الدكتور ثائر العجيلي
«ورقة سياسية»
ثمة ما يمكن تسميته «عقدة السجّان»، في استعارة من متلازمة ستوكهولم (Stockholm Syndrome)، وهي حالة قد يتأثر فيها السجين بشخص السجّان القوي، الذي يملك الأمر والنهي، حتى يصبح أسيراً لنفوذه النفسي، ويعتقد أن الخلاص لايتحقق إلا بإرادة ذلك السجّان. وإذا انتقلنا من هذا المعنى إلى الواقع السياسي العراقي،أمكننا أن نتساءل: هل تعاني بعض قوى المعارضة العراقية من صورة سياسية لهذه العقدة؟
بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ترسّخ لدى بعض القوى السياسية اعتقاد بأن الولايات المتحدة هي الطرف القادر على إحداث التغيير، وأن الوصول إلى السلطة أو استعادة النفوذ السياسي لا يتحقق إلا برضاها ودعمها. وهكذا، وبدلاً من بناء مشروع وطني يستندإلى إرادة العراقيين، اتجهت بعض هذه القوى إلى انتظار القرار الأمريكي، وكأن واشنطن هي التي ستختار البديل وتسلّمه مفاتيح الحكم.
ويختصر المثل المصري الشعبي «اللي شبّكنا يخلّصنا» جانباً من هذه المفارقة؛ إذ يتحول الطرف الذي أسهم في إنشاء واقع سياسي معين إلى الطرف الذي يُنتظر منه إنهاؤه.
كما تُنسب إلى الرئيس المصري الأسبق “حسني مبارك” عبارة «اللي متغطى بالأمريكان عريان»، وهي عبارة تختزل إشكالية الرهان على قوة خارجية لتوفير حماية سياسية لا يمكن ضمان استمرارها، ولا الاطمئنان إلى توافقها الدائم مع المصالح الوطنية.
إن المشكلة لا تكمن في إقامة علاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الدولية،فالعلاقات الخارجية جزء من ممارسة السياسة،وإنما تكمن في تحويل هذه العلاقات إلى بديل عن الإرادة الوطنية، أو الاعتقاد بأن دولة أجنبية ستخوض معركة التغيير نيابة عن العراقيين، ثم تمنح السلطة لمن تختاره من القوى والشخصيات.
وفي المقابل، تواجه الدولة العراقية معضلة أخرى تتمثل في نفوذ أحزاب وفصائل مسلحة ترتبط أيديولوجياً وسياسياً بمشروع ولاية الفقيه الإيراني، وتمتلك أدوات قوة قد تتجاوز،في بعض الأحيان، حدود المنافسة السياسية الطبيعية.
وهنا تتجلى المفارقة: قوى تنتظر من الخارج أن يفتح لها أبواب السلطة، وقوى أخرى تستند إلى السلاح والنفوذ لتثبيت مواقعها في الداخل، بينما ينبغي أن تكون إرادة المواطن العراقي هي العنصر الحاسم في تقرير مستقبل البلاد.
وبين هذين المسارين، يضيع جوهر العمل السياسي الوطني عندما يتحول التغيير إلى رهان على الخارج، أو تصبح القوة المسلحة وسيلة لفرض الإرادة على المجتمع. فلا الارتهان للخارج يبني دولة مستقلة القرار، ولا فرض النفوذ بالسلاح يؤسس نظاماً سياسياً متوازناً، ولا يمكن لأي من المسارين أن يضمن استقراراً دائماً في بلد يمتلك شعبه من الخبرات والإمكانات ما يؤهله لاختيار مستقبله.
إن من يريد تغيير الواقع السياسي في العراق عليه أن يبدأ من الداخل، وأن يقترب من الناس،ويتفهم معاناتهم، ويقدم برنامجاً واقعياً لمعالجة مشكلات الأمن والخدمات والاقتصاد والفساد، ويعمل على استعادة ثقة المواطنين بالعمل الوطني. فالشعب ليس جمهوراً ينتظر نتائج التفاهمات الخارجية، بل هو صاحب المصلحة والحق في اختيار من يحكمه ومحاسبته.
إن التغيير الحقيقي لا يأتي هبة من واشنطن،ولا منحة من طهران، ولا ثمرة لتسويات تعقدها القوى المتنفذة بعيداً عن إرادة المواطنين. إنه عملية وطنية تبدأ بوعي المجتمع، وتنمو بالعمل السياسي المنظم، وتترسخ ببناء مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون،وحصر السلاح بيدها.
«إن من ينتظر أن تسلّمه قوى الخارج السلطة قد يجد نفسه رهينة لحسابات تلك الجهة، أما من يستند إلى شعبه، فيبني مشروعه على أساس وطني يتيح له قدراً أكبر من الاستقلالية والاستدامة».
22 تشرين الأول / أكتوبر 2026














