رواية (نوفيلا ) خيط الدم … ميلاد وطن

بقلم : رابح بلحمدي 
البليدة _ الجزائر

الكتاب الأول: من الكهف إلى الميناء
تصدير: الأرض تتكلم
كان يقول جدي إن الأرض ليست مخلوقاً أبكم. إنها تتكلم بالكلمات الخاصة. تتكلم بالرطوبة عن الرِّقة واللطف، فالرطوبة التي تخرج من الكهف في الصباح، كأن الجبل يتنفس. وتتكلم بالحجر الذي ينكسر في الشتاء، فيُصدر صوتاً كعظمٍ ينكسر بالحمة والألم. وتتكلم بالعشب الذي ينبت في مكان لم يزرعه أحد، في مكان دُفن فيه الغريب قد يكون سلفنا الذي جاء من السماء.
جدي كان يقول إن من يعرف كيف يسمع الأرض، يعرف أنه لا يوجد تاريخ. يوجد دم. والدم لا يعرف التواريخ. الدم يعرف فقط: من أين جاء، وإلى أين يمضي.
أنا أكتب هذه القصة لأنني سمعت الأرض مرتين: مرة في حكايات جدي، ومرة في رأسي حين عدت إلى الكهف. وفي المرتين، سمعت نفس الشيء: صوت رجل يمشي حافياً على الصخر، ولا يشتكي.
هذه ليست قصة عائلة. هذه قصة أرض. وأنا حفيدها.
الفصل الأول: الرؤيا في كهف الشريعة
لم يكن للجبل اسمٌ بعد. لا الأطلس ولا الشريعة ولا بني مسعود ولا بني علي ولا ولاد السلطان. كانت الصخور تقول لبعضها أسماءً لا يفهمها أحد. وكانت الريح تدخل من فجاج الشريعة فتُصدر صوتاً يشبه تنفّس حيوانٍ نائم.
لم يكن هناك طريق. لم يكن هناك بيت. كان هناك رجل واحد، اسمه آمناي، لكنه لم يكن يعرف أن هذا اسمه، لأنه لم يكن قد قابل أحداً في حياته يقول له: أنت آمناي.
لا يدري كيف وصل إلى حدود هذا الفج. كان يمشي حافياً. وكان يمشي ببطء. لأن الأرض كانت تُوجعه، كان يتوقف عند كل شجرة زيتون، يلمس لحاءها بيده، ويقول لها شيئاً. كلام خاص مفطور به، لكن الزيتونة كانت تفهم.
كان طويلاً، نحيلاً، كأن الريح نحتته. وكان في وجهه شيء لم يكن في وجوه من جاءوا بعده: لم يكن في وجهه خوف. عاش وحده في الجبل عشرين سنة، ولم يمت. أكل الزعتر، وشرب من عين صغيرة تخرج من الصخر، ونام في كهف، وكانت السباع المنحدرة من أعالي تابلاط والمقطع الأزرق وعين أشرب وأهرب تمرّ من أمام الكهف في الليل ولا تدخل.
يقول جدي إن السباع كانت تعرف أنه ليس طعاماً. لأن من يأكل الزعتر عشرين سنة، يصبح بعطر الزعتر. والسباع لا تأكل الزعتر.
في الليلة التي رأى فيها الرؤيا، كان الشتاء قد بلغ نصفه. كان المطر قد توقف قبل المغيب، فخرجت الأرض من الماء كأنها وُلدت للتوّ. كان الهواء نظيفاً والرؤية واضحة والسمع حاد حتى أن آمناي سمع صوت نجمٍ يتحرك في السماء. لم يكن يعرف أن النجوم تتحرك، لكنه سمعها. سمع طقطقة خفيفة، مثل عودٍ يُكسر تحت الأسنان، بعيداً، بعيداً جداً.
دخل الكهف. الكهف لم يكن كبيراً. كان بحجم رجلٍ راكع. وكانت جدرانه رطبة، وكانت رائحته رائحة ترابٍ عمره ألف سنة. كان آمناي ينام على جانبه الأيمن، ووجهه إلى الشرق، لأن جدّه ألهمه أن الوجه إلى الشرق يجعل الأحلام صادقة. لم ينسَ الوصية.
نام، ورأى. لم تكن الرؤيا صورة. كانت شيئاً آخر. كانت كأن يداً دخلت من صدره وأخرجت قلبه ووضعته في كفّ، ورأى قلبه ينبض، ورأى في نبضه أشياء.
رأى شمساً تخرج من مكانٍ لم تكن الشمس تخرج منه. رأى الشمس تخرج من جهة الشرق، لكن ليس من الشرق الذي يعرفه. من شرفةٍ في السماء، من مكان وراء الشرق، من مكان لم يصل إليه أحد.
ورأى رجالاً يلبسون بياضاً، وكان البياض ليس بياض الثلج ولا بياض القمر. كان بياضاً آخر، بياضاً لا يوجع العين. وكانوا يمشون على الرمل، وأقدامهم لا تغرق. وكانوا يتكلمون بلغةٍ سمعها آمناي ولم يفهمها، لكنه بكى.
ثم رأى شجرة. شجرة في قلب الصحراء، وحدها، لا ماء حولها غير عين يحوم حولها الطير يتخطفون الماء، فوقها غيمة عظيمة تخيم على المكان، الشجرة باسقة حتى أن جذورها كانت تشرب من البحر، وأغصانها كانت تصل إلى السماء السابعة. وكان الناس يأتون إليها من كل مكان، من كل لون، ومن كل شكل، ويجلسون تحت ظلها. وكان بعضهم يحمل سيفاً، وبعضهم يحمل كتاباً، وبعضهم يحمل جرحاً.
ثم سمع صوتاً. لم يكن الصوت من الخارج. كان من داخل صدره. كان صوتاً يشبه صوته، لكنه أعمق. كان صوتاً يشبه صوت أبٍ لم يعرفه.
قال الصوت: اقرأ يا آمناي.
قال آمناي: ما أقرأ؟ أنا لا أعرف القراءة.
لم يجب الصوت. لكن آمناي شعر بأن شيئاً في صدره انفتح، مثل بابٍ كان مقفلاً منذ زمن طويل، وخرج منه نور. ثم رأى، في النور، رجالاً من صلبه. لم يعرف أسماءهم. لم يعرف أزمنتهم. لكنه رآهم.
رأى واحداً منهم واقفاً على بحرٍ لم يره، في يده سيف، وفي قلبه شيء يشبه النار. ورأى واحداً آخر، في جبالٍ ليست جباله، يقاتل رجالاً يلبسون حديداً. ورأى واحداً ثالثاً، جالساً في قصرٍ عالٍ، يكتب بيده، وحوله كتب كثيرة. ورأى امرأة، في جبل، تقاتل وحدها، وشعرها يطير في الريح. ورأى طفلاً صغيراً، يحمل بندقية أطول منه، ويضحك.
ورأى فجراً يشرق، ثم يغيب، ثم يشرق، ثم يغيب، مثل قلبٍ لا يتوقف.
ثم استيقظ. كان العرق يبلل وجهه، رغم أن الليل كان بارداً حتى أن الماء كان يتجمد في شقوق الصخر. خرج من الكهف. كان القمر بدراً، والثلج على قمم الشريعة يلمع كأنه ليس ثلجاً، بل شيء آخر، شيء حيّ. نظر آمناي إلى السماء، فلم يجد شيئاً. لكنه شعر أن السماء تنظر إليه. شعر أن هناك من ينتظر منه شيئاً، وأنه لا يعرف ما هو.
جلس على صخرة، ووضع وجهه في كفّيه، وبكى. لم يكن يعرف لماذا يبكي. لم يكن يعرف أن البكاء هو اللغة الأولى للرؤيا. لم يكن يعرف أن كل من رأى شيئاً عظيماً في هذه الأرض، بكى أولاً، ثم فهم.
في الصباح، نزل. نزل من الشريعة إلى وادي العلايق، وكان الطريق طويلاً. كان يمشي على الصخر، ثم على الحصى، ثم على الطين. وكان يرى في طريقه أشياءً لم يكن يراها من قبل. كان يرى النمل يعمل، وكان يرى النحل يعود إلى خلاياه، وكان يرى ثعلباً يحمل طائراً ميتاً في فمه. وكان يقول لنفسه: كل هؤلاء يعرفون ما يفعلون. وأنا لا أعرف.
وصل إلى خيمة العرّاف عند المغيب. كان العرّاف رجلاً أعمى، اسمه إيغزر، وكان يجلس دائماً في نفس المكان، أمام خيمته، على حجرٍ أملس. وكان الناس يأتون إليه من حجوط وتابلاط والعفرون وغيرها من القرى، وكانوا يسمّونه الذي يرى بغير عينيه. وكان إيغزر يعرف كل شيء. كان يعرف متى ينزل المطر. كان يعرف متى تدخل الفصول من منازل القمر. كان يعرف أي امرأة ستُنجب ولداً وأي امرأة ستُنجب بنتاً. وكان يعرف، وهذا أهم شيء، من يحمل الرؤيا ومن يبيعها.
جلس آمناي أمامه. لم يتكلم. مدّ إيغزر يده، ولمس وجه آمناي، وأصابعه كانت كأصابع جذع شجرةٍ قديم. لمس جبهته، وعينيه، وشفتيه، وذقنه. ثم سحب يده، ووضعها على صدره، وصمت.
صمت طويلاً. حتى أن آمناي ظنّ أنه نسي.
ثم قال إيغزر: رأيت الشمس.
لم يكن سؤالاً. كان خبراً.
قال آمناي: نعم.
قال إيغزر: ورأيت الشجرة.
قال آمناي: نعم.
قال إيغزر: ورأيت من سيأتي من صلبك.
بكى آمناي. لم يستطع أن يمنع نفسه. كان البكاء يخرج من صدره مثل شيءٍ كان محبوساً.
قال إيغزر: يا آمناي، أنت لم ترَ حلماً. أنت رأيت طريقاً. وهذه الأرض، هذه الجبال التي نحن فيها، هذه الوديان، هذه السهول، ستحتاج إلى من يحمل هذا الطريق. ستأتي عليها قرون طويلة، يا آمناي، قرون طويلة جداً، سيأتي فيها قوم من البحر، وقوم من الشمال، وقوم من الشرق، وقوم من وراء البحر، وكلهم سيدّعون أنهم جاءوا ليُعلّموك، وكلهم سيسلبونك شيئاً. لكن الطريق الذي رأيته لن يموت. سيُولد فيك، ثم في ابنك، ثم في ابن ابنك، ثم فيمن لا تعرف اسمه، إلى أن يأتي زمنٌ يرى فيه الناس الشمس التي رأيتها، فيعرفون أنك لم تكن مجنوناً.
قال آمناي: وماذا أفعل؟
قال إيغزر: تزوّج.
سكت آمناي.
قال إيغزر: خذ المرأة التي ترى. ليس التي ترى بعينيها، فكل النساء يرين بعيونهن. خذ التي ترى بقلبها. خذ تانيرت، من قرية حجوط. هي ترى مثلك. لكنها لا تعرف أنها ترى. ستظن أنها تحلم. وأنت ستُعلمها أن ما تراه ليس حلماً.
قال آمناي: وكيف أعرفها؟
قال إيغزر: ستعرفها لأنك حين تراها، ستخاف. الخوف يا آمناي هو أول علامات الرؤيا. من يرى شيئاً عظيماً يخاف أولاً. ثم يحب. ثم يحمل.
ذهب آمناي إلى حجوط.
كانت حجوط في ذلك الزمن قرية صغيرة، لا تزيد على ثلاثين خيمة، على حافة سهل متيجة، عند سفح تلة صغيرة، وعلى مقربة من بحيرة عظيمة كان الناس يسمّونها حلولة. وكانت البحيرة في ذلك الزمن أكبر مما صارت إليه بعد آلاف السنين، وكانت الفيلة تأتي إليها في الصيف لتشرب، وكانت السباع تنزل من الجبال في الشتاء لتشرب، وكانت الطيور المهاجرة تُغطي سطحها في الخريف حتى أن الماء كان يختفي تحت الأجنحة.
وصل آمناي عند الفجر. كان الفجر في متيجة شيئاً آخر. كان الفجر يبدأ من بعيد، من جهة الجبل، ويأتي زحفاً على السهل، مثل ماءٍ يفيض ببطء. وكان الندى على العشب يلمع، وكان الهواء يحمل رائحة الأرض المبللة، وكانت الأغنام بدأت تتحرك في الحظائر، وكانت امرأة تحمل جرّة ماء على كتفها.
كانت تانيرت.
كانت تمشي أمامه، ولا تعرف أنه خلفها. كانت تمشي بخطوةٍ طويلة، واثقة، كأن الأرض تعرفها. كان شعرها أسود، طويلاً، مربوطاً في الخلف بحبلٍ من صوف أحمر. وكانت بشرتها بلون القمح، وكانت نحيلة، لكن كتفيها كانا عريضين قليلاً، وكان مشيها مشي من يحمل شيئاً في داخله ولا يريد أن يوقعه.
وحين وصلت إلى العين، وضعت الجرّة، وجلست القرفصاء، وبدأت تملأ. وكانت الشمس قد بدأت تظهر، فسقط ضوءها على وجهها، فرأى آمناي وجهها.
وخاف.
خاف كما قال إيغزر. خاف لأن في وجهها شيئاً لم يره في وجه أحد. كان في عينيها لون غريب، لون العسل، وكان فيهما لمعانٌ يشبه لمعان الماء حين ينظر إليه في الظلام. وكان في وجهها شيء يشبه الحزن، لكنه ليس حزناً، شيء آخر، شيء يشبه معرفة ما سيأتي.
وحين رفعت رأسها، رأته.
ولم تخف.
قالت: أنت الذي رأى الشمس.
قال آمناي: كيف عرفت؟
قالت: رأيتك في المنام قبل أن أراك في اليقظة. رأيت رجلاً يحمل جرحاً في صدره، ويحمل معه شمساً. وظننت أن الجرح والشمس لا يجتمعان. فلما رأيتك، عرفت أنني كنت مخطئة.
الفصل الثاني: الفينيقيون، حين اختلط الدم ووُلد جيل يتكلم البربرية ويكتب البونقية
كبر ماسين. كان في السادسة حين بدأ يرعى الغنم مع أبيه. وكان في الثامنة حين بدأ يذهب وحده. وكان في العاشرة حين قتل أول أفعى. وكان في الثانية عشرة حين رأى أول فينيقي.
كان ذلك في يوم صيف، حين كان يرعى قريباً من أخواله عند سفح جبل شنوة، ونظر إلى البحر، فرأى شيئاً أبيض على الأفق. لم يكن سحاباً. وكان يتحرك.
قال لأبيه في الليل: رأيت شيئاً أبيض على البحر.
قال آمناي: كان حلماً.
قال ماسين: لا. كنت مستيقظاً.
صمت آمناي طويلاً. ثم قال: إذن بدأ الأمر.
جاء الفينيقيون في فصل الربيع. جاءوا في ثلاث سفن. وكانت السفن طويلة، ومرتفعة المقدمة، وكانت أشرعتها بيضاء، وكانت على مقدمة كل سفينة رأس حصانٍ منحوت من خشب.
نزلوا على الساحل. وكانوا رجالاً نحيفين، ذوي عيون سوداء، وشعر أسود، وثياب ملونة بالأرجوان. وكانوا يتكلمون بلغة غريبة، فيها صفير الريح ورشاش البحر. وكانوا يبتسمون، وكانوا يمدون أيديهم، وكانوا يقولون كلمات لم يفهمها أحد، لكنهم كانوا يشيرون إلى أشياء.
كانوا يحملون زجاجاً، وخرزاً، وأواني، وأصباغاً، وأشياء لامعة.
وكان الناس ينظرون إليهم. وكان بعضهم يمدّ يده، وبعضهم يتراجع.
وكان ماسين ينظر إليهم من بعيد. جاء الفينيقيون ليبقوا.
في السنة الأولى، بنوا بيوتاً من حجر على الساحل. في السنة الثانية، بنوا سوقاً. في السنة الثالثة، بدأوا يتزوجون.
تزوج صدربعل، وهو ابن تاجر من صور، من تزيري، وهي بنت شيخ قبيلة من تيبازا. وكانت في السادسة عشرة، وكانت جميلة، وكانت لا تعرف ما تفعل.
وحين جاء أهلها ليقولوا لها إنها ستتزوج الفينيقي، لم تبكِ. جلست في الخيمة، ونظرت إلى يديها، وسألت أمها: هل هو رجل طيب؟
قالت أمها: هو رجل غني.
قالت: لم أسألك عن غناه.
قالت أمها: هو رجل غريب.
قالت: هذا ليس جواباً.
قالت أمها: هو رجل.
سكتت. ثم قالت: إذن سأتزوجه.
وفي الليل، بكت. لكنها لم تبكِ أمام أحد.
قال ماسين لأبيه، بعد أن رأى أول زواج فينيقي: لماذا يتزوجون منا؟
قال آمناي: لأنهم يعرفون أن الأرض لا تُشترى. لكن المرأة تُلد. ومن تُلد، يحمل الدم. ومن يحمل الدم، يحمل الأرض. هذا هو الحساب.
قال ماسين: وهل نحن نبيع؟
قال آمناي: لا نبيع. لكننا نقبل. لأننا نظن أن الزواج ليس بيعاً. لكن الزواج قد يكون بيعاً. البيع الأخطر. لأن من يبيع أرضه، يعرف أنه باع. ومن يبيع ابنته، يعرف أنه باع. لكن من يبيع دمه، لا يعرف.
في تلك السنة، وُلد أول طفل نصفه بربري ونصفه فينيقي. وكان اسمه حيرام.
وحين وُلد، وكان الجيران ينظرون إليه، قال أحدهم: هذا الطفل جميل. عيناه سوداوان، وشعره ناعم.
وقال آخر: لكنه ليس منا.
وقالت امرأة عجوز: بل هو منا. ومنهم. وهو أول من سيعرف أن الدم لا يُقسم.
كبر حيرام.
كان في السادسة حين بدأ يتكلم لغتين. وكان في العاشرة حين بدأ يخجل من إحداهما. لكن كل الكتابات كانت تكتب عنده من اليمين، بعضها حروف بونقية وأخرى تفيناغ، يتشبهان في كثير من الأحيان في رمزية الحرف. وكان في الثانية عشرة حين بدأ يتباها بهويته.
كانت أمه تتكلم البربرية، وكان أبوه يتكلم الفينيقية. وكان إذا تكلم مع أمه، شعر أنه بربري. وإذا تكلم مع أبيه، شعر أنه فينيقي. وكان في الليل، حين ينام، لا يتكلم أي لغة. كان يحلم بلغة ثالثة، لا يعرفها، لكنها مريحة.
وفي يوم من الأيام، سأل أمه: من أنا؟
قالت: أنت ابني.
قال: لكن الناس يقولون إنني لست من هنا.
قالت: الناس يقولون لأنهم خائفون. أنت من هنا، ومن هناك. أنت أول من يحمل الدمين. وهذا شيء عظيم، لكنه ثقيل.
قال: لماذا ثقيل؟
قالت: لأنك ستحمل همّ اثنين. لكنك أيضاً ستحمل فرح اثنين. وهذا لا يعرفه أحد غيرك.
وحين كبر حيرام، صار يتكلم البربرية مع أخواله، والفينيقية مع أعمامه. وكان إذا غضب، غضب بالبربرية. وإذا أحب، أحب بالفينيقية. وإذا صلى، صلى بلغة ثالثة، لم يكن يعرف من أين جاءت. كان يقول إن القلب له لغة لا يعرفها اللسان.
وكانت العيون في ذلك الزمن قد بدأت تتنوع. في عيون أبناء الفينيقيين، كانت هناك زرقة خفيفة، زرقة البحر. وفي عيون أبناء البربر، كان هناك سواد عميق، سواد الليل في الجبل. وفي عيون حيرام، كان هناك لون بين اللونين، لون العسل، لون الشمس حين تغرب على البحر.
وكانت الأشجار قد بدأت تختلط أيضاً. الزيتون البري الذي كان في الجبل، اختلط بالزيتون الذي جاء به الفينيقيون من الشرق. وصارت الزيتونة في متيجة تحمل في ثمرها طعم الشرق وطعم الجبل. وكانت الخيول البربرية، السريعة كالريح، اختلطت بخيول الفينيقيين، القوية كالجبل. وصار الحصان في متيجة يجمع بين سرعة الريح وقوة الجبل.
وكانت الأزهار قد بدأت تتلاقح. زهرة الجبل التي لا يعرف أحد اسمها، تلاقحت مع زهرة البحر التي جاءت مع الفينيقيين. وصار في متيجة زهرة جديدة، لا هي من الجبل ولا هي من البحر، لكنها من الاثنين. وكان النحل يجمع من الزهرتين، فيصنع عسلاً لا هو عسل الجبل ولا هو عسل البحر، بل عسل متيجة.
قال جدي إن هذه الأرض لم تكن يوماً لأحد. هذه الأرض كانت دائماً للجميع. ومن ظن أنها له وحده، خسرها. ومن عرف أنها ليست له، ورثها.
الفصل الثالث: الرومان، حين صار الحجر طريقاً والدم مختلطاً
ثم جاء الرومان. جاءوا من مدينة على سبع تلال، يحملون رايات النسور. لم يأتوا للتجارة. جاءوا للحكم. كانوا رجالاً طوالاً، عريضي الصدور، يلبسون دروعاً من حديد، وخوذاً على رؤوسهم، ويحملون رماحاً طويلة. كانوا يتكلمون بلغة غريبة، فيها قوة وسلطة. وكانوا يمشون في صفوف، كأنهم جسد واحد.
في تيبازا، احتلوها وجعلوها قاعدة استراتيجية لفتح الممالك الموريتانية، وبنوا فيها الساحة العمومية والمعابد والحمامات والمدرج. وفي شرشال، التي صارت القيصرية في عهد الملك يوبا الثاني، ازدهرت المنشآت المعمارية: المسرح، والمدرج، والحمامات، والقناطر المائية، والسور المحصن. وفي مليانة، عرفت المدينة الرومانية مانليانا وزوكابار. بنوا طريقاً يقطع الأرض من الشرق إلى الغرب، كأنهم يريدون أن يخيطوا الجبال بخيط من حجر.
قال إيرام، من أحفاد ماسين، لابنه أياور: هذا الطريق ليس للعبور. هذا الطريق للسيطرة. من يملك الطريق، يملك الأرض. الرومان لا يريدون أن يتزوجوا منا. يريدون أن يجعلونا روماناً. لكنهم لا يعرفون أن من يحمل الرؤيا لا ينسى.
كان الرومان يأخذون النساء كما يأخذون الأرض. يسمّون أولادهم بأسماء رومانية. يعلّمونهم اللاتينية. يجعلونهم ينسون لغة الأمهات. لكن بعض الأمهات لم ينسين. كنّ يهمسن لأولادهن، في الليل، حين ينام الرومان: أنت لست رومانياً. أنت من نسل آمناي. أنت من نسل من رأى الشمس. لا تنسَ.
وُلد جيل جديد. جيل يتكلم البربرية ويكتب البونقية ويبغض الرومان. كان أطفالهم بعيون زرقاء وعيون عسلية، وشعر أشقر وأسود، وبشرة بيضاء. لكنهم كانوا يحملون في صدورهم جرحاً أكبر. جيل يتكلم اللاتينية في النهار، ويحلم بهويته التي اختارها حباً في أسلافه. جيل يعرف أنه ليس رومانياً في عيون الرومان، ولا بربرياً في عيون البربر. لكنه كان يحمل الرؤيا. لأن الرؤيا كانت تنتقل في الهمس، لا في الدم فحسب.
وحين سأل أياور أباه: لماذا نكرههم؟ قال إيرام: لأنهم يريدون الضريبة على العنزة والدجاجة وحبة البيض. الفينيقيون زرعوا بذرة العمل والتجارة فينا. والرومان يسرقوننا ظلماً. لكن احذر. ليس كل من يحمل الدم الروماني أو الفينيقي منا اليوم عدوّاً. هناك من الرومان من يحمل الرؤيا دون أن يعرف. وهناك من البربر من يبيعها. الرؤيا ليست في العرق. الرؤيا في القلب.
وفي ليلة من ليالي الشتاء، بينما كان إيرام يحتضر، دعا ابنه أياور وقال له: يا بني، الرؤيا لم تمت. لكنها تحتاج إلى من يحملها. الرومان سيذهبون. وسيأتي من هم خير منهم. لكن الرؤيا ستبقى. لأن الرؤيا لا تسكن القصور. الرؤيا تسكن القلوب التي ترفض أن تبيعها. احملها، ولا تبعها.
وفي زمن الرومان، اختلطت الدماء مرة أخرى. تزوج جنود رومان من نساء بربريات. وُلد أطفال بعيون زرقاء وشعر أسود. وكانت الأمهات يقلن لأولادهن: أنتم لا تشبهون آباءكم. أنتم تشبهوننا. أنتم من هذه الأرض. والرومان سيذهبون، والأرض ستبقى.
وكانت اللغة تختلط أيضاً. صارت كلمات لاتينية تدخل البربرية، وكلمات بربرية تدخل اللاتينية. وكان الأطفال يكبرون وهم يتكلمون لغتين، ويفكرون بلغة ثالثة. لغة الأرض. لغة الدم.
وكانت العيون في ذلك الزمن قد صارت أكثر تنوعاً. في عيون أبناء الرومان، كانت هناك زرقة باردة، زرقة الشمال. وفي عيون أبناء البربر، كان هناك سواد دافئ، سواد الجنوب. وفي عيون الجيل الجديد، كان هناك لون بين اللونين، لون السماء قبل المغيب.
وكانت الأشجار قد اختلطت أيضاً. الزيتون الروماني، الذي جاء من إيطاليا، اختلط بالزيتون البربري. وصارت الزيتونة في متيجة تحمل في ثمرها طعم إيطاليا وطعم الجبل. وكانت الكروم الرومانية، التي جاءت مع الجنود، اختلطت بكروم البربر. وصار النبيذ في متيجة يجمع بين طعم الشمال وطعم الجنوب.
قال جدي إن هذه الأرض كانت دائماً تشبه من يحكمها. لكنها كانت أيضاً تشبه من يسكنها. ومن ظن أنه يحكمها، خسرها. ومن عرف أنه يسكنها، ورثها.
الفصل الرابع: الوندال، حين جاء من الشمال من يكره التثليث
مرت القرون. سقط الرومان، ليس لأنهم ضعفوا، بل لأن الأرض لم تعد تحتمل قوانينهم التي كانت تُكتب على الحجر، بينما كانت الرؤيا تُكتب على الدم. وفي تلك الفجوة، جاء من الشمال البارد شعبٌ لم يكن يعرف البحر، لكنه عبره. جاء الوندال، قبائل من الجرمان، حملت معها سيوفاً طويلة، وحملت معها شيئاً آخر: إيماناً لا يشبه إيمان الرومان.
كان الوندال أريوسيين. كانوا يقولون إن المسيح ليس إلهاً، بل مخلوقاً. كانوا يرفضون أن يُقسَّم الإله إلى ثلاثة. لهذا، حين وصلوا إلى شواطئ إفريقيا، لم يجدوا في البربر أعداءً بالضرورة. وجدوا شعوباً أنهكها الرومان بالضرائب والسبي. في تيبازا، سقطت المدينة على أيديهم، وهدموا سورها الروماني في أواخر القرن الخامس.
كان الوندال رجالاً أشقر، طوال القامة، ذوي عيون زرقاء. كانوا يلبسون جلود الحيوانات، ويحملون فؤوساً طويلة. وكانوا يغنون في الليل أغاني غريبة، حزينة، كأنها آتية من عالم آخر.
قال أياور لابنه ماسينيسا الثاني: هؤلاء ليسوا كالرومان. الرومان أرادوا أن يجعلونا روماناً. الوندال لا يريدون ذلك. يريدون فقط أن نحكم أنفسنا، وأن نعبد الله كما نريد. لكن احذر، يا بني. الوندال ليسوا ملائكة. هم أيضاً يريدون الأرض، والذهب، والسلطة. لكنهم، على الأقل، لا يسمّوننا مشركين لأننا لا نعبد ثلاثة.
في زمن جنسريق، ملك الوندال، كانت الأرض تتنفس. لم تكن الحرية كاملة، لكنها كانت أقل خنقاً من زمن الرومان. تحالف بعض البربر مع الوندال ضد الرومان. لم يكن ذلك حباً في الوندال، بل كراهيةً فيمن سبقهم.
لكن الرؤيا لم تكن تنام. وفي ليلة من ليالي الصيف، بينما كانت النجوم تلمع فوق جبل الشريعة، رأى أياور رؤيا. رأى جده آمناي واقفاً على قمة الشريعة، يمد يده إلى الشمال، ويقول: هؤلاء الذين يحملون السيوف من الشمال لن يكونوا آخر الغرباء. سيأتي من بعدهم من يحمل الصلبان الذهبية، ثم من يحمل المدافع. لكن في كل مرة، سيخرج من صلبك من يحمل الرؤيا. والرؤيا لا تموت.
الزمن يجري، والأقدار تتحقق، والدماء تسيل، والأجيال تتوارث الأحلى والأمر، والحياة تستمر.
كان أفالكو حفيد أياور نائماً في خيمة، وكان القمر بدراً. ورأى رجلاً واقفاً على قمة جبل، وكان الرجل طويلاً، ونحيلاً، وكان في وجهه شيء لم يره في وجه أحد. كان في وجهه نور. وكان الرجل يمد يده إلى المشرق: الرؤيا لم تمت.
استيقظ أياور. خرج من الخيمة. كانت الشمس تشرق. وكانت بحيرة حلولة تلمع في الأفق. وكانت الفيلة قد بدأت تأتي لتشرب. وكان في الأفق غبار. غبار جديد.
جاءوا من الشرق. جاءوا من مدينة اسمها القسطنطينية. كانوا يحملون صليباً ذهبياً، وكانوا يتكلمون اليونانية، وكانوا يقولون إنهم جاءوا ليحرروا الأرض من الوندال. البيزنطيون أشد قسوة من غيرهم.
في السنة الأولى، أخذوا الموانئ. في السنة الثانية، بنوا الكنائس. في السنة الثالثة، بدأوا يطلبون الضرائب بالحديد. في السنة الرابعة، بدأوا يضطهدون من لا يوافقهم.
وكان أياور قد صار شيخاً. وكان يجلس أمام خيمته، وينظر إلى البيزنطيين وهم يمرون. وكان يقول لأبنائه: هؤلاء ليسوا مثل الوندال. الوندال كانوا يقولون إنهم يريدون تحريرنا. البيزنطيون يقولون إنهم يريدون تحريرنا من الوندال. لكنهم يريدون أن نحكم كما يريدون هم. وليس كما نريد نحن.
في تلك السنة، مات أياور. وحين مات، كان قد رأى في منامه، قبل موته بثلاث ليال، رجلاً واقفاً على جبل، يمد يده إلى المشرق، ويقول: ستأتي ريح من المشرق. وستحمل كلمة. والكلمة ستكون أقوى من السيف. الكلمة تُحمل بالقلب.
كبر بوداس ضمن الجيل الجديد من أحفاد الدم الذي يحمل الرؤيا. وفي يوم من الأيام، وهو في الخامسة والعشرين، جمع رجالاً من القبائل، وقال لهم: نحن لا نستطيع أن نطيق البيزنطيين. يطلبون منا الضرائب. ويقتلون من لا يدفع. ويهدمون معابدنا. ويبنون كنائسهم على أنقاضها. لماذا لا نقاتلهم؟
قال شيخ: لأنهم كثيرون. ونحن قليلون.
قال بوداس: لكننا نعرف الأرض. وهم لا يعرفونها. ونحن نستطيع أن نختبئ في الجبال. وهم لا يستطيعون. ونحن نستطيع أن نقطع طرقهم. وهم لا يستطيعون.
قال شيخ آخر: لكنهم سيقتلوننا.
قال بوداس: قد يقتلوننا. لكننا سنموت أحراراً. ومن يموت حراً، لا يموت.
في تلك السنة، بدأت المقاومة. كانت المقاومة صغيرة في البداية. كانوا يقطعون الطرق. كانوا يهاجمون الحصون الصغيرة. كانوا يهربون إلى الجبال. وكان البيزنطيون يرسلون الجنود، وكانوا يقتلون، وكانوا يصلبون، وكانوا يسبون.
لكن المقاومة لم تتوقف. في السنة الثانية، انضم لبوداس رجال من قبائل أخرى، منهم يانطالاس: زعيم قبيلة لواتة في إقليم طرابلس وقسنطينة. قاد ثورة عارمة ضد البيزنطيين بسبب غدرهم بالزعماء البربر. نجح في سحق الجيش البيزنطي وقتل القائد الروماني الشهير سولومون في معركة تهودا الأولى، مما أصاب الإدارة البيزنطية بشلل عسكري كبير. وفي السنة الثالثة، انضمت امرأة اسمها ديهيا.
كانت ديهيا من قبيلة جراوة . وكانت طويلة، وقوية، وكان شعرها أسود طويلاً، وكانت عيناها سوداوين فيهما نار. وكانت تحمل سيفاً، وكانت تركب حصاناً، وكانت تقود الرجال.
وكانت تقول: لن أسمح لأحد أن يحكمنا. لا بيزنطي ولا روماني ولا فارسي.
وفي زمن البيزنطيين، اختلطت الدماء مرة أخرى. تزوج جنود بيزنطيون من نساء بربريات. وُلد أطفال بعيون خضراء وشعر بني. وكانت الأمهات يقلن لأولادهن: أنتم لا تشبهون آباءكم. أنتم تشبهوننا. أنتم من هذه الأرض. والبيزنطيون سيذهبون، والأرض ستبقى.
وكانت اللغة تختلط أيضاً. صارت كلمات يونانية تدخل البربرية، وكلمات بربرية تدخل اليونانية. وكان الأطفال يكبرون وهم يتكلمون ثلاث لغات: البربرية مع الأمهات، واليونانية مع الآباء، ولغة ثالثة في القلب.
الفصل الخامس: الفتح، حين أشرقت الشمس وارتد من رأى الحق
في سنة لا يعرفها كسيلة، ولا ديهيا، عبر رجال من المشرق الصحراء. لم يأتوا بسفن. جاءوا على ظهور الإبل. يحملون سيوفاً قصيرة، ومصاحف صغيرة، وكلمة واحدة: لا إله إلا الله.
كانوا رجالاً مختلفين عن كل من سبقهم. كانوا نحيفين، سمراً، ذوي عيون سوداء عميقة. كانوا يلبسون ثياباً بسيطة، ويأكلون ما يأكله الفقراء. وكانوا يصلّون في العراء، ويقفون في وجه الظلم، ولا يتعصبون لدم ولا لعشيرة إلا لـ لا إله إلا الله محمد رسول الله.
كان أول من وصل عقبة بن نافع. وحين وصل إلى أطراف الأرض، حيث ينتهي التراب ويبدأ المحيط، دخل بفرسه الماء، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: اللهم اشهد أني بلغت آخر الأرض.
في مرحلة مبكرة جداً من فتح مصر وبرقة، أرسل القائد عمرو بن العاص وفداً من حكماء وأعيان قبيلة لواتة البربرية إلى المدينة المنورة للقاء الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
دخل هؤلاء الحكماء المسجد وهم محلقو الرؤوس واللحى. وعندما سألهم عمر بن الخطاب عن سبب ذلك، أجابوا بحكمة بالغة: شعر نبت في الكفر، فأحببنا أن نبدله بشعر ينبت في الإسلام.
عاد هذا الوفد الحكيم إلى قبائل لواتة ودعاها للإسلام، فكانت من أوائل القبائل البربرية التي ثبتت على الدين وشاركت لاحقاً في نشر الدعوة.
شيخ من أحفاد آمناي وماسين يدعى صولات بن وزمار، زعيم قبيلة مغراوة، من أوائل الحكماء البربر الذين بادروا بالتعرف على الإسلام متيقنين أن هذه هي الشمس التي تطلع من المشرق وأن شجرة الرؤية هي هذه الكعبة الشريفة وأن الغمامة هي الإسلام. رغب صولات بن وزمار في التعرف على هذا الدين الجديد، فسافر بنفسه في رحلة طويلة من شمال أفريقيا إلى المدينة المنورة في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه. ولما تحقق من أنه الحق الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من أمامه، أعلن صولات إسلامه أمام الخليفة. وعندما عاد إلى قومه حدّثهم عن الله سبحانه ومحمد صلى الله عليه وسلم وعن بعثته وعدالة الإسلام وأخلاق المسلمين، وطلب منهم الدخول في الدين الجديد، فأسلمت أعداد كبيرة من عشيرته تأثراً بحكمته.
وحين وصل خبر هؤلاء الرجال إلى كسيلة، كان ملكاً على قبائل البربر في الأوراس. كان رجلاً طموحاً، يحب الملك، ويخاف أن يسلبه منه غريب جديد. فذهب إلى حسان بن النعمان، وقبل الإسلام. ليس حباً في الإسلام، بل خوفاً على العرش. أسلم، ولبس ثوب المسلمين، وصلى معهم، ثم عاد إلى قومه.
لكن الإيمان لم يكن قد دخل قلبه. كان في قلبه شيء آخر: الملك. وحين رأى أن المسلمين يزدادون قوة، خاف. خاف أن يذهب ملكه بين الناس. فجمع قومه، وقال لهم: هؤلاء العرب يريدون أن يأخذوا أرضنا. أسلمت لأحميكم. لكنهم لا يكتفون بالدين. يريدون الحكم. وأنا لا أريد أن أحكم تحت راية غيري.
فنكث. ارتد عن الإسلام. قاتل المسلمين. قتل من كان معه من العرب. وحين سمع حسان بن النعمان بالخبر، عاد إليه بجيشه. والتقيا في معركة. هُزم كسيلة. وقُتل. وذهب ملكه كما ذهب إيمانه.
قال حكماء البربر: كسيلة رأى الحق. أسلم. ثم نكث. لم يكن يحمل الرؤيا. كان يحمل الملك. والرؤيا لا تسكن قلباً يحب الملك أكثر منها. كسيلة ليس من نسلنا. كسيلة هو الذي خانت عائلته الرؤيا. لكن الرؤيا لم تمت.
ثم جاءت الكاهنة ديهيا. امرأة من قبيلة جرجرة. كانت تحكم البربر في الأوراس. كانت امرأة طويلة، قوية، ذات شعر طويل أسود، وعيون سوداء فيها نار. كانت تحمل سيفاً، وتركب حصاناً، وتقود الرجال. وحين وصل المسلمون، حاربتهم. لم تكن تحمل رؤيا. كانت تحمل كراهية. كراهية الغريب. أي غريب.
كانت تقول لقومها: لن أسمح لأحد أن يحكمنا. لا عربي ولا روماني ولا فارسي.
وحين سألها كسيلة، قبل أن يرتد: لماذا تقاتلين؟ قالت: لأنني لا أريد أن يحكمنا غريب. قال: لكن جدي آمناي رأى أن الشمس ستشرق من المشرق. قالت: أنا لا أعرف شمس جدك. أنا أعرف فقط أنني لا أريد أن أموت وأنا أدفع الضرائب لغريب. حتى لو كان الغريب يحمل الشمس.
حاربت ديهيا المسلمين. أمرت بقطع النخيل. أمرت بتخريب البلدات. قتلت. قُتلت. وحين ماتت، لم تكن تحمل رؤيا. كانت تحمل غضباً. والغضب ليس رؤيا. الغضب يموت حين يموت صاحبه. أما الرؤيا فتبقى.
لكن في تلك الفترة، كانت الرؤيا قد انتقلت إلى مكان آخر. لم تكن في قصور الملوك، ولا في خيام الثوار. كانت في دماء مختلطة. في الزواج الذي لم يتكلم عنه أحد: زواج البربر من الفينيقيين، ثم من الرومان، ثم من الوندال، ثم من العرب الفاتحين. كان الدم يختلط، والرؤيا تنتقل. لأن الرؤيا ليست في العرق. الرؤيا في القلب.
وُلد جيل جديد. جيل نصفه بربري، ونصفه عربي، ونصفه روماني، ونصفه فينيقي. كانوا يتكلمون لغات كثيرة. وكانوا يعبدون الله الواحد. وكانوا يحملون الرؤيا. لأن الرؤيا لا تعرف العرق. الرؤيا تعرف القلب.
وفي زمن الفتح، اختلطت الدماء مرة أخرى. تزوج العرب الفاتحون من نساء بربريات. وُلد أطفال بعيون سوداء وشعر أسود.
وكانت اللغة تختلط أيضاً. صارت كلمات عربية تدخل البربرية، وكلمات بربرية تدخل العربية. وكان الأطفال يكبرون وهم يتكلمون العربية مع الآباء، والبربرية مع الأمهات، ولغة ثالثة في القلب. لغة القرآن.
مرت القرون. جاء بنو هلال من المشرق، في القرن الحادي عشر، بعد أن أرسلهم الفاطميون إلى المغرب. جاءوا بقبائلهم ومواشيهم ونسائهم. لم يكونوا جيشاً نظامياً. كانوا شعباً يهاجر. كانوا رجالاً طوالاً، سمراً، ذوي عيون سوداء، يلبسون ثياباً صوفية، ويحملون رماحاً طويلة. وكانت نساؤهم جميلات، بشعر أسود طويل، وعيون عسلية، وأجساد نحيلة كالغزلان.
وحين وصلوا إلى هذه الأرض، لم يجدوا فراغاً. وجدوا شعوباً مختلطة. فتزوجوا. واختلط الدم مرة أخرى.
قال أحد شيوخ البربر لأبنائه، وهو يشاهد قبائل بني هلال تدخل السهول: هؤلاء قوم من المشرق. جاءوا ليعيشوا هنا. ليسوا غزاة. هم باحثون عن أرض. والرؤيا لا تُحمل بالدم. الرؤيا تُحمل بالقلب. لكن الدم المختلط يجعل الرؤيا أقوى. لأن من يحمل الرؤيا من دم واحد، يحملها بعين واحدة. ومن يحملها من دماء كثيرة، يحملها بعيون كثيرة. والعيون الكثيرة ترى الشمس أوضح.
وهكذا، في تلك الفصول التي لا يعرفها التاريخ الرسمي، اختلط الدم: الفينيقي مع البربري، والروماني مع البربري، والوندالي مع البربري، والعربي مع البربري، والهلالي مع البربري. وُلد جيل جديد. جيل يحمل في عروقه دماء البحر والصحراء والجبل. جيل يتكلم العربية والبربرية والدارجة. جيل يعبد الله الواحد. جيل يحمل الرؤيا.
وهنا، في هذا الجيل، بدأت الأسماء تتغير. لم تعد غايا وماسينيسا أسماء أبنائنا. صارت عمر وعلي ومحمد. لأن الرؤيا لم تعد تُحمل بالدم البربري فقط. صارت تُحمل بالدم المختلط، واللسان العربي، والقلب الذي يعرف أن الشمس تأتي من المشرق.
وكانت العيون في ذلك الزمن قد صارت أكثر تنوعاً. في عيون أبناء بني هلال، كان هناك سواد عميق، سواد الصحراء. وفي عيون أبناء البربر، كان هناك عسلية صافية، عسلية الجبل. وفي عيون الجيل الجديد، كان هناك لون بين اللونين، لون الأرض حين تلتقي بالسماء.
وهنا، في هذا الجيل، بدأ الخيط يكتمل. لم يعد الدم دماً واحداً. صار الدم دماءً كثيرة. وكانت العيون تقول ما لا يقوله اللسان: أنا من هنا، ومن هناك. أنا من البحر، ومن الصحراء، ومن الجبل. أنا من كل مكان، ولا مكان. أنا من هذه الأرض. وهذه الأرض مني.
وقامت دول وسقطت دول بهذه الدماء، ووصل الإسلام إلى الأندلس، وبعد ثمانية قرون، في أواخر القرن الخامس عشر، سقطت غرناطة. وكانت الأندلس تُباد. وكانت سفن النجاة تعبر البحر، محمّلة بجرح لا يندمل. وفي تلك السنوات نفسها، كان الإسبان ينظرون إلى الشاطئ الجنوبي للبحر، إلى هذه الأرض، بعين الجائع.
احتلوا المرسى الكبير ودخلوا وهران. استولوا على بجاية. وفرضوا على ملوك تلمسان ما سموه معاهدات. وكان أبو حمو الثالث، أحد الأحفاد الذين خانوا الرؤية، ملك تلمسان، ضعيفاً. كان يخاف. فباع الموانئ. أخذ الذهب. وقع المعاهدة. اثنا عشر ألف دوكا سنوياً. اثنا عشر فرساً. طائر صقر.
وحين سمع الناس، بكوا. لم يكونوا يبكون من الحزن فقط. كانوا يبكون من العار. لأن من يبيع أرضه، يبيع شرفه. ومن يبيع شرفه، يبيع أبناءه.
قال جدي عمر، أحد أحفاد آمناي، وهو يسمع الخبر في عين الدفلة: أبو حمو الثالث لم يبع الموانئ. هو باع الرؤيا. ومن يبيع الرؤيا، لا يبقى له شيء. لكن الرؤيا لا تموت. الرؤيا تنتقل إلى من يستحقها.
لكن في تلك السنوات نفسها، كانت الشمس تشرق من مكان آخر. من الشرق. من حيث كان عروج وخير الدين يرفعان راية الإسلام على البحر.
كانا رجلين من أصل تركي، أو ربما ألباني. لا يهم. المهم أن البحر كان لهما، وأن الإسبان كانوا يخافون منهما. وكانا يعرفان هذه الأرض. كانا يعرفان أن الموانئ قد بيعت، وأن الناس ينتظرون من يحمل الرؤيا.
وكان في هذه الأرض رجال لم يبيعوا. وكانوا يحملون الرؤيا. وكانوا يعرفون أن من يحمل الرؤيا لا ينتظر ملكاً. يصنع ملكاً.
سيدي أحمد الكبير كان من الأندلسيين الذين نزحوا إلى الجزائر في النصف الأول من القرن السادس عشر. لكنه لم يحمل معه الحقد، بل حمل معه المعرفة. عُرف عنه الورع والتقوى وإتقانه لشؤون الري والفلاحة والبستنة. حلّ بوادي الرمان، وتزوج بامرأة بربرية، وشقّ الترع والقنوات، وأوصل المياه إلى قلب الأرض، فكثرت المساكن، وفرس البساتين، ووُلدت مدينة صغيرة سماها الناس البليدة، تصغير البلدة.
لكنه لم يبنِ المدينة للفرح فقط. بناها للجريح. حين رأى وفود الأندلسيين الفارين من الإبادة الإسبانية، لم يغلق بابه. ذهب إلى خير الدين بربروس، وطلب منه الترخيص لاستقبالهم. وبنى لهم أحياء خاصة بهم في الجون، ومخبزة، وحماماً، ومسجداً. واختلط مرة أخرى الدم البربري بالأندلسي، وصارت سفوح الشريعة ممراً لأفراح الزواج بين قبائل حجوط وبني مسعود وبني مصرى وبني صالح والأندلسيين وبني خليل، تجمعهم الكلمة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال جدي عمر، وهو يروي هذه الحكاية: لم يكن سيدي أحمد الكبير يبني بيوتاً. كان يبني أرحاماً. كان يعرف أن من فقد وطنه، يحتاج إلى من يقول له: أنت منا. والأندلسيون جاءوا بجرحهم وطبخهم وموسيقاهم وزخارفهم، فصاروا جزءاً من نسيج البليدة. لم يذوبوا، ولم يذوّبوا. اندمجوا. لأن الرؤيا لا تذيب أحداً. الرؤيا تجمع.
وفي القليعة، على الساحل، كان سيدي علي مبارك. بنى مسجده وزاويته تزامناً مع سيدي أحمد الكبير. وكانت الزاوية ملاذاً للفقراء والغرباء وعابري السبيل.
لكن سيدي علي مبارك لم يجعل من زاويته ثكنة. جعلها مدرسة. كان يعلّم فيها القرآن، واللغة، والفلاحة. وكان يقول لمن يأتيه من الأندلسيين: أنتم لم تفقدوا شيئاً. أنتم جئتم لتذكّرونا بأن الإسلام لا وطن له إلا القلب. والأندلس التي فقدتموها، ستبنونها هنا. في كل زاوية تبنيها، وفي كل حرف تحفظه، وفي كل زيتونة تغرسها.
وهكذا، صارت القليعة، بفضل زاويته، ملاذاً لكل من هرب من جحيم الإسبان. كان الأندلسيون يأتون بمراكبهم الصغيرة، ويهبطون على الشاطئ، فيجدون رجالاً يحملون الماء والخبز، ونساءً يحملن أطفالهن، ويقولون: هنا أرض الإسلام. هنا لا يُسأل أحد عن وطنه.
وفي مليانة، في الداخل، كان سيدي أحمد بن يوسف. كان من نسل جيل الرؤيا، لكنه اختار طريقاً آخر. اختار العلم. درس في بجاية، وتعلّم على يد أحمد زروق، وعاد إلى بلاده ينشر العلم والطريقة، فأسس زاويته في رأس الماء بوادي الشلف.
وكان رجلاً يعرف أن الإيمان ليس صلاة وصوماً فقط. الإيمان سياسة. الإيمان أن تقف مع الحق، وأن تختار الحليف الذي يقاتل من أجلك. وحين ظهر عروج وخير الدين، لم يرفضهما. التقى بهما، وعقد معهما تحالفاً. وكان اللقاء الأول بين عروج والشيخ أحمد بن يوسف، وأثمر هذا التحالف تعاوناً في مواجهة الخطر الإسباني والانحراف الزياني.
قال جدي عمر: سيدي أحمد بن يوسف لم يكن ملكاً. كان عالماً. لكنه فهم أن العلم بلا سيف قد يضيع، وأن السيف بلا علم قد يطغى. فجمع بينهما. تحالف مع عروج وخير الدين، لا حباً في الأتراك، بل حباً في الأرض. وكان العثمانيون يعترفون بفضله، فكان خير الدين يرسل إليه الهدايا الثمينة، ويخصص له جزءاً من الجزية، احتراماً لمقامه. لكنه كان يعرف أن الأتراك قد ينسون، وأن الرؤيا لا تُحفظ إلا في القلوب.
القائدان عروج وخير الدين لم يأتيا كما جاء الفينيقيون بالعقود، ولا كما جاء الرومان بالقوانين، ولا كما جاء الوندال بالسيوف، ولا كما جاء الإسبان بالصلبان. جاءا براية الإسلام، وبمدافع، وبجنود لا يخافون. وحين نزلا على الساحل، لم يجدوا شعباً ينتظرهم، بل شعباً أنهكه الاحتلال، وبدأ ينسى أنه يحمل رؤيا.
قال عروج، وهو ينظر إلى وهران: هذه المدينة لنا. لن تبقى للإسبان.
وحارب. وحين استشهد عروج، حمل أخوه خير الدين الراية، وواصل. حرروا المرسى الكبير. حرروا بجاية. حرروا تلمسان. وحين دخلوا الجزائر، لم يطلبوا من الناس أن يعبدوهم. طلبوا أن يعبدوا الله.
مرت السنوات. حكم الأتراك. بنوا المساجد. أسسوا المدارس. نظموا الجيش. لكن الولاء بدأ يتحول. لم يعد للرؤيا. أصبح للدولة. والناس أحبوا الرجال.
قال جدي عمر، في آخر أيامه: يا علي، الرؤيا تضعف. الناس أحبوا الأتراك أكثر من الرؤيا. وحين يحب الناس الرجال أكثر من الرؤيا، يضعفون. لأن الرجال يموتون. والرؤيا لا تموت.
مات عمر الأول. ولم يفهمه أحد.
وفي زمن الأتراك والأندلسيين، اختلطت الدماء مرة أخرى. تزوج الأندلسيون من نساء بربريات وعربيات. وُلد أطفال بعيون عسلية وشعر بني.
وكانت اللغة تختلط أيضاً. صارت كلمات إسبانية تدخل الدارجة، وكلمات أندلسية تدخل البربرية. وكان الأطفال يكبرون وهم يتكلمون الدارجة مع الآباء، والبربرية مع الأمهات، ولغة القرآن ….
في تلك الفترة، كان لا يزال من يحمل الرؤيا. حملها رجال لم يعرفهم التاريخ الرسمي. كان اسمه حميدو.
دم جزائري هكذا يكتسي الدم حلته. كان ابن خياط. كان يجلس في دكان أبيه، يخيط الثياب، لكن عينيه كانتا على البحر. قال لأبيه يوماً: أنا لا أريد أن أخيط الثياب. أنا أريد أن أخيط البحر.
قال أبوه: البحر لا يُخاط. البحر يُركب.
ترك الإبرة. ركب البحر. تعلّم. سقط. قام. صار رايس. لم يمنحه أحد اللقب. أخذه من البحر.
كان حميدو رجلاً قصير القامة، عريض المنكبين، ذا لحية سوداء وعيون سوداء فيها نار. كان يلبس ثوباً بحرياً، ويحمل سيفاً، ويقف على سطح السفينة كأنه جبل. وكان إذا صرخ، سمعت السماء.
خرج بسفينته مشهودة. لم تكن أكبر سفينة. لكنها كانت أسرعها. كان بحّارته يعرفون أنها إذا خرجت، لا تعود فارغة. إما تعود بالغنائم، أو لا تعود.
وفي إحدى الليالي، قرب رأس غات، رأى أضواءً في الأفق. كانت سفناً أمريكية. كبيرة. ثقيلة. مدججة بالمدافع. قال له مساعده: هؤلاء كثيرون. علينا أن ننسحب. قال حميدو: الرايس لا يعرف الانسحاب.
أمر بحّارته أن يرفعوا علم بريطانيا. اقتربت مشهودة. كانت السفن الأمريكية تظنها صديقة. وحين اقتربت بما يكفي، رفع حميدو علم الجزائر. كان يقف على سطح السفينة، شاهراً سيفه، ويصرخ: أنا حميدو. من يقف في وجهي، فليقل وداعاً لأمه.
دارت المعركة. كانت مشهودة كذئبة بين قطيع. أصابته قذيفة. يقولون إنها قطعته نصفين. ويقولون إنه ظل واقفاً، ينظر إلى بحّارته، ويقول: لا ترفعوا العلم الأبيض.
ألقوا جسده في البحر. كما أوصى. لم يترك جسده ليُعرض في متاحف الغرباء.
قال جدي العربي، سمته أمه البربرية تيمناً بالعرب الذين حملوا لنا الإسلام، وهو يسمع الخبر في موزاية: مات حميدو. لكنه لم يمت. من يموت في البحر مجاهداً، لا يموت.
وفي زمن رايس حميدو، كان البحر قد صار وطناً لمن لا وطن له. كان البحارة من كل لون: بربر، عرب، أتراك، أندلسيون، حتى من الإسبان والفرنسيين الذين أسلموا. وكانت السفن الجزائرية تحمل في طاقمها دماءً من كل البحر. وكانت العيون في تلك السفن تتنوع: سوداء، عسلية، زرقاء، خضراء. وكانت الألسنة تتنوع: عربية، بربرية، تركية، دارجة. لكن الجميع كانوا يقولون كلمة واحدة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال جدي إن البحر كان مدرسة. من ركبه، نسي من أين جاء. وتذكر فقط إلى أين يمضي. والبحر لا يسأل عن الدم. البحر يسأل عن الشجاعة……

… تتبع

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24