ولا أحد يريد أن يعرف.

لأن المعرفة تُلزم. والالتزام عيب. والعيب لا يُغتفر.

الموجة الأولى في العصر الطباشيري او قبيل الديناصورات : من الجبال إلى عصر القصبة وبلكور وباب الواد ، ومن تلك الأحياء جميعا إلى الشهادة.

الموجة الأولى، يا سادة، جاءت أولًا. لأنها الأقرب زحفا . ولأنها الأجدر . بنت الحي القديم. حفرت الطرق. حملت الحجر. سكنت الجبال المطلة. ثم أرادت أن تصعد. والصعود ليس مجانيًا. الصعود يُدفع بالتنازل. تنازل عن اللغة. تنازل عن اللباس. تنازل عن الاسم. وفي النهاية، تنازل عن الاعتراف. لأنها من الجبال. ومن الجبال، في العاصمة، يبقى من الجبال. حتى لو نسي. حتى لو تغيّر. حتى لو تبدّل. لأن الأصل لا يُنسى. والأصل لا يُغتفر.

الموجة الثانية، يا سادة، جاءت متأخرة. لأنها كانت مشغولة. بالثورة. بالجبل. بالبندقية. بالسهب. ثم نزلت. إلى العاصمة. ووجدت الموجة الأولى قد سبقتها. فماذا تفعل؟ تعمل. في البناء. في الأشغال. في المقاهي. تصمت. لأنها تعرف أن الكلام ليس لها. الكلام للموجة الأولى، لأنها سبقت. والموجة الثانية تنتظر. دورها. والدور سيأتي. أو لن يأتي. لا فرق.

الموجة الثالثة، يا سادة، جاءت لتتاجر. لأن التجارة فن. والفن لا يحتاج إلى جيش. يحتاج إلى صبر. الموجة الثالثة صبرت. فتحت الحانوت. باعت. ربحت. جمّعت. باعت. ربحت. جمّعت. والموجة الأولى تبني. والموجة الثانية تخدم. والموجة الثالثة تبيع. والجميع يشترون منها. ثم يتهمونها بالربا. لأن المال في هذا البلد عيب. والمال الذي يجمع بلا سلطة، عيب أكبر. والموجة الثالثة تعرف. ولهذا تبتسم. وتبيع. وتجمع. وتبني المساجد. لأن المسجد توبة. والتوبة رأسمال. والرأسمال لا يُغتفر.

الموجة الرابعة، يا سادة، جاءت لتحمل. لأنها قوية. والقوة لا تحتاج إلى شهادة. الموجة الرابعة حمّلت. نقّلت. رفعت. أنزلت. في الميناء. في السوق. في البناء. والجميع يستعملها. والجميع يسميها. القادم من هناك. وهذا ليس اسمًا. هو مهنة. هو وظيفة. هو يد. واليد لا تُصافح. اليد تُستأجر. والموجة الرابعة تعرف. ولهذا تبتسم. وتحمل. وتنتظر. والانتظار ليس أملًا. هو عادة.

الموجة الخامسة، يا سادة، جاءت لتبيع. الجمال. الصوف. التمر. ثم رحلت. لأن الرمل يستدعيها. والرمل أصل. والأصل لا يُنسى. لكنه يُؤجَّل. والموجة الخامسة تؤجل. وتعود. وتذهب. وتعود. والعاصمة لا تحتفظ بالذين يذهبون. العاصمة تحتفظ بالذين يبقون. والموجة الخامسة لا تبقى. ولهذا لا تُذكر. أو تُذكر كـظاهرة. كـطقس. كـفولكلور. كـقافلة في كرنفال. لا كـإنسان.

الموجة السادسة جاءت من مدينة. والمدينة لا تُنكر. المدينة تتفاخر. الموجة السادسة متحضرة. لكن حضارتها من هناك. والعاصمة لا تحب الحضارات المنافسة. العاصمة تحب الحضارة الواحدة. حضارة العاصمة. والذين يأتون بحضارة جاهزة، يُستقبلون بالترحاب. ثم يُطردون بالترحاب. لأن الترحاب ليس قبولًا. هو تأجيل الطرد.

الموجة السابعة، يا سادة، جاءت من وراء البحر. والجميع جاؤوا قبل الموجة الأولى. والجميع جاؤوا قبل الجميع. ولهذا، هم الأصل. والأصل لا يُناقش. الأصل يُحتفظ به. في المطبخ. في الأغنية. في الاسم. في اللقب. في شجرة العائلة. لكن الأصل لا يُستعمل يوميًا. الأصل للاحتفالات. للذكرى. للعرض. للبيع. والبيع ليس أصلًا. البيع تجارة. والتجارة مثل كل التجارات.

أهل الخيام، يا سادة، لا يأتون. لأنهم لا يُدعون. وهم لا يُدعون لأنهم لا يُرون. وهم لا يُرون لأنهم لا يُدرجون. وهم لا يُدرجون لأنهم لا يملكون. لا يملكون بيتًا. لا يملكون حانوتًا. لا يملكون اسمًا. يملكون خيمة. والخيمة ليست عنوانًا. والخيمة ليست سكنًا. والخيمة ليست مدينة. وهم يعرفون. ولهذا لا يأتون. وإن جاءوا، يُخفون. ويُقال عنهم: هؤلاء ليسوا منا. وهم ليسوا منهم. ولا من غيرهم. هم حالة. حالة الرفض.

وليد العاصمة !!!

من هو وليد العاصمة؟

وليد العاصمة، يا سادة، ليس ابن العاصمة. وليد العاصمة هو ابن من وصل قبل ابن من وصل بعده. هذا كل شيء. لا دم. لا عرق. لا تاريخ. فقط توقيت.

والتوقيت نسبي. لأن من وصل قبل، وصل أيضًا. من قبل. من مكان. من قرية. من دوار. من قصر. من خيمة. من مدينة. من بلد. من سفينة. والجميع جاء. والجميع بنى. والجميع بقي. والجميع نسي.

ثم جاء الابن. وقال: أنا من هنا. وقال: أنت من هناك. وقال: أنا وليد العاصمة. وقال: أنت وافد. والوافد يعرف أنه وافد. لكنه لا يقبل. لأن القبول هو الاعتراف. والاعتراف هزيمة. والهزيمة لا تُحتمل.

كيف تصبح من العاصمة؟

لكي تبقى في العاصمة، يا سادة، يجب أن تتقن الأدوار:

اللكنة: أن تتكلم بلهجة العاصمة. لا بلهجة الجبال. لا بلهجة السهوب. لا بلهجة المدن الأخرى. لا بلهجة الرمل. بلهجة العاصمة. لأن اللكنة هي جواز السفر.

اللباس: أن تلبس مثلهم. لا قشابية. لا برنوس. لا ملحفة. لا شاش. مثلهم. لأن اللباس هو البطاقة.

الطعام: أن تأكل مثلهم. لا كسكس بالبربوشة. لا شخشوخة. لا تشيشة. مثلهم. لأن الطعام هو التربية.

الزواج: أن تتزوج منهم. لا من الجبال. لا من الرمل. لا من الشرق. لا من الغرب. منهم. لأن الزواج هو الجنسية.

الإنجاب: أن تنجب أبناء من العاصمة. يعرفون العاصمة. يحبون العاصمة. يحتقرون غير العاصمة. لأن الجيل القادم لن يعرف أن جده جاء. وهذه هي الغاية. النسيان الكامل.

لكن هناك من يفشل:

الفاشل لغويًا: من لا يحتفظ باللكنة. التي يُعرف بها. يُسمّى بها.

الفاشل ماديًا: من لا يملك بيتًا. لا يملك مالًا. لا يملك وظيفة. يبقى برّانيًا.

الفاشل ثقافيًا: من يحتفظ بالأصل. يعترف به. يفتخر به. يُطرد.

الفاشل سياسيًا: من يطالب. يحتج. يسأل. يُقتل. أو يُنسى. وهو أسوأ من الموت.

والفاشلون كثيرون. لأن النجاح ليس للجميع. النجاح للذين يقبلون التمثيل. والتمثيل مؤلم. والذين لا يقبلون، يعودون. إلى القرية. إلى الجبال. إلى الرمل. إلى النسيان.

الثقافة والمثقف — أو كيف تكتب عن ما تركت:

المثقف الجبلي: من يكتب بالفرنسية عن الجبل

المثقف الجبلي، يا سادة، أسوأ أنواع المثقفين. لأنه جبلي، فهو مشتبه به. ولأنه مثقف، فهو خطير. فهو مشتبه به وخطير في الوقت نفسه. وهذا وضع لا يُحتمل.

ولهذا، اختار المنفى. منفي في فرنسا. منفي في اللغة الفرنسية. منفي في الكتابة. يكتب عن الجبل من باريس. ويتكلم عن الأصالة بلغة المستعمر. ويُطالب بـالهوية، وهو منسلخ عنها. وهذا ليس تناقضًا. هذا جوهر الوجود المثقف.

المثقف السهبي صمت طويلًا. لأنه كان مشغولًا. بالثورة. بالجبل. بالبندقية. ثم كتب. لكن بعد أن سبقه الجبلي. والجبلي ملك الكتابة. ملك النشر. ملك الترجمة. والسهبي انتظر. دوره. والدور لم يأتِ. أو جاء. متأخرًا. والمتأخر لا يُقرأ. يُدرس. والدراسة ليست قراءة. هي تحنيط..

المثقف الواحي لم يكتب شعرًا. كتب حسابًا. لأنه يعرف أن الشعر لا يُطعم. والحساب يُطعم. والواحي مثقف من نوع آخر. مثقف العدّ. مثقف البيع. مثقف الربح. والجامعة لا تعترف به. لأن الجامعة لا تعترف إلا بالكتابة. والكتابة ليست العدّ. العدّ أصدق. وأصدق لا يُنشر.

المديني كتب مدينته. والمديني الآخر كتب مدينته. والاثنان كتبا ضد العاصمة. لأن العاصمة لا تحب المدن الأخرى. تحب نفسها. والكتابة ضد العاصمة ليست ثورة. هي حنين. والحنين لا يُغيّر. يُبرّر. والذين يكتبون الحنين يكتبون لأنفسهم. لا للناس. والناس لا يقرأون. يتفرجون. والفرجة ليست قراءة.

الرملي كتب. عن الرمل. عن الواحة. عن القصر. عن الظل. لكن أحدًا لم يقرأ. لأن الرمل ليس موضة. والموضة للعاصمة. والعاصمة لا تحب الرمل. تحب البحر. والبحر ليس رملًا. والبحر يُكتب. والرمل يُنسى.

الخيامي لا يكتب. لأنه لا يقرأ. ولا يُقرأ. ولا يُدرَّس. ولا يُذكر. الخيامي يُقال عنه في المقالات. يُقال إنه يحافظ على التراث”. والتراث ليس كتابة. التراث ليس حضورًا. التراث ليس حقًا. التراث زينة. والزينة تُعلّق. تُشترى. تُباع. تُنسى.

في النهاية، يا سادة، وليد العاصمة ليس هوية. هو مهنة. مهنة التمثيل. مهنة النسيان. مهنة الإنكار. والذين يتقنونها، ينجحون. والذين يفشلون، يعودون. إلى الجبال. إلى الواحة. إلى السهب. إلى العرش. إلى الدوار. إلى القصر. إلى الخيمة. إلى النقطة التي بدأوا منها. والنقطة لا تتغير. الناس تتغير. أو تتناسى.

العاصمة، يا سادة، ليست مدينة. هي متحف للهجرات. كل واحد فيه معروض. كل واحد فيه مصنّف. كل واحد فيه مؤرخ. ولا أحد يعرف من هو. كلهم يعرفون فقط من ليس.

القادم من الجبال ليس من السهوب. القادم من السهوب ليس من الواحة. القادم من الواحة ليس من الرمل. القادم من الرمل ليس من المدينة. القادم من المدينة ليس من العاصمة. القادم من العاصمة ليس من هنا. والقادم من هنا ليس من هناك. ومن هناك رجع.

ولا أحد بقي.

إلا الحجر.

والحجر لا يتكلم.

والحجر لا يحتج.

والحجر لا يتذكر.

وهذا هو الدرس الأنثروبولوجي الأخير:

المدينة تُبنى بالناس. ثم تُبنى ضد الناس. ثم يُقال للناس: أنتم من هنا. ثم يُقال لهم: لا، أنتم لستم من هنا.

والناس يرحلون.

والحجر يبقى.

والحجر لا يشكر أحدًا.

ولكن…

ولكن، يا سادة، قبل أن تنصرفوا، تذكروا:

ذلك القبر المجهول في سيدي عبد الرحمان، الذي بدأنا به، ليس قبرًا واحدًا. هو قبر كلنا. هو قبر الجد الأول. هو قبر من بنى. ثم مات. ثم نُسي.

والقبر المجهول لا يسأل عن الأصل. لا يسأل عن العرق. لا يسأل عن اللغة. لا يسأل عن اللقب. يسأل فقط: هل صليت؟. هل صمت؟. هل أحسنت؟.

وهذا هو الميزان الحقيقي.

لا التوقيت. لا الوصول. لا السبق. لا اللكنة. لا اللباس. لا الطعام. لا الزواج. لا الإنجاب.

فقط التقوى.

قال الله تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

(الحجرات: 13)

(لتعارفوا). لا لتتفاضلوا. لا لتتكبروا. لا لتحتقروا.( لتعارفوا). فقط.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى

(رواه أحمد والبيهقي وغيرهما)

لا فضل. لا فضل. لا فضل.

لا فضل لمن وصل قبل. لا فضل لمن وصل بعد. لا فضل لمن جاء من الجبال. لا فضل لمن جاء من السهوب. لا فضل لمن جاء من الواحات. لا فضل لمن جاء من الرمل. لا فضل لمن جاء من المدن. لا فضل لمن جاء من عبر البحر.

الفضل فقط بالتقوى.

والتقوى لا تُشترى. لا تُورث. لا تُدّعى. تُعرف بالفعل. بالخلق. بالمعاملة. بالإحسان.

فمن أنت لتتفاضل على من خلقه الله مثلك؟ من أنت لتحتقر من جاء من حيث جاء جدك؟ من أنت لتنسى أن قبرك سيكون مجهولًا مثل قبر سيدي عبد الرحمان؟

فاعرفوا. وتعارفوا. ولا تتفاضلوا.

فإن التراب سواء.

والحجر سواء.

والقبر المجهول سواء.

والحساب عند الله.

لا عند العاصمة.

ولا عند الناس.

ولا عند التاريخ.

عند الله.

فقط.

اللهم اجعلنا من المتقين. واجعل قبورنا معلومة في السماء. وإن جهلها أهل الأرض…..آمين

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24