حين يصبح التملّق سلّمًا للنجاح

بقلم ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

في عالمٍ يفترض أن تكون فيه الكفاءة جواز العبور إلى النجاح، والإتقان طريقًا إلى التقدّم، والخبرة ميزانًا للتقدير، تظهر أحيانًا طرق أخرى أقصر مسافة، لكنها أشد انحدارًا في ميزان الأخلاق. طرق لا تحتاج إلى علمٍ كثير، ولا خبرة طويلة، ولا جهد استثنائي؛ وإنما تحتاج إلى لسان يعرف متى يمدح، وظهر يعرف متى ينحني، وعين تراقب أين يقف صاحب القرار.

إنه التملّق؛ ذلك الفن القبيح الذي يحاول صاحبه أن يجعل من رضا الأشخاص بديلًا عن رضا الضمير، ومن القرب من المسؤول بديلًا عن الكفاءة، ومن التصفيق إنجازًا يغطّي به عجزه.

والمتملق ليس بالضرورة إنسانًا بلا قدرات، لكنه حين يختار التملق وسيلة للصعود، فإنه يعلن بطريقة غير مباشرة أنه لم يعد يثق بأن عمله وحده قادر على أن يتحدث عنه.

تراه ضعيفًا حين يُطلب منه الإنجاز، قويًا حين يحين وقت المديح. قليل الحيلة أمام المشكلات، واسع الحيلة في الوصول إلى أصحاب النفوذ. إن أحسن المسؤول كان أول المصفقين، وإن أخطأ بحث له عن ألف عذر، وإن أخطأ زميله بحث عليه عن ألف دليل.

بل قد يصل الأمر ببعضهم إلى أن يبني نجاحه على أنقاض الآخرين؛ فيسرق جهد هذا، ويهمّش ذاك، وينقل كلمة ثالث، ويتقرب على حساب رابع. لا يعنيه كم كتفًا وطئه ما دام السلم يقوده إلى الأعلى.

وهنا لا يعود التملق مجرد عيب شخصي، بل يتحول إلى مرض يصيب بيئة العمل والمجتمع.

فالخطر الحقيقي يبدأ عندما يكتشف الموظفون أن الطريق إلى التقدير لا يمر بالإنجاز، وإنما بالقرب من أصحاب القرار؛ وأن من يعمل بصمت قد يبقى في مكانه، بينما يتقدم من أتقن فن الظهور والثناء والموافقة.

عندها يسأل المجتهد نفسه: لماذا أتعب؟

ويسأل صاحب الخبرة: ما قيمة سنوات عملي إذا كانت كلمة مديح في المكان المناسب أثقل من كل هذه السنوات؟

ثم تبدأ الكفاءات في الانطفاء، لا لأنها فقدت القدرة، بل لأنها فقدت الشعور بالعدالة.

لكن ينبغي أن نفرق بين الاحترام والتملق. فليس كل من احترم رئيسه متملقًا، وليس كل من أثنى على عمل جيد منافقًا. الإنسان النبيل يشكر من أحسن ويقدّر صاحب الفضل، لكنه لا يبيع رأيه من أجل رضاه.

فالاحترام يجعلك تقول للمسؤول: أحسنت حين يحسن، وأخطأت حين يخطئ.

أما التملق فيجعلك تقول له: أحسنت في الحالتين.

وهذه هي العلامة الفارقة.

ويمكن معرفة المتملق من تقلّب مواقفه؛ فكلامه أمام المسؤول ليس كلامه في غيابه، وموقفه من الشخص يتغير بتغير منصبه. يقترب ممن يملك القرار، ويبتعد عمن انتهت مصلحته عنده. يضخم أعمال من يريد رضاهم، ويصغّر إنجازات من يراهم منافسين له.

إنه لا يسأل نفسه: ما الصحيح؟
بل يسأل: ماذا يريد المسؤول أن يسمع؟

وهذا أخطر ما في التملق؛ لأنه لا يفسد صاحبه وحده، وإنما قد يفسد صاحب القرار نفسه.

فالمسؤول الذي يحب المديح سيصنع حوله، من حيث يدري أو لا يدري، دائرة من المصفقين. وكلما أحب سماع «نعم»، اختفت من حوله كلمة «لا». وكلما ضاق بالنقد، ابتعد عنه الصادقون واقترب منه المتملقون.

حتى يأتي يوم ينظر فيه حوله فيرى الجميع يبتسمون، فيظن أن كل شيء على ما يرام، بينما المشكلات تتراكم خلف تلك الابتسامات.

ولهذا فإن القائد الحقيقي لا يحتاج إلى من يخبره كل صباح أنه عظيم، بل يحتاج إلى من يملك الشجاعة والأمانة ليخبره أين الخطأ وكيف يمكن إصلاحه.

أما كيف نتعامل مع المتملقين، فلا يكون ذلك بأن نصبح مثلهم.

لا تهزم متملقًا بأن تتعلم التملق.

ولا تدخل معه سباق الوشاية والمجاملات المصطنعة؛ لأنك إن فعلت فقد انتصر عليك قبل أن تبدأ المنافسة. اجعل عملك يتحدث عنك، ووثّق إنجازاتك، واحفظ حقوقك المهنية، وكن واضحًا في مسؤولياتك، ولا تسمح لأحد أن يصعد بسرقة جهدك.

والأهم من ذلك كله: لا تجعل نجاح المتملق المؤقت يهز ثقتك بقيمة الكفاءة.

فقد يستطيع التملق أن يفتح بابًا، لكنه لا يصنع خبرة. وقد تمنح الواسطة منصبًا، لكنها لا تمنح عقلًا قادرًا على إدارته. وقد ترفع المجاملة شخصًا إلى مكان مرتفع، لكنها لا تستطيع أن تمنحه احترام الناس الحقيقي.

والنجاح الذي يحتاج صاحبه كل يوم إلى مزيد من الانحناء حتى يحافظ عليه، ليس نجاحًا كاملًا مهما بدا براقًا.

إن المجتمعات والمؤسسات لا تبنى بالمصفقين، وإنما تبنى بأصحاب الكفاءة والضمير؛ بالإنسان الذي يتقن عمله حين يراه المسؤول وحين لا يراه، والذي يحفظ كرامته وهو يطلب حقه، ويحفظ حقوق الآخرين وهو يسعى إلى النجاح.

ومعنى الإتقان والإحسان أصل راسخ في الشريعة؛ ففي الحديث الصحيح: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء». أما العبارة المشهورة: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه» فقد رويت من طرق تكلم أهل الحديث في أسانيدها، وإن كان معناها العام في الحث على الإتقان حسنًا تؤيده أصول الشريعة.

وفي النهاية، قد يستطيع الإنسان أن يصعد بالتملق أسرع من غيره، وقد يصل إلى مكتب أوسع وكرسي أعلى، وقد يظن للحظة أنه انتصر.

لكن يبقى السؤال:

ماذا خسر في الطريق؟

فليس النجاح أن تصل بأي وسيلة، وإنما أن تستطيع حين تصل أن تنظر خلفك فلا ترى كرامةً تركتها على الدرج، ولا حقًا سرقته، ولا كتفًا وطئته، ولا ضميرًا بعته.

فمن اعتاد أن يصعد بانحناء ظهره للآخرين، قد يصل يومًا إلى مكان مرتفع… لكنه ربما يكتشف هناك أنه أضاع في طريقه شيئًا أعلى من كل المناصب: كرامته.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24