بين الضفتين

✍🏼 ليلى عمر
بين ضفّتي الحنين.. وعلى عتبات الذاكرة،
هناك سكون الروح
حيث يتكئ الظل على حائط الأيام المنسية، نقف كثيراً في منتصف المسافة. لا نحن قادرون على العودة إلى مرفأ الأمس الذي غادرناه محمَّلين بالبراءة والوعود القديمة، ولا مستعدون تماماً للعبور نحو غدٍ يكتنفه الغموض ويخفي ملامحه الضباب.
نترك خلفنا في الضفة الأولى أشياءً لم نعلم يوماً أنها ستغدو بهذا العمق وبهذا الثقل؛ تفاصيل صغيرة، ووجوهاً طوتها الأقدار، وضحكاتٍ ملأت المكان ثم غادرت، وربيعاً مشينا فيه حفاة القلوب والظنون. كم تركنا هناك من أجزاء أرواحنا، ومن وعودٍ كنا نحسبها خالدة، فإذا بها تصبح مجرد أطيافٍ تلوح لنا كلما التفتنا للوراء.
وحنين الراحلين رغم شجنه، يشعرنا بالدفء والشوق، كأننا نستدعي طيف الماضي لنستتدفئ به في برودة الأيام.
وعلى الضفة الأخرى، يراودنا شعور مختلف؛ فترقب الآتين يحمل في طياته سعادة وتأملًا. لأحلامٍ نرسمها على أفق المدى بخيوط الفجر، ولقاءاتٍ نؤجلها لغدٍ قادم، وأمنياتٍ ننسجها في صمت الليالي كمن يعانق سراباً جميلاً. نقف مشدوهين بين ما كان وما سيكون، نتأمل أفقاً لا يمنحنا إجابة فورية، وننتظر غداً نعرف أنه سيحمل لنا طاقة جديدة وبدايات تليق بالانتظار.
وبين الضفتين.. تضيق الصدور وتتسع الرؤيا. نحمل ثقل الأمس كوديعة دفءٍ لا يمكن التفريط بها، ونمدُّ أيدينا نحو المستقبل بحذرِ العاشق ويقين المتأمل، بينما يعبر العمر من تحتنا كنهرٍ صامت لا يلتفت، يجر معه سنواتنا سيلاً لا يروي ظمأ التمني، ويسألنا في كل لحظة عابرة بصمتٍ جارح: أحقاً أنتم جاهزون للعبور؟
ليست المأساة في أننا لا نعرف على وجه اليقين إلى أين نحن ذاهبون، بل في أننا ندرك تماماً أن أجزاءً منا تعيش على دفء الذكريات الراحلة، بينما تتطلع أرواحنا بسعادة إلى بريق الآتي.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24