بقلم بلحمدي رابح
البليدة، الجزائر
للأسف…
كلما ضاق صدر المثقف المسلم، بحث عن مؤامرة تريحه من مسؤولية نفسه. فإن لم يجدها، اخترعها. وإن وجدها، جعلها إلهًا صغيرًا يخافه ويستعين به على عجزه.
سموهم ما شئتم: ماسونيين، علمانيين، ملحدين، عولميين، مراكز نفوذ، شبكات مالية، غرفًا مظلمة، عقولًا باردة. لا يهم الاسم. المهم أن تعرف القانون: المكر موجود، والقرآن لا ينكره، بل يفضحه ويكشف عاقبته.
لكن الفارق بين مؤمن ومهزوم أن الأول يرى يد الله فوق كل يد، والثاني يرى يد الأعداء فقط.
قال النبي ﷺ:
«بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم: يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا»
رواه مسلم.
تأمل: الفتنة ليست سحرًا خارقًا. إنها سوق. من يبيع دينه؟ الذي عنده دين للبيع. من يتحول في يوم واحد؟ الذي كان إيمانه معلقًا على مزاج أو مصلحة أو خوف. المخطط لا يصنع الخائن، بل يشتري الخائن الجاهز. والمؤمن الذي يحوّل المؤامرة إلى عذر لقعوده، أشد خطرًا على نفسه من المؤامرة ذاتها.
السر الأول: مكرهم محصور، ومكر الله محيط
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
[الأنفال: 30]
الآية نزلت في كفار مكة وهم يتآمرون على النبي ﷺ: يقتلونه أو يثبتونه أو يخرجونه. اجتمعوا، وأحكموا، ووزعوا الأدوار. لكن مكرهم كان دائرة صغيرة، ومكر الله كان محيطًا يحيط بها. الله لا يمكر كالمخلوق خداعًا ولؤمًا، بل يدبّر ويستدرج ويبطل. «خير الماكرين» أي أقواهم وأعلمهم وأحكمهم عاقبة. فإذا اشتد المكر عليك، فاعلم أنك لا تواجه شبكة فقط، بل تواجه تدبيرًا إلهيًا يكتب لك النجاة إن صحّ توحيدك.
السر الثاني: هم لا يشعرون
﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
[النمل: 50–51]
أخطر ما في المكر أن صاحبه يظن أنه فوق التاريخ. يخطط، يبتسم، يوزع المال والمناصب، ثم لا يرى أن الله يمكر به وهو في غرفته. «وهم لا يشعرون»؛ لأنهم غافلون عن سنة الله. ثم يأتي الأمر: «فانظر كيف كان عاقبة مكرهم». والآية لا تقول دمرناهم فقط، بل «وقومهم أجمعين». أي أن المكر الجماعي قد يهلك الجماعة كلها إذا رضيت، وسكتت، وشاركت، أو تفرجت.
السر الثالث: مكرهم عند الله، ولو زلزل الجبال
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾
[إبراهيم: 46]
عند الله مكرهم. مسجل. محصي. لا يضيع منه خيط. قد يبلغ مكرهم أن تزول منه الجبال، لكنه لا يزيل وعد الله، ولا يبطل دينه، ولا يمحو كتابه. الجبال تزول، أما الله فلا. وهذه هي الطمأنينة التي يجهلها من يظن أن التاريخ بيد الماسونية أو العلمانية أو الإلحاد المنظم. التاريخ بيد الله، وهؤلاء مجرد أدوات في مسرحية كبيرة، لهم دور، وعليهم حساب.
السر الأكبر: لن يغلبهم إلا الله… بشرط أن تكون من حزبه
القرآن لا يقول: اجلسوا في المقاهي واحلفوا بالمؤامرات. القرآن يقول:
﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾
[محمد: 7]
ويقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾
[الرعد: 11]
فالله يغلبهم، لكن ليس باسمك الفارغ، ولا ببطاقتك الحزبية، ولا بصراخك على المنابر. يغلبهم إذا كنت حزبه: توحيدًا، علمًا، عملًا، إتقانًا، صدقًا، وحدة، ورفعة عن سفاسف الأمور.
الماسوني لا يحتاج أن يخترق عقلك؛ يكفي أن يجد عقلك خاليًا من القرآن. العلماني لا يحتاج أن يسرق دينك؛ يكفي أن يجدك تبيعه بعرض من الدنيا. الملحد لا يحتاج أن يقنعك؛ يكفي أن يجدك جاهلًا بلغة قرآنك، مهزومًا في اقتصادك، تابعًا في فنك، مقلدًا في فكرك، مستهلكًا في ثقافتك. المخطط لا ينجح في أمة حية، بل في أمة ماتت واقفة.
فماذا نفعل؟ لا نصرخ… نعمل
اتركوا عادة لوم «الغرفة المظلمة» وابدأوا بغرفة قلوبكم.
أتقنوا العلم؛ فالعلم قوة.
أتقنوا الاقتصاد؛ فالفقر أرض خصبة للتبعية.
احتلوا الفن والإعلام؛ لا تتركوهم يربون أبناءكم على أنقاض هويتكم.
تعلموا العربية؛ فهي وعاء الإسلام. ومن فرّغ الوعاء، ضاع الماء.
ربوا الأسرة؛ فالأسرة آخر حصن.
وحدوا الصف؛ فإن الأعداء لا يخشون الخلاف، بل يصنعونه.
ثم بعد ذلك، قولوا بثقة:
﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
وقولوا:
﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾
وقولوا:
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾
الجبال تزول.
والأعداء يزولون.
والمخططات تدفن مع أصحابها.
أما الله، فيبقى.
ومن نصر الله، نصره الله.
فلا تخافوا من مخططهم… خافوا من فراغكم.
لأن المخطط لا ينجح إلا في أمة فارغة.
املأوا الفراغ بالقرآن، والعلم، والعمل، والوحدة.
ثم انظروا كيف يصبح مكرهم كسراب بقيعة، يحسبه الظمآن ماءً، حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا، ووجد الله عنده، فوفاه حسابه.















