د. سمير خليل الخفاف
إنّ الكتب السماوية، على اختلاف أزمنتها وأقوامها، لم تأتِ لتبني بين البشر جدرانًا من العصبيات، ولا لتجعل الإيمان ميدانًا للتحزّب والتنازع، بل جاءت لتردّ الإنسان إلى أصله الواحد، وتذكّره بأنّ اختلاف الخِلقة واللغة والثقافة لا يلغي وحدة الكرامة والمصير.
فالاختلاف سنةٌ في الوجود، أمّا التفرّق فخطيئةٌ يصنعها الإنسان حين يحوّل الاختلاف إلى سلاح، والعقيدة إلى هوية مغلقة، والدين إلى سلطة تُستعمل لحماية المصالح والنفوذ. وما أكثر الذين اتخذوا من القداسة ستارًا، ومن الجهل سوقًا، ومن خوف الناس وسيلةً للسيطرة عليهم.
إنّ المرجع الأصيل ليس ما راكمته العصبيات، ولا ما فرضته الجماعات، ولا ما زيّنه الدجّالون من كل صوب، بل رسالة السماء في جوهرها: توحيد الله، وتكريم الإنسان، وإقامة العدل، وصون الرحمة، ونبذ الظلم والبغي. ومن تمسّك بحبل الله لا يجعل من الدين سببًا للقطيعة، بل جسرًا للقاء؛ ولا يرى في المختلف عدوًا، بل إنسانًا يشترك معه في أصل الخَلق، وحقّ الحياة، وطلب الحقيقة.
إنّ الطائفية حين تُنسب إلى الله زورًا، بينما هي من صناعة الأهواء والمصالح، تصبح اغترابًا عن الدين لا دفاعًا عنه. فليس كل من لبس ثوب الواعظ أمينًا على الوحي، وليس كل من رفع شعار الحق قد تحرّر من الباطل. لذلك وجب الحذر من الدجل حين يتكلم باسم السماء، ومن الخطاب الذي يزرع الكراهية ثم يطلب من الناس أن يسمّوها إيمانًا.
إنّ ما يسود الأرض اليوم من صراعات وانقسامات واستغلال للدين بعيدٌ عن روح الرسالات، لأنّ السماء لا تُرسل نورًا ليُصنع منه ظلام، ولا تنزل كتابًا ليُقام على أساسه سوقٌ للفرقة والعداوة. وكلما ابتعد الإنسان عن الرحمة والعدل والصدق، ابتعد عن جوهر الكتاب، ولو أكثر من ترديد نصوصه.
فيا من تطلبون النجاة: لا تجعلوا الدين قبيلة، ولا الحقيقة ملكًا لجماعة، ولا الإيمان سلّمًا إلى السلطة. تمسّكوا بحبل الله جميعًا، ولا تتفرقوا؛ واجعلوا اختلافكم مجالًا للتعارف، لا ذريعةً للتكفير؛ واجعلوا الكتاب ميزانًا للضمير، لا أداةً لقهر الضمائر.
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ
اللَّهِ اكبر على كل الطائفيين
٢٠٢٦/٩/٢٤















