المستشار فادي حسين محمد أبو شاويش
محامٍ وباحث في القانون وحقوق الإنسان
غزة – فلسطين الأحد 23 أغسطس/آب 2026م
منذ أن عرف الإنسان الحروب، ظل سؤال يلاحق ضميره: كيف تبقى إنسانية الإنسان حاضرة عندما تنهار لغة السلام وتعلو أصوات السلاح؟ في الحرب، تتغير الأشياء سريعًا؛ يصبح البيت مكانًا للخوف، والطريق رحلة مجهولة، والمستشفى ملاذًا ينتظر فيه المريض فرصة للنجاة، ويصبح الطفل الذي لا يعرف شيئًا عن أسباب النزاع واحدًا من أكثر من يدفعون ثمنه. ومع ذلك، تبقى الحقيقة التي لا يجوز أن تسقط وسط الخراب: الإنسان يبقى إنسانًا، حتى عندما تعجز لغة السلام عن إيقاف الحرب.
من هنا جاء القانون الدولي الإنساني ليضع حدودًا للعنف، لا ليمنع الحروب، وإنما ليؤكد أن الحرب ليست مساحة مفتوحة بلا قواعد، وأن القوة لا تمنح أطراف النزاع حقًا مطلقًا في فعل ما تشاء، وأن هناك حدًا أدنى من الإنسانية يجب أن يبقى قائمًا مهما اشتد الصراع. لقد وُلدت هذه المنظومة من رحم المعاناة؛ فالتجارب القاسية التي عاشتها البشرية دفعتها إلى تحويل آلام الماضي إلى قواعد تحمي الإنسان في أضعف لحظاته. وجاءت اتفاقيات جنيف لعام 1949 لتشكل أساسًا مهمًا في حماية الجرحى والمرضى وأسرى الحرب والمدنيين، ثم عززت البروتوكولات الإضافية لعام 1977 هذه الحماية وطورت قواعدها.
لكن قيمة القانون لا تكمن في وجوده على الورق، بل في قدرته على الوصول إلى الإنسان عندما يكون في أمسّ الحاجة إليه. فحين يشتد القتال، لا ينبغي أن يصبح المدني هدفًا، ولا الطفل رقمًا، ولا المريض خارج دائرة الحماية. ولهذا يقوم القانون الدولي الإنساني على مبادئ أساسية، في مقدمتها التمييز بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات الممكنة لتقليل الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين. وهذه المبادئ ليست ترفًا قانونيًا، وإنما حدود وضعتها البشرية أمام القوة، وتذكير بأن تحقيق هدف عسكري لا يبرر إهدار حياة الإنسان وكرامته.
غير أن الاختبار الأصعب يبدأ عندما تتسع الفجوة بين النص والواقع. فالعالم يمتلك اتفاقيات وقواعد واضحة، ومع ذلك لا يزال المدنيون يدفعون أثمانًا باهظة للنزاعات. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نملك الإرادة الكافية لاحترام القانون وتطبيقه؟ فالقانون الذي لا يصل إلى الواقع يفقد جزءًا من قوته، والعدالة التي لا تصل إلى الضحية تبقى ناقصة. ولذلك تصبح المساءلة جزءًا أساسيًا من الحماية؛ فالانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني قد تشكل جرائم دولية تستوجب التحقيق والمساءلة وفق الآليات القانونية المختصة. والمساءلة ليست انتقامًا، بل حماية للمستقبل، ورسالة بأن القوة لا تمنح صاحبها حصانة من القانون. فالعدالة الحقيقية لا تنتقم من الماضي بقدر ما تحاول حماية المستقبل من تكراره.
ومع تطور وسائل القتال والتكنولوجيا العسكرية، أصبحت حماية الإنسان أكثر تعقيدًا؛ فلم تعد آثار الحرب محصورة في ساحات المواجهة، بل امتدت إلى الغذاء والماء والصحة والتعليم والطاقة والبنية التحتية والحياة اليومية. ولذلك فإن التقدم الحقيقي لا يُقاس فقط بقدرة الإنسان على تطوير أدوات الحرب، وإنما بقدرته على منعها من تحويل الإنسان إلى ضحية. إن القانون الدولي الإنساني لا ينحاز إلى الإنسان بحسب جنسيته أو دينه أو موقعه، وإنما يحميه لأنه إنسان. فالطفل الذي يبحث عن الأمان، والأم التي تحاول حماية أسرتها، والمريض الذي ينتظر العلاج، والجريح الذي يحتاج إلى الرعاية، جميعهم في قلب الرسالة التي جاء القانون من أجلها.
وهنا تظهر أهمية الوعي القانوني؛ فالقانون الذي لا يعرفه الناس يصعب أن يتحول إلى ثقافة، والحق الذي يجهله صاحبه يصبح أكثر عرضة للضياع. ولذلك فإن نشر الوعي بالقانون الدولي الإنساني مسؤولية مشتركة يشارك فيها القانونيون والباحثون والمدربون والإعلاميون والمثقفون. فالكلمة التي تشرح حقًا، والمعرفة التي تكشف انتهاكًا، والوعي الذي يرفض تبرير الظلم، يمكن أن تتحول جميعها إلى أدوات لحماية الإنسان. وهنا تلتقي رسالة القانون الدولي الإنساني مع مسار الوعي القانوني: المعرفة تبدأ بفهم القاعدة، والوعي يتحول إلى موقف، والموقف يمكن أن يصبح حماية، والحماية تقود إلى العدالة.
لذلك لا يحتاج العالم إلى مزيد من النصوص بقدر حاجته إلى إرادة حقيقية لاحترام ما هو قائم منها. فقوة القانون لا تُقاس بعدد مواده، وإنما بمدى الالتزام بها وتطبيقها على الجميع دون تمييز أو انتقائية. فالقواعد القانونية لا تحقق غايتها بمجرد وجودها، وإنما عندما تتحول إلى سلوك وممارسة ومساءلة، وعندما يشعر الإنسان بأن القانون قادر على حمايته حتى في أكثر اللحظات قسوة.
وفي النهاية، يبقى القانون الدولي الإنساني أكثر من قواعد تنظم سلوك أطراف النزاعات؛ إنه دليل على أن البشرية، رغم تاريخها الطويل مع الحروب، لم تتخلَّ عن قدرتها على الرحمة. فحين نحمي المدني، ونرعى الجريح، ونحترم الأسير، ونحمي الطفل، ونضع حدودًا للقوة، فإننا لا نخفف آثار الحرب فحسب، بل نحافظ على إنسانيتنا نفسها.
ويبقى السؤال أمام ضمير العالم: هل تستطيع البشرية أن تجعل القانون صوتًا أقوى من صوت السلاح؟ قد لا تنتهي الحروب بكلمة واحدة، لكن احترام القانون يستطيع أن يمنع كثيرًا من المآسي، ويذكّر الإنسان بأن هناك حدودًا لا يجوز تجاوزها. ومن هنا تبدأ رسالة القانون الحقيقية: أن يكون حمايةً للإنسان في زمن الخطر، وصوتًا للرحمة وسط النزاعات، وجسرًا نحو عدالة تحفظ الكرامة، وتمهّد لسلام لا يعني غياب الحرب فقط، بل حضور الإنسان وحقوقه.
فالقانون الدولي الإنساني ليس مجرد نصوص تُكتب في الاتفاقيات، ولا قواعد تُدرّس في قاعات الجامعات؛ بل هو اختبار حقيقي لمدى تمسك البشرية بإنسانيتها عندما تكون الإنسانية نفسها تحت الاختبار. وحين نحمي الإنسان في زمن الحرب، فإننا لا نحمي جسده وحياته فقط، بل نحمي فكرة الإنسان ذاتها.
القانون الدولي الإنساني… رحمةٌ وسط النزاعات، وعدالةٌ تجعل للإنسان مكانًا حتى في أحلك أوقات الحرب.








