الدنيا لا تدوم على نسق واحد .

خالد غواص

ليس في هذه الحياة شيء يدوم على حاله ولا تسير أيامها على وتيرة واحدة فكل ما حولنا يخضع لسنة التغيير والتبدل وكأن الدنيا كتبت عليها الحركة فلا تعرف السكون ولا تستقر على حال ، وحده الجماد يظل ساكناً أما ما عداه فمآله إلى التحول مهما بدأ لنا ثابتاً أو مستقراً .
تأملوا هذا الكون من حولنا فالبحر لا يكف عن مده وجزره وموجه لا يستقر على هيئة واحدة والشمس تشرق كل صباح ثم تمضي إلى مغيبها والقمر يبدأ رحلته بالبزوغ هلالاً ثم يمضي في أطواره حتى يكتمل بدراً وما إن يبلغ تمامه حتى يبدأ ضياؤه في التناقص وتتلاشى إستدارته شيئاً فشيئاًحتى يغيب عن الأنظار وكأن في تعاقب هذه المشاهد رسالة بليغة تختصر فلسفة الحياة لا شيء يبلغ تمامه ويبقى عليه إلى الأبد .
الولادة يعقبها موت وحياة برزخية ثم بعث هذا ما يثبته لنا القرأن ، حياة الإنسان تختزل في بدايتها ونهايتها حكاية من التناقضات يولد صارخاً وتستقبله الحياة بدموع الفرح ثم يمضي في دروبها بين فرح وحزن وقوة وضعف وعطاء وحرمان حتى يرحل وتودعه الدموع مرة أخرى وكأن الدموع التي أستقبلته في أول الطريق تعود لتشيعه مرة أخرى
وما أكثر ما نشهده من تقلبات الأحوال فكم من غنياً أمسى فقيراً بعد أن كان يظن أن المال لا يفارقه وكم من فقير أصبح غنياً بعد أن ضاقت به سبل الحياة وكم من إنسان كان بالأمس ضعيفاً لا يُلتفت إليه فأصبح اليوم صاحب نفوذ وسلطان له صولجان وهيلمان وكم من قوياً كان يأمر وينهى ويحسب له ألف حساب أصبح اليوم في حال لا تشبه ماضيه بعدما دارت الأيام وتبدلت الموازين .
الكراسي لا تحتفظ بأصحابها والمناصب لا تمنح أحداً صكاً بالبقاء والمال لا يضمن لصاحبه دوام الرفاه والقوة مهما بلغت لا تحول دون تقلبات الزمن إنها الدنيا تعطي هذا حيناً وتأخذ من ذاك حيناً آخر وترفع أناساً وتخفض آخرين في دورة لا تتوقف عند أحد ولا تستثني أحداً .
سبحان الله كم من العبر تمر أمام أعيننا كل يوم وكم من مشاهد نراها بأم أعيننا تؤكد لنا أن دوام الحال من المحال وأن ما نملكه اليوم قد لا يكون لنا غداً وأن المكانة التي نعتليها اليوم قد تصبح ذكرى من الماضي
فلماذا لا نتعظ ولماذا يغتر الإنسان بما بين يديه ويظن أن ما وصل إليه من مال أو جاه أو قوة سيظل ملازماً له ولماذا ننسى أن الأيام دول وأن عجلة الحياة لا تتوقف وأن الذي نراه اليوم في حال قد نكون نحن غداً في حاله لا قدر الله ذلك ،
إن الحكمة ليست في أن نراقب تقلبات الحياة فحسب بل في أن نتعلم منها كيف نعيش فلا نتكبر حين نعلو ولا نتجبر حين نقوى ولا نقسو حين نملك ولا نفقد الأمل حين تضيق بنا السبل فالتواضع عند الرفعة والرحمة عند المقدرة والصبر عند الشدة هي ما ينبغي أن يبقى في الإنسان مهما تبدلت به الأحوال ، ما أجمل أن يدرك الإنسان هذه الحقيقة قبل أن تعلمه الأيام إياها فالعاقل من يأخذ العبرة مما يراه قبل أن يصبح هو نفسه عبرة لمن يأتي بعده .
………
السبت: ٧ نوفمبر ٢٠٢٦ م

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24