جنون العظمة… حين يظن الإنسان أنه لا يُقهر

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

لم يسقط كل العظماء لأن أعداءهم كانوا أقوى منهم، بل سقط بعضهم يوم ظنوا أنهم أقوى من أن يسقطوا. فحين يعتلي الإنسان قمة المجد، قد يرى العالم صغيرًا تحت قدميه، وينسى أن القمة التي رفعته لا تمنحه حصانة من السقوط، وأن التاريخ الذي صنع له تاجًا قادر على أن يسلبه إياه.

ولعل أخطر ما يصيب الإنسان حين يبلغ ذروة القوة والسلطان، ليس كثرة أعدائه، وإنما ذلك الصوت الخفي الذي يبدأ في داخله هامسًا: أنت مختلف عن الآخرين، أنت لا تخطئ، أنت لا تُهزم، ولا يستطيع أحد أن يبلغ ما بلغت.

ومع مرور الأيام، يتحول الهمس إلى يقين، واليقين إلى غرور، والغرور إلى وهمٍ بالعظمة، حتى يصبح الإنسان أسير الصورة التي رسمها لنفسه، فلا يرى أخطاءه، ولا يسمع نصائح غيره، ولا يقبل أن يراجعه أحد في قرار.

وهنا تبدأ المأساة؛ حين يصدق الإنسان أنه أكبر من الحقيقة، وأقوى من الزمن، وأعظم من أن يُحاسَب.

لقد شهد التاريخ رجالًا امتلكوا من القوة والسلطان ما جعل أسماءهم تتردد في أرجاء الأرض، لكنهم لم يستطيعوا أن يمتلكوا شيئًا واحدًا: ضمان بقائهم على القمة.

فهذا نابليون بونابرت، الذي امتدت انتصاراته العسكرية عبر أوروبا، حتى بدا للكثيرين أن جيوشه لا تُقهر. غير أن حملته على روسيا عام 1812 كشفت حدود تلك القوة؛ إذ اجتمعت عليه صعوبات الإمداد، واتساع المسافات، والمقاومة الروسية، وقسوة الظروف، فعادت جيوشه وقد تكبدت خسائر فادحة.

لم يكن الغرور وحده سبب تلك الكارثة، لكن الثقة المفرطة في القدرة على الانتصار، والاستهانة بما قد تفرضه الظروف من حدود، كانتا من الدروس التي تركتها تلك الحملة.

وكأن التاريخ أراد أن يقول له: قد تنتصر على الجيوش، لكنك لا تستطيع أن تأمر الواقع بأن يخضع لرغباتك.

وفي صفحة أخرى من التاريخ، نجد تشين شي هوانغ، أول إمبراطور وحّد الصين، والذي امتلك سلطانًا واسعًا، وسعى إلى العثور على وسيلة تمنحه حياة أطول، بل إلى بلوغ الخلود.

لقد استطاع أن يوحّد الممالك تحت حكمه، وأن يترك آثارًا عظيمة في تاريخ بلاده، لكنه لم يستطع أن ينتزع من الحياة وعدًا بالبقاء. فقد أدركه الموت كما أدرك من سبقوه، وترك وراءه إمبراطورية لم تستطع قوته أن تضمن لها الاستقرار إلى الأبد.

أحدهما اصطدم بحدود القوة، والآخر اصطدم بحدود العمر؛ وكلاهما يذكرنا بأن الإنسان، مهما عظم شأنه، يظل إنسانًا.

غير أن جنون العظمة ليس حكاية أباطرة رحلوا، ولا مرضًا أصاب قصور الملوك وحدها؛ بل قد نرى صورًا منه اليوم في مؤسساتنا ومجتمعاتنا، وربما في مواقف صغيرة من حياتنا اليومية.

قد نجده في مسؤول يظن أن منصبه يمنحه الحق في إهانة الآخرين، أو مدير يرفض الاستماع إلى موظفيه، لأن الاعتراف برأي أحدهم يبدو له انتقاصًا من سلطته. وقد نراه في صاحب ثروة يعتقد أن المال يستطيع شراء كل شيء، حتى كرامة الناس واحترامهم.

وقد نجده في إنسان لا يملك منصبًا ولا ثروة، لكنه لا يقبل أن يخطئ، ولا يحتمل أن يختلف معه أحد، ويظن أن الاعتذار يُنقص من قيمته.

فجنون العظمة لا يحتاج دائمًا إلى تاج أو عرش؛ أحيانًا يكفيه عقل لا يقبل النقد، وقلب لا يعرف التواضع.

والأشد خطرًا أن يحيط الإنسان نفسه بمن لا يقولون له إلا ما يحب سماعه. يمدحون قراراته وإن أخطأ، ويصفقون له وإن ظلم، ويخفون عنه الحقيقة خوفًا من غضبه أو طمعًا في رضاه.

ومع الوقت، يصبح المديح مرآته الوحيدة، فلا يرى فيها إلا عظمته، ويغدو النقد في نظره عداءً، والنصيحة إهانة، والاختلاف تمردًا.

وهكذا قد يظل جالسًا على كرسيه، محاطًا بالمصفقين، بينما يكون قد فقد منذ زمن احترام الذين يعرفون حقيقته.

فكم من إنسان لم يسقط من منصبه، لكنه سقط من قلوب الناس! وكم من شخص ظن أن صمت الآخرين دليل على احترامهم، ولم يدرك أنه قد يكون خوفًا منه أو يأسًا من إصلاحه!

ولعل القرآن الكريم قد صوّر لنا هذه النفسية في قصة قارون، حين اغتر بما أوتي من مال، فقال:

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78].

إنها كلمات قليلة، لكنها تكشف عقلية الإنسان الذي ينسب الفضل كله إلى نفسه، وينسى أن النجاح لا تصنعه قدراته وحدها، وأن ما بين يديه قد يكون اختبارًا قبل أن يكون امتيازًا.

ثم جاء المصير الذي ذكره القرآن:

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: 81].

وفي آية أخرى، يخاطب القرآن الإنسان الذي يتعالى على الناس بقوله تعالى:

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء: 37].

ما أبلغ هذا التصوير! فالإنسان الذي ينتفخ غرورًا حتى يكاد يظن أنه يملأ الدنيا، تذكره الآية بأنه لن يخرق الأرض بقدميه، ولن يبلغ الجبال طولًا، مهما تعاظم في عيني نفسه.

وقد وضع رسول الله ﷺ تعريفًا جامعًا للكبر حين قال:

«الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»، رواه مسلم.

فالكبر ليس مجرد الاعتزاز بالمظهر أو النجاح، وإنما أن ترفض الحق حين يأتيك، وأن تنظر إلى الآخرين بعين الاحتقار.

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: لماذا يتكبر بعض الناس؟ وهل الغرور دائمًا دليل على شعور صاحبه بالقوة؟

قد يكون كذلك أحيانًا، لكنه قد يكون في حالات أخرى قناعًا يخفي وراءه خوفًا من الفشل، أو قلقًا من فقدان المكانة، أو عجزًا عن مواجهة حقيقة أن الإنسان، مهما بلغت قدراته، ليس كاملًا.

ولهذا قد يخشى المتكبر الاعتذار؛ لأنه يتصور أن كلمة «أخطأت» ستهدم صورته أمام الآخرين. وقد يرفض المشورة، لا لأنه يعرف كل شيء، بل لأنه لا يحتمل أن يكتشف الناس أنه لا يعرف.

ويا للمفارقة! إنه يبالغ في إظهار قوته حتى لا يرى أحد ضعفه، فيكشف غروره من ضعفه أكثر مما يخفي.

ولكن هل معنى ذلك أن الطموح مذموم، أو أن الثقة بالنفس بداية الغرور؟

بالطبع لا.

فما أحوج مجتمعاتنا إلى الطموحين والواثقين بقدراتهم، وإلى القادة الذين يملكون الشجاعة لاتخاذ القرارات وتحمل المسؤوليات. لكن الفارق كبير بين الثقة بالنفس وادعاء العصمة، وبين الاعتزاز بالإنجاز واحتقار الآخرين.

الواثق بنفسه يستطيع أن يقول: لا أعلم. أما المغرور فيخشى هذه العبارة كأنها اعتراف بالهزيمة.

الواثق يقبل النصيحة لأنها قد تجعله أفضل، أما المغرور فيرفضها لأنها تذكره بأنه ليس كاملًا. والواثق يفرح بنجاح من حوله، أما المغرور فيرى في نجاح الآخرين تهديدًا لمكانته.

ولعل أعظم ما يحتاج إليه الإنسان كلما ارتفع شأنه أن يتذكر البدايات؛ أن يتذكر الأيام التي كان فيها محتاجًا إلى من يعلمه، ومن يمنحه فرصة، ومن يأخذ بيده.

فلا أحد يصعد وحده، ولا نجاح يخلو من فضل الله، ثم من جهود أشخاص قد لا تظهر أسماؤهم في صفحات التكريم.

وما أجمل أن يزداد الإنسان تواضعًا كلما ازدادت مكانته، وأن تتسع رحمته بالناس كلما اتسعت سلطته، وأن يكون منصبه وسيلة لخدمتهم، لا جدارًا يفصله عنهم.

فالعظمة الحقيقية لا تُقاس بعدد الذين يقفون حين تدخل، وإنما بعدد الذين يذكرونك بالخير حين تغيب. ولا تُقاس بمن يخشون غضبك، بل بمن يشعرون بالأمان والعدل في حضرتك.

والتاريخ، وإن حفظ أسماء الفاتحين والأباطرة، فإنه لا يمنحهم جميعًا المنزلة الأخلاقية نفسها؛ فقد يُذكر بعضهم لما صنع من إنجاز، ويُذكر آخرون لما خلّف من ظلم، وقد يجتمع الأمران في سيرة إنسان واحد.

ومن هنا ينبغي ألا ننخدع ببريق الشهرة، ولا بضخامة الثروة، ولا باتساع النفوذ؛ فكل ذلك قد يصنع إنسانًا قويًا، لكنه لا يصنع بالضرورة إنسانًا عظيمًا.

إن بداية السقوط ليست دائمًا هزيمة يتلقاها الإنسان من خصومه، بل قد تكون لحظة يتوقف فيها عن مراجعة نفسه.

فإذا أردت أن تعرف مقدار عظمتك، فلا تسأل كم شخصًا يمدحك، بل اسأل: هل تستطيع أن تسمع الحقيقة ممن هو أقل منك منصبًا؟ هل تملك شجاعة الاعتذار إذا أخطأت؟ وهل تستطيع أن تفرح بنجاح غيرك دون أن تشعر أن مكانتك قد نقصت؟

تلك أسئلة بسيطة، لكنها تكشف ما لا تكشفه الألقاب والمناصب.

وأخيرًا، لنتذكر أن الحياة لا تمنح أحدًا صكًا بالخلود، وأن القمم مهما ارتفعت لا تعفي أصحابها من قوانين الزمن، ولا من عواقب قراراتهم.

فلا تجعل نجاحك سببًا في احتقار من لم ينجح بعد، ولا تجعل سلطتك وسيلة لإذلال من لا يملكها، ولا تسمح لكثرة المصفقين أن تحرمك من سماع صوت ناصح واحد.

فليس عظيمًا من جعل الناس صغارًا أمامه، بل من بقي كبيرًا في أعينهم دون أن يضطر إلى تصغير أحد.

وإذا كانت الأيام قادرة على انتزاع التيجان، وإسقاط العروش، وتبديل أحوال الأقوياء، فإنها لا تستطيع أن تنتزع من القلوب أثر إنسان عاش متواضعًا، وأنصف حين قدر، وأحسن حين استطاع.

فالعظمة التي تقوم على الغرور تسقط بسقوط صاحبها، أما العظمة التي تقوم على التواضع والعدل وحسن الأثر، فإنها تبقى حتى بعد أن يغيب صاحبها.

وتلك هي العظمة التي لا تحتاج إلى تاج كي تبقى.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24