
بقلم بلحمدي رابح البليدة / الجزائر
المشهد الأول: في قصرٍ بتلمسان، سنة 1503
اجتمع مجلسُ الدولة.
على الطاولة: خريطةُ المغرب الأوسط، وإبريقُ شاي، وصينيةٌ من النحاس، وفاتورةٌ لم يقرأها أحد بعد.
قال السلطان أبو حمو موسى الثالث:أيها الوزراء، إن أخي المسعود يطالب بالعرش. ما العمل؟
قال الوزير الأول — وكان رجلًا عاقلًا لكنه يحبّ راتبه:مولاي، الحلّ بسيط: نستدعي الإسبان.
قال الوزير الثاني — وكان رجلًا أحمق لكنه صادق: مولاي، الإسبان أعداء.
قال الوزير الأول: لا، لا. الإسبان شركاء. الشراكة شيء، والعداوة شيء آخر. هذه مصطلحات.
فسأل السلطان:وما الفرق؟
قال الوزير الأول:الفرق أن الشراكة تُوقَّع على ورق. والعداوة تُوقَّع على قبور. ونحن — حفظكم الله — نفضّل الورق.
فضحك المجلس. ووقّعوا.
المشهد الثاني: المرسى الكبير، 1505
جاء الإسبان.كانوا مهذّبين. قال قائدهم دون رامون دي قرطبة:
جئنا لحماية الميناء.
فسأله جنود تلمسان — وكانوا أربعمائة فقط:حمايته من مَن؟
قال: من أنفسكم.
فقاتلوا. قُتل قائدهم. صمدوا ثلاثة أيام. ثم استسلموا.
وجاءت نجدةٌ من تلمسان: 22,000 مقاتل و2,000 فارس. لكنهم وصلوا متأخرين — كما يحدث دائمًا في هذا البلد.
فقال السلطان: لا بأس. سنستعيده. فقط ننتظر التقرير.
والتقرير لم يصل.
ثم سقطت وهران. ثم بجاية. ثم مستغانم. ثم هنين. ثم عنابة.
فقال السلطان: هذا… تطور طبيعي. الشراكة تمرّ بمراحل.
المشهد الثالث: في الزاوية، بعيدًا عن القصر
كان سيدي أحمد بن يوسف يجلس مع مريديه.
ثمانون ألفًا. لا سلاح عندهم. لكن عندهم شيء آخر: لسان.
قال: يا قوم، السلطان باع الميناء.
قالوا: نعم.
قال: وسيبيع المدينة.
قالوا: نعم.
قال: فماذا نفعل؟
قالوا: نثور.
فثاروا.
فأرسل السلطان إلى الزاوية رسالة: يا شيخ، أنت تهدّد الاستقرار.
فردّ: لا. أنا أهدّد الخيانة. الاستقرار شيء آخر.
فأرسل السلطان رسالة ثانية: إن لم تتوقف، سنعتقلك.
فردّ: اعتقلوني. لكن اعلموا أن الزاوية أكبر منّي. والكلمة أكبر من الزاوية.
فأرسل السلطان رسالة ثالثة: أنت متطرف.
فردّ: لا. أنا مواطن. المتطرف هو من يبيع وطنه ويسمّي ذلك دبلوماسية.
فصمت القصر. لأن القصر لا يعرف الردّ على الحقيقة.
المشهد الرابع: ابن خلدون في الزاوية
مرّ ابن خلدون بتلمسان في تلك الأيام.
كان قد سُجن في فاس. وطُرد من هنا. واتُّهم هناك. والسبب واحد: يعرف أكثر من اللازم.
جلس مع سيدي أحمد بن يوسف.
قال: يا شيخ، ما رأيك في السلطان؟
قال: رجل مسكين. يظنّ أن العرش خشب. والعرش ليس خشبًا. العرش أمانة.
قال ابن خلدون: وأنا رأيت في فاس أن الأمراء يبيعون إخوتهم.
قال الشيخ: وهذا ما سيحدث هنا. الأخ سيبيع الأخ. والغريب سيشتري. ثم سيقول الغريب: أنا لم أشترِ. أنا ساعدت.
فقال ابن خلدون — وكتبها: العصبية أساس الملك. فإذا ذهبت العصبية، ذهب الملك.
فسأله الشيخ: وما العصبية؟
قال: كلمة قديمة تعني: الوحدة. لكنها كلمة ثقيلة. الناس لا يحبّون الكلمات الثقيلة.
المشهد الخامس: مؤتمر صحفي في مدريد، 1518
وقف شارل الخامس، ملك إسبانيا، أمام الصحافة — ولم يكن هناك صحافة بعد، لكن لو كانت، لكان المشهد كالتالي:
سؤال: جلالة الملك، لماذا تدخّلتم في تلمسان؟
الجواب: نحن لم نتدخّل. نحن ساعدنا. الفرق واضح.
سؤال: لكنكم احتلّتم المرسى الكبير ووهران وبجاية…
الجواب: كلمة احتلّ كلمة قديمة. نحن نسمّيها حماية مؤقتة.
سؤال: إلى متى؟
الجواب: إلى أن يتحقق الاستقرار.
سؤال: ومتى يتحقق الاستقرار؟
الجواب: حين يتفق التلمسانيون.
سؤال: وإذا لم يتفقوا؟
الجواب: نبقى. من أجلهم. هذا واجبنا الإنساني.
المشهد السادس: 1554، نهاية العرض
سقطت تلمسان.
قال السلطان الأخير، الحسن بن محمد: لقد كنّا…
فسأله أحدهم: كنّا ماذا؟
قال: كنّا… دولة.
فسأل: وما الدولة؟
قال: الدولة… ذكرى. تبدأ بحلم، وتنتهي بفاتورة.










