رمضان العباسي يكتب: أخلاق المصريين في أجازة رسمية

يقول ابن القيم في كتابه مدارج السالكين ” الدين كله خُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين”.هذه المقولة الشهيرة تدل على أن الأخلاق جوهر الدين وليست من المكملات أو لزوم الديكور ، وبالنظر إلي الواقع المعاش أصبحت الأخلاق في أجازة رسمية على المستويين الرسمي والشعبي، نتيجة فوضى المعرفة وفوضى الطرح التي تحدث عنها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الإحتفال بالمولد النبوي الشريف.
فوضى المعرفة والطرح ليست قاصرة على مايبث في قنوات الإخوان من أجل التأثير على المصريين، بل أصبحت
هذه الفوضي تعج بوسائل التواصل الإجتماعي وتلاحقها المواقع الصحفية الإلكترونية من أجل زيادة المشاهدات.


فقد ادت الفوضى إلى استباحة حياة وخصوصيات المصريين وأصبح الكل يتابع ماذا حدث مع الديلفري الذي أعطاه احد العملاء طعام ليس جيدا وكأن هذه هي أزمة المجتمع، او زميله الصائم الذي يفطر في الحديقة فيطرده احد السكان. او هذه الفتاه التي تشكو امها، وذاك الصبي الذي يعاني من تقصير ابيه وتلك المرأة تخون زوجها، وهذه البنت تخدع اهل بيتها من أجل حبيبها، والطالبة التي رقصت مع المطرب الشهير فتمايل على خصرها كل المصريين، وغيرها من القصص والحكايات التي تحدث في كل وقت وكل مكان بشكل معتاد، ولكن الفراغ الذي يعيشه الناس في ظل تراجع دور العلم وانهيار قيمة العمل وغياب المعرفة وانحصار دور الدين والمسجد واقتصارهما على أداء عدة صلوات. والموت السريري للمؤسسات الثقافيةوالحزبية.
لقد ساهم هذا الغياب الشعبي وذاك التقصير الرسمي في جعل هذه السفاهات البديل الذي يملأ حياة الناس وتأخذ حيزا واسعا من وسائل التواصل الإجتماعي والإعلام وغدت هذه التفاهات تتصدر المشهد ومنحت اللاشىء الضوء ليصبح شىء في عيون متابعي اللاشىء.
في الوقت نفسه سارت الصحف ووسائل الإعلام في هذا المستنقع، فتضع عنواين خاليه من كل شىء، سوى الإثارة والتفاهة.
هذه الفوضي في الطرح حولت المصائب والأحداث الفردية العادية إلى قضايا رأي عام مصطنع، دون أن يدري هؤلاء الفوضويون أن المصيبة اذا خصت هالت واذا عمت هانت، أي أن تناول هذه المصائب بهذا الشكل الفج يعزز انتشارها في المجتمع. في حين يؤكد علم الاجتماع أن مثل هذه الأحداث يجب معالجتها داخل الأسرة لمنع انتشارها واستسهالها.
أمام هذه الفوضي تراجعت قيمة وقامة العمل الحقيقي، والإنتاج الفعلي، وبات الكل يبحث عن السبوبة والوظيفة المريحه التي لاتتطلب التزام ولا إنتاج.
وهذه الفوض في المعرفة والطرح جعلت العروسة الترند الأكثر مشاهدة، والعريس النذل الأكثر قراءة، ليس لاحتواء موضوعتهما على شىء جديد، او مفيد، بل لملىء فراغ عقول متابعي ومستحدمي وسائل التواصل الإجتماعي.
هذه الفوضي كشفت عورات المجتمع رسميا وشعبيا، فالمسجد لايقوم بدوره في تعليم الناس بعضا من القيم ولاترسيخا للأخلاق. والمدرسة فقدت دوريها التربوي منذ زمان بعيد وكذلك دورها التعليمي بعدما منحته لسناتر الدروس الخصوصية في مشاهد لايوجد لها نظير في أفقر دول العالم.
اما الإعلام بكل مشتملاته ومن بينها وسائل التواصل الإجتماعي فقد أصبح وسيلة للتسطيح ونشر سفاسف الأمور والزج يمعلومات مغلوطة في ظل غياب الرقابه عن الدور الاجتماعي والنربوي والديني وحصرها في الجانب السياسي فقط.
اما مراكز البحوث والدراسات الاجتماعية فغائبة تماما عن دراسة تلك الظواهر ومحاصرتها قبل انتشارها.
هذه الأخطار تعدت حدود الوطن وأصبحت عنوان مثير في الكثير من المواقع والصحف العربية والأجنبية، مما دفع اكاديمي سعودي لنشر تفريدة على موقع اكس عن هذه الثقافة التافهة وتلك الممارسات الغير أخلاقية، فتنهال عليه عشرات التعليقات التي تشكو مما اصاب المصريين وتستنكر التغير في سلوكهم.
ووصل الأمر أن قالت كريستالينا جورجيف مديرة صندوق النقد الدولي أن مشكلة مصر إدارية واخلاقية.
فلم يكن الفقر يوما عيبا ولانقصا ولكن العيب الحقيقي أن يصبح المجتمع فربسة لهذا الطرح وضحية لهذه الفوضي. محليا ويتم معايرته بها عربيا ودوليا.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24