تكليف الأحد في إسرائيل: حكومة آيزنكوت “بين فخ التوازنات الحرجة وخيار التصعيد لنتنياهو”

الدكتور ثائر العجيلي

تعيش إسرائيل في هذه الأيام واحدة من أعقد منعطفاتها السياسية وأكثرها حساسية، حيث يقف النظام البرلماني على أعتاب تجربة غير مسبوقة تكسر القواعد التقليدية لبناء الائتلافات الحكومية. في أعقاب انتهاء الجولات التشاورية الرسمية التي أجراها الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، باتت الأنظار تتجه نحو يوم الأحد المقبل، الموعد المحدد للإعلان رسمياً عن اسم النائب المكلف بتتشكيل الحكومة الجديدة. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه المؤشرات التي تدعم فرضية تكليف رئيس الأركان السابق وغريم بنيامين نتنياهو، غادي آيزنكوت، بدخول “حقل الألغام” السياسي لمحاولة جمع شتات معسكر برلماني يفتقر إلى التجانس الأيديولوجي، مما يفتح الباب أمام قراءة استشرافية عميقة لمستقبل الحكم وإدارة الملفات الساخنة.

المحاورة السياسية:
مناورة الـ 48 مقعداً وشبكة الأمان البرلمانية:

تتمحور حبكة المشهد السياسي القادم حول معادلة حسابية معقدة؛ فقد استطاع آيزنكوت حصد توصية 67 نائباً في الكنيست بفضل رافعة تاريخية غير مألوفة، تمثلت في دعم القائمتين العربيتين (المشتركة والموحدة)، إلى جانب أحزاب الوسط واليسار وتحالف “بياحد” بقيادة نفتالي بينيت. في المقابل، تراجع معسكر بنيامين نتنياهو متوقفاً عند 46 توصية فقط وسط امتناع بعض حلفائه التقليديين عن التوصية به.

لكن المفارقة تكمن في أن النواة الصلبة لمعسكر آيزنكوت الصهيوني واليهودي لا تتجاوز 48 مقعداً، وهو ما يدفعه نحو تبني إستراتيجية مناورة ذكية تُعرف سياسياً بـ “الدعم من الخارج”. تقوم هذه الإستراتيجية على أن تكتفي الكتل العربية بتقديم شبكة أمان برلمانية في جلسة نيل الثقة دون الدخول في ائتلاف رسمي أو الالتزام بحقائب وزارية، التزاماً بمبدأ وضعه النواب العرب متمثلاً في قاعدة “أهون الشرين” أو “أفضل السيئين” بهدف إزاحة اليمين الديني المتطرف ممثلاً بنتنياهو وبن غفير.

ومع ذلك، تواجه هذه المناورة تحديات بنيوية بالغة الصعوبة؛ إذ يضع آيزنكوت شروطاً قومية صارمة لشركاء الخارج، بينما يواجه معسكره ضغوطاً وهجمات إعلامية شرسة من نتنياهو الذي لن يتوانى خلال مهلة الـ 28 يوماً عن البحث عن “حلقات ضعيفة” داخل معسكر الـ 48 لإحداث انشقاقات وتفكيك هذا الائتلاف الناشئ قبل ولادته.

الملفات الساخنة تحت مبدأ “الضبط المؤسساتي”:

في حال نجاح هذا السيناريو وولادة حكومة الأقلية بزعامة آيزنكوت، فإن التأثيرات على الملفات الإقليمية والأمنية لن تعيد صياغة العقيدة الإستراتيجية لإسرائيل، بل ستغير وتيرة إدارتها باتجاه نهج أكثر واقعية ومؤسساتية:

◾️قطاع غزة: سينتقل الملف إلى إطار زمني محدد؛ حيث يرتكز برنامج آيزنكوت على خطة من 18 شهراً لإنهاء الحكم المدني والعسكري لحماس، مع إبداء مرونة أكبر من سلفه في التعاطي مع صفقات التبادل وطروحات التهدئة الدولية (مثل خطة ترامب) لتحقيق مكاسب دائمية بدلاف من الحروب المفتوحة.

◾️الضفة الغربية: سيشهد الملف كبحاً جماحاً لعنف المستوطنين بغياب قادتهم المتطرفين عن الحكومة، ومحاولة لترميم التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية لاحتواء الانفجار، مع التمسك الصارم برفض قيام دولة فلسطينية والإبقاء على القبضة الأمنية الإسرائيلية.

◾️العلاقات الإقليمية والدولية: ستعطي الحكومة الأولوية لترميم التحالف المهتز مع واشنطن، خاصة بعد التلويح الأمريكي بوقف المساعدات العسكرية المباشرة، مع دفع قطار التطبيع الإقليمي قدماً بفضل غياب الوجوه اليمينية الفاشية، وتفضيل بناء تحالف دفاعي إقليمي لاحتواء إيران بدلاً من المواجهات الأحادية.

محور الخلاص لنتنياهو:
خيار التصعيد ونسف مفاعيل التوصيات:

أمام هذا الانسداد البرلماني وتفوق آيزنكوت العددي بـ 67 توصية، يبرز خيار التصعيد العسكري والأمني كطوق نجاة أخير ومحور خلاص وحيد لنتنياهو لخلط الأوراق وإفشال التكليف من جذوره قبل جلسة الحسم في يوم الأحد أو خلال مهلة الـ 28 يوماً هو السلاح الكفيل بنسف “السيناريو العربي-الصهيوني”. يدرك نتنياهو بعبقريته السياسية المعهودة أن نقطة ضعف خصمه القاتلة تكمن في “هشاشة” الائتلاف الناشئ واعتماده الكلي على الدعم العربي الخارجي، ولذلك فإن إشعال الميدان بضربات عسكرية نوعية ومدروسة سيمثل ضربة قاضية لهذا التحالف عبر مسارين:

◾️إحراج الكتل العربية وتدمير “شبكة الأمان”: إن أي تصعيد عسكري واسع النطاق (سواء عبر ضربات مكثفة في غزة، أو حملة أمنية شرسة في الضفة، أو تحريك جبهة الشمال) سيضع الأحزاب العربية في موقف شعبي وأخلاقي مستحيل. لن تملك هذه الأحزاب حينها أي هامش سياسي للاستمرار في دعم أو تمرير حكومة جنرال سابق (آيزنكوت) يقود جيشاً يشن ضربات عسكرية، مما سيجبرها فوراً على سحب توصياتها ودعمها الخارجي والتخلي عن آيزنكوت لرفضها التغطية على عمليات عسكرية يقودها جيش الاحتلال.

◾️إحراج اليمين الصهيوني في معسكر آيزنكوت: سيعيد التصعيد الأمني فرض الخطاب القومي المتطرف داخل الكنيست، نواب يمين الوسط واليسار الصهيوني المحيطين بآيزنكوت سيتعرضون لضغط هائل من الشارع الإسرائيلي، حيث سيصبح استنادهم إلى أصوات العرب في وقت “الحرب والطوارئ الأمنية” بمثابة “انتحار سياسي” وتهمة بالخيانة، مما يدفع الأطراف الأكثر يمنية في معسكر آيزنكوت (مثل حزب بينيت) إلى التراجع والانسحاب، وبالتالي إجبار الجميع على العودة لملعب نتنياهو تحت عنوان “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”.

الخاتمة:

إن حكومة غادي آيزنكوت المرتقبة – إن رأت النور – ستكون بمثابة تجربة سياسية “على حد السكين”. فهي تنقل إسرائيل من نموذج “الحرب العشوائية والمواجهات المفتوحة لغايات البقاء الشخصي” الذي كرسّه نتنياهو، إلى نموذج “الضبط المؤسساتي والممنهج”. لكن يظل العائق الأكبر والمهدد الوجودي لهذه الحكومة هو طبيعة تكوينها الهش، وقدرة نتنياهو على استخدام ورقة التصعيد الأمني كخيار شمشوني أخير لنسف هذه التوازنات الحرجة وإعادة فرض نفسه كقائد وحيد لدفة القيادة في زمن الأزمات المشتعلة.

6 تشرين الثاني / نوفمبر 2026

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24