المسيّرات.. حسابات الأمن والسياسة

وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي

من الواضح أن هجمات الطائرات المسيّرة التي تستهدف المنشآت الحيوية في البلاد ، باتت تفتح الباب أمام قراءة أكبر تتصل بموقع السودان في معادلات الأمن الإقليمي، ومستقبل البحر الأحمر، والتنافس الدولي على النفوذ في القرن الإفريقي. فاستهداف محطات الكهرباء، من سنجة والفاو والحواتة إلى ام دباكر و المرخيات بام درمان، لا يقف عند حدود إلحاق الأضرار بالبنية التحتية، وإنما يمتد أثره إلى إضعاف قدرة الدولة على استعادة وظائفها، وإبطاء التعافي، وإبقاء المجتمع تحت ضغط الحرب.

قام رئيس الوزراء كامل إدريس الخميس بزيارة لمحطة المرخيات، والوقوف على حجم الأضرار وجهود إصلاحها، ذلك يكتسب دلالة مهمة بالنظر الي أن إعادة الكهرباء تعني إعادة الحياة إلى المستشفيات ومحطات المياه والأسواق ومصادر الإنتاج. لذلك فإن استهداف الشبكة القومية لا يقطع التيار فحسب، بل يعطل حياة الناس، ويضاعف أعباء الدولة، ويؤخر انتقالها من إدارة الحرب إلى التنمية و إعادة الإعمار.

لكن قراءة المشهد لا تكتمل عند هذه الحدود. فتوقيت تصاعد هجمات المسيّرات يتزامن مع محاولات فرض حظر السلاح والطيران في كامل البلاد، بما يثير مخاوف من توظيف الضغط العسكري لفرض واقع ربما يقود إلى هدنة تقيد قدرة الدولة، وتمنح المليشيا فرصة لالتقاط أنفاسها وإعادة ترتيب صفوفها. ولا يعني ذلك الجزم بوجود تنسيق بين المسارين، لكن التجارب السابقة تكشف أن الهدن غير المرتبطة بإنهاء التمرد قد تتحول إلى استراحة لإعادة إنتاج الحرب. وهنا يبرز جوهر المعضل، أن تتحول الضغوط الدولية من وسيلة لإنهاء الحرب إلى إدارة توازناتها.

وتتسع دلالة المشهد بالنظر إلى ما جرى في موسكو خلال القمة الروسية الإفريقية الثالثة. فقد أكد الرئيس عبد الفتاح البرهان، تطلع السودان إلى تطوير علاقاته مع روسيا في مختلف المجالات، مستنداً إلى تاريخ دبلوماسي يمتد سبعين عاماً، ومثمناً مواقف موسكو الداعمة لسيادة السودان ووحدة أراضيه. كما طرح رؤية تقوم على عالم متعدد الأقطاب، ورفض التدخلات الخارجية، وبناء شراكات تحقق المصالح المشتركة.

هذا التوجه لا يمكن فصله عن حاجة السودان إلى تنويع شراكاته العسكرية والاقتصادية، خاصة في ظل الحرب وتراجع فاعلية بعض المسارات الدولية. فموسكو تمثل بالنسبة إلى الخرطوم شريكاً محتملاً في مجالات التسليح والطاقة والتعدين والبنية التحتية، فضلاً عن حضورها الدبلوماسي في مجلس الأمن. كما أن النقاش حول القاعدة الروسية، في بورتسودان يعيد إلى الواجهة سؤال الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر. غير أن هذا الملف ظل مجمداً وفق التصريحات الروسية المنشورة في نوفمبر 2025، ولم يتحول إلى وجود عسكري فعلي.

هنا تكتسب تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في القمة ذاتها دلالة سياسية تستحق التأمل. فقد أعلن رفض القاهرة استغلال هشاشة الأوضاع في القرن الإفريقي لعسكرة البحر الأحمر، أو فرض وجود عسكري على سواحله لدول غير مشاطئة له، بالتزامن مع تأكيده رفض المساس بوحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، والدعوة إلى إنهاء الحرب عبر حوار سوداني خالص.

لا ينبغي قراءة الموقف المصري باعتباره اعتراضاً على استقرار السودان أو على حقه في تنويع علاقاته، فالسودان يمثل عمقاً استراتيجياً وأمنياً لمصر، واستقراره يرتبط بأمن حدودها ومياه النيل وتوازنات الإقليم.

لكن السياسة تحكمها المصالح لا العواطف، فالقاهرة التي ترتبط بشراكة استراتيجية واسعة مع موسكو، تدرك في الوقت نفسه أن انتقال التعاون الروسي مع السودان إلى ترتيبات أمنية عبر القاعدة العسكرية على ساحل البحر الأحمر قد يغير حسابات النفوذ والتوازنات الأمنية في المنطقة.

ومن هنا يمكن فهم تصريح السيسي بوصفه رسالة سياسية محتملة إلى موسكو والخرطوم ،الترحيب بالشراكة الاقتصادية والدبلوماسية لا يعني بالضرورة القبول بتمدد عسكري جديد في البحر الأحمر. وهي معادلة تكشف أن مصر تريد سوداناً مستقراً، لكنها تتابع أيضاً طبيعة التحالفات التي يمكن أن تتشكل حوله، وما قد تتركه من آثار على مصالحها الإقليمية.

وهذا لا يثبت أن التصريح استهدف الاتفاق المحتمل السوداني الروسي، لكنه يجعل الربط بين التوقيت والسياق الجيوسياسي قراءة تستحق النقاش.

فالبحر الأحمر بجانب إنه ممر للتجارة الدولية ،أصبح مجالاً تتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى والدول المشاطئة، من أمن الموانئ وطرق الطاقة إلى القواعد العسكرية ومناطق النفوذ. والسودان بما يمتلكه من ساحل وموقع جغرافي، ليس بعيداً عن هذه المعادلة. لذلك فإن إضعاف مؤسساته واستنزاف بنيته التحتية يترك فراغاً خطيراً لا تقف تداعياته عند حدوده.

ومن زاوية #وجه_الحقيقة، فإن السودان لا ينبغي أن يُدفع إلى الاختيار بين القاهرة وموسكو، ولا أن يستبدل ضغوطاً خارجية بأخرى. من حقه تنويع شراكاته، وتطوير قدراته الدفاعية والاقتصادية، والاستفادة من موقعه في بناء علاقات متوازنة، لكن ذلك يتطلب رؤية وطنية تحدد ما يريده السودان من حلفائه، وما يستطيع تقديمه، وما لا يجوز التفريط فيه.
دمتم بخير وعافية
السبت 31 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com

 

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24