بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
قد يرحل إنسان عن الدنيا، فلا يترك وراءه مالًا كثيرًا ولا منصبًا رفيعًا، ومع ذلك يبقى اسمه حاضرًا في قلوب الناس، يذكرونه بالخير ويدعون له كلما تذكروا معروفًا صنعه معهم.
وقد يرحل آخر وقد امتلك من المال والجاه ما لم يمتلكه غيره، لكن ذكراه لا تحمل أثرًا يُذكر.
فما الذي جعل الأول حاضرًا بعد رحيله، وجعل الثاني يغيب رغم كل ما امتلكه؟
إنه الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين.
يُروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناس»، وهو حديث حسّنه بعض أهل العلم.
وفي هذا المعنى دعوة عظيمة إلى أن تكون حياة الإنسان مصدر خير لمن حوله، مهما كانت إمكاناته.
فالمنفعة ليست حكرًا على الأغنياء أو العلماء أو أصحاب المناصب؛ إنها باب مفتوح لكل من أراد أن يترك أثرًا طيبًا.
الخير لا يحتاج دائمًا إلى المال
قد لا تملك ما تتصدق به، لكنك تستطيع مساعدة مسنٍّ على حمل أغراضه، أو إيصال مريض إلى المستشفى، أو إرشاد شخص ضل طريقه، أو تعليم طفل شيئًا تعرفه.
وقد لا تستطيع حل مشكلة إنسان، لكنك تستطيع أن تستمع إليه وتخفف عنه بكلمة.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والكلمة الطيبة صدقة»، متفق عليه.
فكم من إنسان كان يحمل همًّا ثقيلًا، فوجد في كلمة صادقة ما أعاد إليه الأمل!
وكم من محتاج لم يكن ينتظر مالًا، وإنما كان ينتظر من يشعر به ويقف إلى جانبه!
فقد لا تملك ما يغيّر حياة إنسان كاملة، لكنك قد تملك ما يجعل يومه أقل قسوة.
يبدأ النفع من أقرب الناس إليك
من الجميل أن يخدم الإنسان مجتمعه، لكن الأجمل ألا ينسى أهله وهو يفعل ذلك.
فما قيمة أن يراه الغرباء كريمًا متعاونًا، بينما يعاني والداه من إهماله، أو ينتظر أبناؤه بعضًا من وقته، أو تحتاج أسرته إلى اهتمامه؟
إن بر الوالدين، وحسن معاملة الزوجة، ورعاية الأبناء، وصلة الأرحام، كلها أبواب عظيمة للنفع.
فلا تجعل الغرباء يعرفون أجمل أخلاقك، بينما لا يرى أهلك إلا ما تبقى منها.
ولا يعني ذلك أن ينحصر خير الإنسان في أسرته، بل أن يبدأ بأداء الحقوق، ثم يوسّع دائرة عطائه قدر استطاعته.
بين العاجز عن العطاء والممتنع عنه
هناك فرق كبير بين إنسان لا يستطيع تقديم المساعدة بسبب مرض أو إعاقة أو ظروف قاهرة، وبين إنسان يملك القدرة والوقت، لكنه لا يريد أن يتحمل مسؤولية أو يقدم خيرًا.
فالأول لا تنقص كرامته بعجزه، ولا تُقاس قيمة الإنسان بقدرته على العمل أو العطاء.
أما الثاني، فيحتاج إلى أن يراجع نفسه.
فمن المؤسف أن تمر سنوات على إنسان وهو ينتظر أن يخدمه الآخرون، دون أن يسأل نفسه عما يستطيع تقديمه لهم.
والمقصود هنا ليس أن يرهق الإنسان نفسه أو يتجاوز طاقته، وإنما ألا يجعل الأنانية أسلوب حياة.
فالحياة ليست أن نأخذ دائمًا… بل أن نعرف متى نعطي، ومتى نتحمل مسؤولياتنا تجاه الآخرين.
حين يصبح الإنسان مصدر أذى
وإذا كان التقصير في فعل الخير أمرًا يستحق المراجعة، فإن إيذاء الناس أشد خطرًا.
فقد يكون الإنسان قادرًا على مساعدة الآخرين، لكنه بدلًا من ذلك يجرحهم بلسانه، أو ينشر الخصومات بينهم، أو يسخر من ضعفهم، أو يسيء معاملتهم.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إنَّ مِن شرِّ الناسِ عند اللهِ منزلةً يومَ القيامةِ مَن تركه الناسُ اتقاءَ فُحشِه»، رواه البخاري ومسلم.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل:
هناك إنسان يفرح الناس بقدومه، لأنهم يجدون عنده حسن المعاملة وصدق النصيحة.
وآخر يتجنبونه خشية لسانه وسوء خلقه.
فليس السؤال فقط: هل ينتفع الناس بك؟ بل أيضًا: هل يأمنون جانبك؟
ومن رحمة الإسلام أن كف الأذى نفسه باب من أبواب الخير؛ فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من لم يجد ما يتصدق به إلى أن يمسك عن الشر، «فإنها له صدقة»، كما جاء في الحديث الصحيح.
فأحيانًا يكون أعظم معروف تقدمه لإنسان أن تحفظ كرامته، وتصون سره، وتمتنع عن ظلمه.
كيف تصبح أكثر نفعًا؟
ليس المطلوب أن يغيّر الإنسان حياته في يوم واحد، وإنما أن يبدأ بمراجعة سلوكه وعلاقاته.
أن يصلح خطأ تسبب فيه.
أن يتعلم مهارة تفيده وتفيد غيره.
أن يساعد زميلًا جديدًا في عمله.
أن يقضي حاجة يستطيع قضاءها.
أن يعتذر ممن أساء إليه.
وأن يؤدي عمله بأمانة؛ لأن إتقان العمل نفسه منفعة للناس، حتى وإن لم يسمّه صاحبه عملًا خيريًا.
فالمعلم الذي يخلص في تعليمه، والطبيب الذي يرحم مرضاه، والعامل الذي يؤدي واجبه بإتقان، كلهم يساهمون في بناء مجتمع أكثر خيرًا.
ولا تنتظر مقابلًا لكل معروف، ولا تجعل رغبتك في الشكر تحول العطاء إلى صفقة.
فبعض الأعمال لا يعرف الناس مقدار أثرها، لكنها قد تكون عند الله أعظم مما نظن.
ما الذي سيبقى منك؟
في نهاية العمر، سيترك الإنسان بيته وماله ومنصبه، لكن أثره قد يظل حاضرًا.
قد يبقى علم علّمه، أو أسرة أحسن تربيتها، أو محتاج أعانه، أو إنسان ساعده في وقت لم يجد فيه أحدًا إلى جانبه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن إنسان بعد رحيله:
«كان وجوده خيرًا لنا».
ولهذا، لا تجعل سؤالك الدائم: ماذا سأحصل من الناس؟
بل اسأل نفسك أيضًا:
ماذا يستطيع الناس أن يجدوا من الخير عندي؟
فليس شرطًا أن ينتفع بك ألف إنسان؛ فقد يكفي أن تكون سببًا في تفريج كربة إنسان واحد.
وإن لم تستطع أن تترك أثرًا كبيرًا، فاترك أثرًا طيبًا.
وإن لم تستطع أن تساعد، فلا تؤذِ.
فخيرُ الناسِ أنفعُهم للناس… وليس أعظم الناس بالضرورة أكثرهم مالًا أو منصبًا، بل قد يكون أكثرهم نفعًا إنسانًا بسيطًا لا يعرفه إلا القليل، لكن الخير يعرف طريقه إلى الناس من خلاله.















