بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
هناك كلماتٌ عظيمة ملأت بها الحضارة الحديثة دساتيرها ومواثيقها ومنابرها: الحرية، وحقوق الإنسان، وسيادة القانون، وحرية التعبير، والعدالة.
لكن المبادئ لا تُختبر حين يكون تطبيقها سهلًا، ولا تظهر قيمتها حين يكون المتهم خصمًا بعيدًا لا حليفًا قريبًا.
فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما يصبح تطبيق المبدأ مكلفًا سياسيًا.
وهنا يبرز سؤال بات يتردد في الجامعات والمجالس السياسية وأروقة الأمم المتحدة:
ماذا يحدث للمبدأ حين تصل القضية إلى إسرائيل؟
*حرية التعبير… ولكن إلى أين؟*
لا يصح القول إن القانون الأمريكي يمنع المواطن من انتقاد إسرائيل؛ فالتعديل الأول للدستور الأمريكي يحمي حرية التعبير، والنقد السياسي جزء أصيل من الحياة الأمريكية.
لكن السؤال ليس عما تقوله النصوص وحدها، وإنما عما يحدث عندما تدخل هذه النصوص إلى ميدان المصالح والسياسة.
لقد شهدت الولايات المتحدة جدلًا متصاعدًا حول الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين، ومقاطعة إسرائيل، والجامعات وتمويلها، والحد الفاصل بين مكافحة معاداة السامية وحماية حرية التعبير.
وفي سبتمبر 2026 أقر مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون من شأنه منع بعض التمويل الفيدرالي عن جامعات تشارك في مقاطعة إسرائيل. قال مؤيدوه إنه يستهدف التمييز ولا يمنع النقاش الأكاديمي، بينما رأى معارضون، ومن بينهم نواب يعارضون حركة المقاطعة نفسها، أن المسألة تمس حق الأمريكيين في التعبير.
وهنا يولد السؤال:
إذا كان المواطن حرًا في انتقاد حكومته ورئيسه وحزبه ومؤسساته، فلماذا تصبح حدود الحرية أكثر إثارة للجدل عندما تصل الكلمة إلى إسرائيل؟
إن مكافحة معاداة السامية واجب أخلاقي، كما أن مكافحة الإسلاموفوبيا والعنصرية والكراهية واجب كذلك.
لكن انتقاد سياسة حكومة ليس كراهيةً لشعب، والاعتراض على حرب ليس عداءً لدين، والمطالبة بحقوق الفلسطينيين لا ينبغي في ذاتها أن تتحول إلى تهمة.
فإذا اختلطت هذه الحدود، أصبحت الحرية نفسها هي الضحية.
المواطن يسأل: أين تذهب الأولويات؟
ثم يأتي المال.
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية.
حين يناقش مواطن أمريكي استثمار أموال عامة في سندات إسرائيلية، أو يعترض على المساعدات العسكرية، أو يسأل عن الأولويات الداخلية، فإنه لا يطرح بالضرورة سؤالًا عن إسرائيل وحدها.
إنه يسأل عن ماله هو أيضًا.
عن الضرائب التي يدفعها.
وعن المدارس والطرق والإسكان والصحة والخدمات والديون والأحياء التي يعيش فيها.
ومن حق المواطن في أي دولة أن يسأل حكومته:
أين تنفقون أموالنا؟ ولماذا؟ وما الأولوية؟
ليس السؤال خيانة، ولا الاعتراض جريمة، ولا مساءلة السلطة عداءً لدولة أخرى.
بل تلك هي الديمقراطية التي طالما قُدمت للعالم باعتبارها حق المواطن في أن يسأل السلطة قبل أن تصرف باسمه.
والأغرب أن الولايات المتحدة نفسها تشهد نقاشًا متزايدًا حول حجم وطبيعة علاقتها العسكرية بإسرائيل، بينما تستمر المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية في إطارها الحالي بمليارات الدولارات.
فلماذا يصبح مجرد السؤال عن هذه العلاقة أمرًا شديد الحساسية؟
وعندما تصل القضية إلى الأمم المتحدة
لكن الصورة تصبح أكبر من حرية المواطن الأمريكي.
إنها تصل إلى القانون الدولي نفسه.
في الرابع من يونيو 2025 عُرض على مجلس الأمن مشروع قرار يدعو إلى وقف دائم لإطلاق النار في غزة.
صوّت أربعة عشر عضوًا من أصل خمسة عشر لصالحه.
وبقي صوت واحد في الجهة الأخرى:
الولايات المتحدة.
واستخدمت حق النقض، فسقط القرار.
وهنا لا بد أن نسأل، بعيدًا عن الشعارات والانفعالات:
ما قيمة الإجماع الدولي إذا استطاعت دولة واحدة تعطيله؟
وما الذي يشعر به إنسان يرى العالم يتحدث عن حماية المدنيين والقانون الدولي، ثم يرى المؤسسات الدولية عاجزة عن تحويل كثير من تلك المبادئ إلى فعل؟
*حين يتحدث القانون*
وليس الأمر مجرد خلاف سياسي بين مؤيد لإسرائيل ومؤيد لفلسطين.
ففي يوليو 2024 أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وخلصت المحكمة إلى أن استمرار وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن عليها إنهاء هذا الوجود بأسرع ما يمكن، كما قررت أن على الدول ألا تعترف بالوضع الناشئ عن ذلك باعتباره قانونيًا، وألا تقدم المساعدة في الإبقاء عليه.
وهنا يصبح السؤال أثقل:
إذا تكلمت أعلى هيئة قضائية في الأمم المتحدة، فمن الذي يجعل القانون واقعًا؟
فالقانون الذي لا يستطيع الوصول إلى القوي بينما يصل إلى الضعيف يبقى نصًا ناقص الهيبة.
والعدالة التي تتغير سرعتها بحسب هوية المتهم تفقد شيئًا من معناها.
ليست المسألة إسرائيل وحدها
قد يبدو أن هذا المقال عن إسرائيل.
لكنه في جوهره عن شيء أكبر:
عن صدق المبادئ التي يقول العالم إنه يؤمن بها.
نحن لا نطلب أن تكون للفلسطيني حقوق أكثر من غيره.
نطلب فقط ألا تكون له حقوق أقل.
ولا نطالب بأن يكون الإسرائيلي بلا أمن.
بل نسأل: لماذا ينبغي أن يكون أمن أحد الشعبين على حساب حياة الآخر وحقوقه وكرامته؟
ولا نطالب بإسكات من يدافع عن إسرائيل.
بل نطالب بالمساحة نفسها لمن ينتقد حكومتها وسياساتها واحتلالها وحروبها دون أن يُختزل نقده تلقائيًا في كراهية اليهود.
فالعدل لا يحتاج إلى هوية الضحية قبل أن يقرر الوقوف معها.
عندما يصبح الحليف استثناءً
المشكلة الأخلاقية تبدأ حين تتحول المبادئ إلى أدوات نستخدمها مع الخصوم ونضعها جانبًا مع الحلفاء.
لا تستطيع أن تقول للعالم إن القانون الدولي مقدس، ثم تنتقي من أحكامه ما يناسب مصالحك.
ولا تستطيع أن تجعل حرية التعبير عنوان حضارتك، ثم تجعل بعض الملفات السياسية شديدة الحساسية إلى درجة يخشى فيها الناس على وظائفهم أو مستقبلهم من مجرد الدخول في النقاش.
ولا تستطيع أن تجعل حقوق الإنسان عالمية ثم تختلف حرارة الدفاع عنها باختلاف اسم الضحية.
فالإنسان إما أن يكون إنسانًا في كل مكان…
أو تصبح كلمة «حقوق الإنسان» مجرد عبارة جميلة على جدران المؤسسات.
*فأين تقف الحرية؟*
ربما لا تكون القضية الكبرى اليوم هي أن العالم يفتقر إلى القوانين.
لدينا من المواثيق والاتفاقيات والمحاكم والمنظمات ما يكفي لملء المكتبات.
المشكلة هي:
هل نملكج الشجاعة لتطبيق المبادئ نفسها عندما يصبح تطبيقها على حليف قوي مكلفًا؟
فحرية التعبير لا تُختبر بالكلمات التي نحب سماعها.
والقانون لا يُختبر عندما يحاكم الضعفاء.
وحقوق الإنسان لا تُختبر عندما ندافع عن الإنسان الذي يشبهنا.
إنما تبدأ الامتحانات الحقيقية عندما تختلف المصالح، وتعلو الضغوط، ويصبح ثمن قول الحقيقة مرتفعًا.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي ألا نخاف من طرحه ليس:
هل نحن مع إسرائيل أم ضدها؟
بل:
هل نحن مع القانون عندما يكون في مصلحتنا فقط، أم معه حتى عندما يقف أمام حليفنا؟
لسنا بحاجة إلى مزيد من المواثيق التي تخبرنا أن الإنسان يستحق العدالة؛ بل إلى عالم يؤمن بأن الإنسان يستحقها مهما كان اسمه ودينه وجنسيته.
فإما أن يكون القانون للجميع، أو يتحول إلى أداة.
وإما أن تكون حقوق الإنسان لكل إنسان، أو تصبح شعارًا.
وإما أن تكون حرية التعبير قادرة على احتمال الكلمة التي لا نريد سماعها، أو سيظل السؤال معلقًا أمام ضمير العالم:
حين تصل الكلمة إلى إسرائيل… أين تقف الحرية؟










