حين كان الأطباء شعراء… وحين صار الدينار قصيدة العصر!

د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة

من أرشيف الذاكرة مع الشاعرة العراقية الراحلة لميعة عباس عمارة.

في مطلع سبعينيات القرن الماضي، قادتني خطواتي إلى إحدى قاعات كلية الطب في بغداد، حيث كان موعدنا مع أمسية شعرية استثنائية، ازدحمت فيها القاعة بجمهور جاء متعطشًا للكلمة الجميلة، ومفتونًا بسحر القصيدة. كانت الأمسية مخصّصة لمجموعة من الشعراء الشباب الهواة، معظمهم من طلبة الكلية نفسها، وقد أُقيمت برعاية الكلية التي كانت تحرص، بين الحين والآخر، على احتضان مثل هذه الأنشطة الثقافية، وكأنها أرادت أن تؤكد أن العقل الذي يدرس الجسد ليس مضطرًّا إلى إهمال الروح، وأن الطبيب يستطيع أن يحمل مشرطه بيد، والقصيدة باليد الأخرى.
جلستُ في المقاعد الأمامية، وكان إلى جوارنا ضيفة الأمسية وشخصيتها الأبرز، الشاعرة العراقية الكبيرة لميعة عباس عمارة، التي حضرت لتشارك هؤلاء الشباب فرحتهم، ولتُسمعهم شيئًا من شعرها. لم تكن لميعة شاعرة استثنائية فحسب، بل كانت تتمتع بحضور آسر، وذائقة أدبية رفيعة، وروح مرحة تعرف كيف تُضحك الآخرين من دون أن تنتقص من أحد، وكيف تمنح الموقف العابر بريقًا يبقى في الذاكرة عقودًا.
افتُتحت الأمسية بكلمة ترحيبية بالشاعرة والحضور، ثم انطلقت القراءات الشعرية، شاعرًا بعد آخر، فيما كانت القاعة تصغي وتصفّق. ألقى الطلبة قصائدهم بحماسة وثقة، وكان لافتًا أن أشدّ المعجبين بهم وأكثرهم تفاعلًا معهم هي ضيفة الشرف نفسها. كانت تصغي إليهم بفرح حقيقي، وتصفّق لهم بحرارة، وكأنها لا ترى فيهم منافسين محتملين، بل ترى امتدادًا جميلًا لشجرة الشعر العراقية التي لا ينبغي أن تتوقف عن الإزهار.
وحين انتهى الشعراء الشباب من إلقاء قصائدهم، جاء دور لميعة ليكون مسك ختام الأمسية. صعدت المنصة، وأمسكت بالميكروفون، ثم نظرت إلى الطلبة بابتسامة عريضة، وقالت عبارتها التي ما زلت أستعيدها كلما استدعيت تلك الأيام من مخزن الذاكرة:
«الحمد لله والشكر له، لأنكم طلاب وستصبحون قريبًا أطباء، وستنشغلون بعملكم، ولن تزاحمونا على مهنة تعاطي الشعر؛ لأن الغلبة لكم، فأنتم شعراء حقيقيون ورائعون، ولن يكون لنا مكان بينكم!».
انفجرت القاعة بالتصفيق والضحك، ولم يكن الضحك سخرية من أحد، بل كان استجابةً لعفوية شاعرة تعرف كيف تمزج التواضع بالفكاهة، وكيف تُحوّل المجاملة إلى مشهد لا يُنسى. لقد منحت أولئك الشباب أكثر من كلمة ثناء؛ منحتهم اعترافًا أدبيًّا صادرًا عن شاعرة كبيرة، وأشعرتهم بأن الشعر ليس حكرًا على أصحاب الأسماء اللامعة، وأن الموهبة تستطيع أن تفاجئ الجميع، حتى أولئك الذين رسّخوا أسماءهم في ذاكرة الثقافة.
بعدها، بدأت لميعة تقرأ بعضًا من قصائدها القديمة والجديدة، فعادت القاعة إلى الإصغاء، وارتفعت حرارة التصفيق، وأصبح الشعر سيد المكان. في تلك اللحظات، لم تكن كلية الطب مجرّد مؤسسة علمية، ولم تكن الأمسية مجرّد نشاط طلابي؛ كانت بغداد تُقدّم لنا درسًا في معنى الثقافة، حين تتسع الحياة لأكثر من اختصاص، ويجد الفن مكانه إلى جوار العلم، ويصبح الاحتفاء بالمبدع جزءًا من الذوق العام، لا مناسبة عابرة في جدول الأنشطة.
آهٍ، ما أجمل تلك الأيام! وما أبعدها الآن!
لا أدري إن كانت ستعود، لكنني أخشى أن تكون المسافة بيننا وبينها أكبر من أن يختصرها الحنين وحده. لم نفقد أشخاصًا أحببناهم فحسب، بل فقدنا شيئًا من روح الزمن الذي كان يمنح الشعراء مكانتهم، ويمنح الفن قيمة تتجاوز حسابات الربح والخسارة. ولست أزعم أن الماضي كان كاملًا، أو أن الحاضر خلا من المبدعين؛ فما زال بيننا شعراء وأدباء وفنانون يستحقون الاحتفاء. لكن ما يؤلمني أن تتراجع مساحة الجمال في حياتنا، وأن يعلو أحيانًا صوت المنفعة على صوت الموهبة، وأن يُقاس نجاح الإنسان بما يملك، لا بما يتركه في الوجدان.
أتساءل اليوم: لو أُقيمت أمسية مماثلة في كلية من كلياتنا، فهل سيظل الشعر قادرًا على جمع الناس كما جمعهم يومها؟ وهل سيصعد شاعر كبير إلى المنصة ليُمازح طلبة الطب، ويصفّق لهم بحماسة، ويمنحهم من قلبه ما لا تمنحه شهادات التقدير؟
ربما لا تكون المشكلة في أن الأطباء لم يعودوا شعراء، ولا في أن الشعراء لم يعودوا أطباء؛ فلكل زمن مواهبه وانشغالاته. المشكلة أن الإنسان، حين ينشغل بما في جيبه، قد ينسى ما في روحه، وحين يصبح المال مقياسًا لكل شيء، يغدو الجمال ترفًا مؤجلًا، وتصبح الثقافة ضيفًا لا يُدعى إلا في المناسبات.
يومها، كانت لميعة عباس عمارة تخشى مازحةً أن يزاحمها طلبة الطب في مهنة الشعر. أما اليوم، فأخشى أن تكون المنافسة قد انتقلت إلى ميدان آخر، وأن يكون الشعر نفسه هو الخاسر الأكبر.
رحم الله تلك الأيام، ورحم من أضاءوها بأرواحهم وكلماتهم. لقد بقيت الأمسية في الذاكرة، وبقي صوت لميعة وضحكتها، وبقي السؤال الذي لا يكفّ عن إيلامي:
متى أصبحنا نزن الأشياء بالدينار، وننسى أن لبعض الأشياء قيمةً لا تستطيع كل أموال الدنيا شراءها؟

22.أكتوبر.تشرين أول.2026م.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24