حين يرتدي الظالم ثوب المظلوم

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

ضربه… ثم صرخ أمام الناس: لقد اعتدى عليّ!

ظلمه… ثم اشتكى من ظلمه!

جرحه بكلماته، وحين ابتعد عنه اتهمه بالجفاء والقسوة!

أخذ حقه، ثم وقف أمام الآخرين يطالب بحقه المسلوب!

إنها مفارقة عجيبة، لكنها ليست غريبة عن حياتنا؛ أن يتحول المعتدي إلى صاحب شكوى، وأن يصبح المظلوم مطالبًا بالدفاع عن نفسه، لا عن الحق الذي سُلب منه، بل عن تهمة صنعها له من ظلمه.

وهكذا تنقلب الأدوار، فيجلس الجاني في مقعد الضحية، ويرتدي ثوب البراءة، ويبدأ في سرد حكايته قبل أن تتاح للطرف الآخر فرصة الكلام.

فليس كل من سبق إلى الشكوى مظلومًا، ولا كل من تأخر في الدفاع عن نفسه مذنبًا.

حين تصبح المظلومية وسيلة للهجوم

هناك من لا يكتفي بإيذاء الآخرين، بل يسعى إلى تشويه صورتهم حتى لا ينكشف فعله.

فإذا واجهه أحد بخطئه، لم يناقش الخطأ، وإنما هاجم من كشفه.

وإذا طُلب منه الاعتذار، تحدث عن الإساءة التي تعرض لها.

وإذا ظهرت الأدلة، حاول تحويل الأنظار إلى أخطاء الطرف الآخر، حتى ينسى الناس القضية الأصلية.

وفي دراسة أنماط السلوك المؤذي، يُعرف هذا الأسلوب بمفهوم يقوم على ثلاث مراحل: الإنكار، ثم مهاجمة الطرف الآخر، ثم قلب دور المعتدي والضحية.

وهنا تكمن خطورته؛ فهو لا يحاول إخفاء الحقيقة فحسب، بل يسعى إلى صناعة حقيقة بديلة، يصبح فيها المظلوم متهمًا، والمعتدي صاحب حق.

إنه لا يريد دائمًا أن يثبت براءته، بقدر ما يريد أن يجعل الآخرين يشكّون في براءة من ظلمه.

في بيوتنا ومجالسنا وأماكن عملنا

قد نرى هذا السلوك داخل الأسرة، حين يسيء أحد أفرادها إلى الآخر، ثم يسبق إلى الأقارب يشكو قسوته وسوء معاملته، متجاهلًا ما صدر منه أولًا.

وقد يحدث بين الأصدقاء، عندما يخون أحدهم الثقة، ثم يتهم صديقه بالجحود لأنه قرر الابتعاد عنه.

ونراه أحيانًا في بيئة العمل؛ فقد يظلم مسؤول أحد موظفيه، ويحرمه من حقه، ثم عندما يطالب الموظف بالإنصاف، يتهمه بإثارة المشكلات وعدم احترام الإدارة.

وهنا تتحول المطالبة بالحق إلى تهمة، ويصبح الصمت هو الطريق الأسهل لتجنب الأذى.

والأخطر أن بعض الناس يحكمون على المواقف بناءً على من تحدث أولًا، أو من كانت مكانته أعلى، أو من استطاع استمالة عواطفهم.

لكن الحقيقة لا تُعرف بالأسبقية في الكلام، ولا بقوة المنصب، ولا بكثرة المؤيدين.

فقد يكون صاحب الصوت المرتفع أضعف الناس حجة، وقد يكون الصامت أكثرهم تعرضًا للظلم.

حين ترتدي الدول ثوب الضحية

ولا يتوقف هذا السلوك عند الأفراد، بل قد يظهر في خطاب الدول والحكومات أيضًا.

فقد تتحدث دولة عن أمنها وحقها في الدفاع عن نفسها، بينما تثير أفعالها العسكرية تساؤلات خطيرة حول حماية المدنيين واحترام القانون الدولي.

وقد تستحضر حكومة مأساة تاريخية تعرض لها شعبها، لتطلب من العالم تفهم مخاوفها، ثم ترفض أن تخضع سياساتها الحالية للقدر نفسه من التدقيق والمساءلة.

وهنا لا بد من التفريق بين أمرين:

الاعتراف بالمظلومية التاريخية، ورفض استخدامها لتبرير ظلم جديد.

فما تعرض له اليهود من اضطهاد وإبادة على يد النظام النازي جريمة تاريخية مروعة لا يجوز إنكارها أو التقليل من شأنها. لكن تلك المأساة لا تمنح أي حكومة حصانة من المحاسبة على أفعالها اليوم.

وكذلك فإن حق الدول في حماية سكانها لا يلغي التزاماتها بحماية المدنيين واحترام قواعد الحرب.

وما نشهده من معاناة إنسانية في غزة، وما تثيره العمليات العسكرية في المنطقة من قضايا قانونية وأخلاقية، يجعل هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا.

فلا يجوز أن تتحول آلام الأمس إلى مبرر لإيقاع الألم بالآخرين اليوم.

ومن ذاق مرارة الظلم، لا يصبح الظلم مباحًا له حين يمتلك القوة.

وهذا المبدأ لا يخص دولة بعينها؛ بل يجب أن يسري على الجميع، مهما اختلفت أسماؤهم وأعلامهم وتحالفاتهم.

لماذا يصدق الناس من يتقمص دور الضحية؟

لأن الإنسان بطبيعته يتعاطف مع المظلوم.

وهذه خصلة جميلة، لكنها قد تُستغل عندما يُقدَّم للناس نصف الحكاية.

فقد يستخدم المتلاعب الدموع، أو الغضب، أو العبارات المؤثرة، أو تاريخه السابق من المعاناة، ليجعل الآخرين يقفون إلى جانبه قبل معرفة الوقائع.

وقد يلجأ إلى اتهام من يواجهه بالحسد أو الحقد أو التآمر، بدل الإجابة عن الأسئلة المطروحة عليه.

لكن البكاء ليس دليل براءة، كما أن الغضب ليس دليل إدانة.

وقد يكون الإنسان ضحية حقيقية في موقف، ومعتديًا في موقف آخر؛ فلا تمحو مظلوميته السابقة مسؤوليته عن أفعاله اللاحقة.

فالتعاطف فضيلة، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن التثبت والعدل.

كيف نميز الحقيقة من التلاعب؟

ليس كل من يدافع عن نفسه مخادعًا، ولا كل من ينكر اتهامًا كاذبًا. فقد يُتهم الأبرياء ظلمًا، وقد يضطر المظلوم إلى رفع صوته بعدما طال صمته.

ولهذا فإن الإنصاف يقتضي ألا نتسرع في الحكم.

علينا أن نسأل: ما الذي حدث فعلًا؟ ومن بدأ الاعتداء؟ وما الأدلة؟ وهل يجيب الشخص عن الفعل المنسوب إليه، أم يحاول صرف الأنظار عنه بمهاجمة الآخرين؟

وعلينا أن نسمع الأطراف المعنية، وألا نسمح للعلاقات الشخصية أو المكانة الاجتماعية أو العاطفة بأن تحدد أحكامنا مسبقًا.

وقد وضع القرآن الكريم أصلًا عظيمًا لهذا السلوك، فقال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

فالتثبت ليس تشكيكًا في الناس، وإنما حماية لهم من الظلم.

وكم من علاقة هُدمت بسبب رواية ناقصة، وكم من سمعة شُوهت لأن الناس صدقوا الاتهام قبل أن يسألوا عن الدليل!

وأنت… هل ترتدي هذا الثوب أحيانًا؟

قبل أن نفتش عن هذا السلوك في الآخرين، ينبغي أن نراجع أنفسنا.

فربما أخطأنا في حق إنسان، ثم بررنا خطأنا بأنه استفزنا.

وربما جرحنا شخصًا بكلمة، ثم غضبنا لأنه لم يسامحنا سريعًا.

وربما قصّرنا في واجب، ثم اتهمنا الآخرين بأنهم لا يقدرون ظروفنا.

ليس كل ذلك تلاعبًا متعمدًا؛ فقد يدفعنا الغضب أو الكبرياء إلى رؤية أخطاء الآخرين بوضوح، بينما نعجز عن الاعتراف بأخطائنا.

لكن الإصلاح يبدأ عندما نملك شجاعة القول:

نعم، لقد أخطأت.

فالاعتذار لا ينتقص من كرامة الإنسان، والاعتراف بالخطأ لا يجعله ضعيفًا.

بل إن الضعف الحقيقي أن نحتاج إلى تشويه الآخرين حتى نحافظ على صورة جميلة لأنفسنا.

ومن أراد أن يتخلص من هذا السلوك، فليتعلم أن يسمع النقد دون أن يحوله إلى معركة، وأن يفرق بين الدفاع عن كرامته والدفاع عن خطئه، وأن يصلح الضرر الذي تسبب فيه بدل البحث عن مبررات له.

لا تجعلوا المظلوم ضحية مرتين

من أشد صور الظلم أن يتعرض الإنسان للأذى، ثم يجد نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن سمعته أمام من صدقوا المعتدي.

فقد يستطيع أن يتحمل خسارة مال، أو انتهاء علاقة، أو ضياع فرصة، لكنه يتألم حين يرى من ظلمه يروي الحكاية للناس وكأنه هو الضحية.

وهنا تقع على المجتمع مسؤولية أخلاقية كبيرة.

ألا ننشر اتهامًا دون تثبت.

وألا نشارك في تشويه سمعة إنسان لم نسمع منه.

وألا نخلط بين كثرة الكلام وصدق الكلام.

وألا نجعل مكانة الشخص أو ثروته أو سلطته سببًا لتصديقه دون دليل.

فقد يكون السكوت عن نشر رواية غير موثقة إنصافًا، وقد يكون سؤال واحد عن الحقيقة سببًا في منع ظلم كبير.

لا تجعلوا المظلوم يدفع ثمن الاعتداء عليه، ثم يدفع مرة أخرى ثمن تصديق الناس لمن اعتدى عليه.

حين تسقط الأقنعة

قد ينجح الإنسان في إخفاء حقيقته مدة من الزمن.

وقد يستطيع أن يستميل الناس بروايته، وأن يكسب تعاطفهم، وأن يجعل الآخرين يشكّون فيمن ظلمهم.

لكن الرواية التي تقوم على إخفاء الوقائع تظل معرضة للانكشاف، مهما بلغت براعة صاحبها في الكلام.

وليس علينا أن نزعم معرفة ما تخفيه القلوب؛ فالله وحده يعلم السرائر، وإنما علينا أن نحكم على الأفعال بما يظهر من أدلة وحقائق.

قال الله تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].

وهذا هو الميزان الذي نحتاج إليه في خلافاتنا الشخصية، وفي مجتمعاتنا، وحتى في مواقفنا من الدول والصراعات.

ألا يدفعنا حب إنسان إلى تبرير ظلمه، ولا كره آخر إلى إنكار حقه.

فالحقيقة لا تصبح باطلًا لأن من يقولها لا يعجبنا، ولا يصبح الباطل حقًا لأن صاحبه قريب من قلوبنا.

وفي النهاية…

ليس كل من ارتدى ثوب المظلوم مظلومًا، وليس كل من وُجّه إليه الاتهام مذنبًا.

فلا تحكموا على الحكاية من دموع راويها وحدها، ولا من صوته المرتفع، ولا من مكانته بين الناس.

ابحثوا عما حدث، وأنصفوا من ثبت حقه، ولا تسمحوا لأحد أن يجعل من معاناته السابقة رخصة لإيذاء الآخرين.

فالظلم لا يتحول إلى عدل حين يرتدي ثوب البراءة، والجاني لا يصبح ضحية لمجرد أنه أتقن رواية الحكاية.

وقد يستطيع الإنسان أن يخدع الناس بقناع المظلومية…

لكنه لا يستطيع أن يجعل الحقيقة كذبًا، ولا أن يجعل الظلم عدلًا.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24