حصن جبرين.. قصر العلم ولؤلؤة العمارة العُمانية

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

في قلب محافظة الداخلية، وعلى مقربة من ولاية بهلاء العريقة، يقف حصن جبرين شامخاً في هدوءٍ مهيب، كأنه قصيدةٌ من الحجر والطين كُتبت قبل أكثر من ثلاثة قرون، وما زالت أبياتها تتردد في أرجاء المكان حتى اليوم.

وحين يقترب الزائر من جبرين لأول مرة، يلفت انتباهه أمرٌ غريب؛ فهذا البناء لا يشبه كثيراً الحصون التي اعتاد رؤيتها. فبينما تخبرك جدرانه السميكة وأبراجه المنيعة بأنه حصنٌ للدفاع والحماية، تهمس لك زخارفه الجميلة ونوافذه الأنيقة وأسقفه المزخرفة بأنه قصرٌ للعلم والجمال والفكر. وكأن جبرين أراد منذ ولادته أن يجمع بين قوة السيف ونور القلم في مكانٍ واحد.

شُيّد حصن جبرين في القرن السابع عشر الميلادي على يد الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي، أحد أبرز أئمة دولة اليعاربة، في فترةٍ كانت عُمان تعيش فيها عصراً من القوة والاستقرار والازدهار بعد طرد البرتغاليين من السواحل العُمانية. وقد اختار الإمام هذه البقعة الهادئة لتكون مقراً له ومركزاً للعلم والإدارة، بعيداً عن صخب الصراعات السياسية في ذلك الزمان.

ولم يكن جبرين حصناً حربياً فحسب، بل كان مشروعاً حضارياً متكاملاً. فقد أراده الإمام بلعرب مدرسةً للعلم ومجلساً للأدب ومنارةً للفكر، فاستقطب إليه العلماء والفقهاء وطلاب المعرفة، حتى أصبح أحد أهم المراكز العلمية في عصره. وتذكر المصادر التاريخية أن الإمام نفسه كان محباً للعلم وأهله، وأن الحصن تحول إلى مدرسةٍ تخرج فيها عدد من العلماء والأدباء الذين أثروا الحياة الفكرية في عُمان.

وعندما تتجول بين أروقة الحصن، تشعر أنك تسير داخل متحفٍ حيٍّ للفن المعماري العُماني. فالسقوف الخشبية المزينة بالنقوش والآيات والزخارف الهندسية، والأبواب المنحوتة بعناية فائقة، والنوافذ التي تسمح للضوء بالتسلل برفق إلى الغرف، كلها تشهد على براعة الحرفي العُماني الذي استطاع أن يحول البناء إلى لوحة فنية خالدة.

ويتكون الحصن من عدة طوابق وقاعات وغرف وساحات داخلية، وقد بُني بطريقة تجمع بين الراحة والأمن في آنٍ واحد. ففي داخله آبار مياه عميقة، وممرات دفاعية، وغرف مخصصة للدراسة والاجتماعات، وقاعات للاستقبال، إضافة إلى منظومة هندسية متقنة لتوفير المياه والتهوية الطبيعية. وقد أُنشئت آبار داخل الحصن بطريقة تجعل من الصعب على الأعداء الوصول إليها أو تلويثها أثناء الحصار، وهو ما يعكس عبقرية التخطيط الهندسي في ذلك العصر.

ومن أكثر الأماكن إثارة للمشاعر داخل الحصن ذلك المدفن البسيط الذي يحتضن رفات الإمام بلعرب بن سلطان اليعربي نفسه. فهنا يرقد الرجل الذي حلم بهذا الصرح وشيده، وهنا تنتهي رحلة قائدٍ جمع بين الحكم والعلم والعمران. ويشعر الزائر وهو يقف بالقرب من قبره أن الحصن بأكمله ما هو إلا رسالة تركها الإمام للأجيال القادمة، ليقول لهم إن الحضارات تُبنى بالعلم كما تُبنى بالقوة.

وإذا كانت قلعة نزوى تمثل هيبة الإمامة، وكانت قلعة بهلاء تجسد قوة الدولة النبهانية، فإن حصن جبرين يمثل الوجه الحضاري المشرق لعُمان في عصر اليعاربة. فهو ليس حصناً عسكرياً بالمعنى التقليدي فقط، بل قصرٌ للثقافة، وجامعةٌ للعلم، وتحفةٌ معمارية تروي قصة أمةٍ عرفت كيف توظف الأمن لخدمة المعرفة، وكيف تجعل من البناء رسالةً حضارية تتجاوز حدود الزمن.

وعندما تتسلل أشعة الشمس عبر نوافذ الحصن القديمة، فتنعكس على النقوش الخشبية والجدران المزخرفة، يبدو المكان وكأنه عاد إلى القرن السابع عشر من جديد. تسمع في خيالك أصوات العلماء وهم يتدارسون الفقه واللغة، وترى الطلاب يحملون ألواحهم بين أروقة الحصن، وتشاهد الإمام بلعرب يتنقل بين القاعات متابعاً شؤون العلم والدولة.

إن حصن جبرين ليس مجرد معلمٍ سياحي يزوره الناس لالتقاط الصور، بل هو شاهدٌ على مرحلة ذهبية من تاريخ عُمان، مرحلة آمنت بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الحصون، وأن العلم هو الحصن الأقوى الذي لا تهدمه المدافع ولا تسقطه الأيام.

ولهذا سيبقى جبرين، ما بقي التاريخ، لؤلؤةً تتلألأ في قلب عُمان، ومنارةً تذكر الأجيال بأن الحضارة الحقيقية لا تُقاس بارتفاع الجدران، بل بارتفاع الفكر الذي يسكن خلفها.

وحين يغادر الزائر المكان ويلتفت خلفه لآخر مرة، يرى حصن جبرين واقفاً في سكونه المهيب، وكأنه يهمس له:

*”قد تبلى الحجارة مع الزمن، لكن العلم الذي سكن بين جدراني سيبقى حياً ما بقيت عُمان.”*

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *