
بقلم: بلحمدي رابح – البليدة/الجزائر
حدثني صديقي الأديب ذاك الذي تمشي الوسامة أمامه لتفتح له الطريق وقال لي بلهجة من اكتشف قانون الجذب الأرضي:
يا صديقي، هل تعلم أن الخيانة الزوجية تطوّرت مثل الهواتف الذكية؟
قلت: تقصد أنها أصبحت أذكى؟
قال: بل أصبحت أسرع، وأرخص،تدعمها اللغة الرمنسية وحتى الرموز التعبيرية
قلت: إذن أنت تتحدث عن ثورة تقنية.
قال: بل عن ثورة أخلاقية… بالمعنى التنازلي للكلمة.
ثم أضاف: في زمن فلوبير، كانت الخيانة تحتاج إلى رسالة مكتوبة بخط اليد، وموعد تحت شجرة، وعربة تجرها الخيول، ومنديل يُلوَّح به من النافذة… أي مسرحية كاملة بخمسة فصول!!
أما اليوم؟
فالخيانة تحتاج إلى:
شاحن الهاتف
واي فاي
وابتسامة صفراء في وجه الزوجة وهو يقول أو تقول : «أنا ذاهب لأنام.»
قلت:وهل ينام؟
قال: ينام جسده… أما إبهامه فيسهر حتى الفجر !!
قال صديقي: دخلت ذات مرة إلى ملتقى ثقافي امرأة جميلة، فإذا بالقاعة كلها تتحول في أقل من دقيقة إلى:
مؤتمر نقدي
معرض للوحات الإعجاب
مسابقة في المديح الاستباقي
وسوق لتبادل أرقام الهواتف تحت غطاء «التواصل المهني»
كان في الصف الأول وزيرٌ بلغ من العمر عتيًّا، جاء ببدلة أنيقة وربطة عنق بنفسجية فاقعة، كأنها بيان رسمي صادر عن وزارة الشباب يقول:«لم ينتهِ الشباب بعد !!» وقد بلغ من الكبرِ عتِيًا
أما الشعراء، فحدث ولا حرج.
إذا قالت: «صباح الخير.»
قال أحدهم:يا لها من جملة تُلخّص فلسفة هيغل في الوجود!!!
وإذا قالت: «شكرًا.»
قال آخر: في هذه «الشكر » اختزال للتراث الإنساني من إرين باباس إلى نيرودا!
وإذا نشرت قصيدة… لا، لا يهم إن كانت قصيدة أصلًا. يكفي أنها نشرت شيئًا.
قالوا:
— نصٌّ مدهش!!!
— يفتح أفقًا جديدًا !!!
— يكسر تابوهات السرد!!!
بل إن أحدهم بدأ يمدح القصائد التي لم تكتبها بعد.
قلت: هذا نقد استشرافي.
قال: بل هذا إعجاب استباقي… يشبه شراء أسهم قبل الطرح العام!!
أما عيناها الزرقاوان، فقد دخلتا قاموس النقد بوصفهما:
«بؤرة دلالية»
«نافذة على اللاوعي الجمعي»
«مدرسة أدبية مستقلة»
وشعرها الأسود المتسلل من تحت الخمار صار عند أحدهم «تحفة فنية»، حتى خفت أن يقترحوا إدراجه ضمن المراجع المعتمدة في تاريخ الفن الإسلامي!!!
قلت: وماذا عن هاتفها؟
قال: آه… هنا بدأت المنافسة الحقيقية.
كان بعضهم يلاحق هاتفها أكثر مما يلاحق موعد صدور كتابه الجديد.
قلت: أكانوا شعراء؟
قال: نعم.
قلت: وكتابًا؟
قال: نعم.
قلت: ونقادًا؟
قال: نظريًّا !!
ثم ضحك وقال: بعضهم كان يكتب لها ملاحظات نقدية طويلة جدًا، لا لشيء إلا لكي يحصل في آخر الصفحة على رقم الهاتف!!!
قلت: وهنا تذكرتَ فلوبير؟
قال: بل تذكرتُ أن الإنسان لم يتغير كثيرًا، وإنما تغيرت وسيلة الخيانة فقط.
لقد جعل غوستاف فلوبير من إيما بوفاري واحدة من أشهر الشخصيات النسائية في الأدب العالمي.
إيما لم تكن تبحث عن الخيانة في بدايتها.
كانت تبحث عن الحياة التي تخيلتها.
كانت الروايات قد صنعت في رأسها عالمًا من الحب الكبير والعاطفة المشتعلة والمغامرة، بينما جاء الزواج أكثر هدوءًا ورتابة مما حلمت به.
وهنا بدأت الكارثة:
حين يصبح الخيال أكثر جمالًا من الواقع، يبدأ الإنسان في كراهية الواقع.
ثم يبحث عن الخيال في شخص آخر.
وهكذا لم تكن المشكلة في «رجل آخر» فقط، وإنما في الوهم الذي سبق الرجل.
وعندما جاء ليو تولستوي، جعل من آنا كارينينا عالمًا كاملًا من الحب والزواج والرغبة والغيرة والمجتمع.
آنا لم تكن مجرد امرأة في قصة خيانة.
كانت إنسانة تتصارع فيها الرغبة مع الواجب، والحب مع الزواج، والفرد مع المجتمع.
وهنا يسأل الأدب سؤالًا مزعجًا:
هل الخائن شرير منذ البداية؟ أم أن الإنسان يستطيع أن يسقط وهو يظن أنه يبحث عن السعادة؟
السؤال مهم.
لكن الأهم أن الأدب لا يعفي الإنسان من مسؤولية اختياراته.
الخيانة اليوم في البيئة الجزائرية أي بالوجه الذي تستحي به قابل به … نسخة مطوّرة فقد دخلت الخيانة عصر الرقمنة.
زمان كان الرجل يقول: ذاهب إلى صديقي.
فتبدأ الرحلة.
أما اليوم فيقول: أنا نائم.
وهو في الحقيقة متصل الآن!!!
والزوجة تقول: مع من تتحدث؟
فيجيب: لا أحد.
فتقول: ومن هذه «لا أحد» التي أرسلت لك ثلاثة قلوب؟
فيقول: مجرد صديقة.
وهذه كلمة خطيرة جدًا في قاموس العصر: «مجرد صديقة».
لأن كلمة «مجرد» تستطيع أن تنجب عشرة آلاف رسالة في ظرف أسبوع !!!
ثم يبدأ الأمر:
صباح الخير.
كيف حالك؟
هل نمت؟
لماذا أنت حزين؟
أنا أفهمك.
أنت مختلف.
أنت الوحيد الذي يفهمني.
ثم يصل الإنسان إلى المرحلة الفلسفية: «لم أقصد شيئًا!!»
وهنا يكون قد قصد كل شيء إلا الاعتراف بأنه قصد شيئًا.
الخائن لديه دائمًا قاموس دفاع جاهز.
إذا اكتُشف قال: لم يحدث شيء.
وإذا ظهرت الرسائل: مجرد كلام.
وإذا ظهرت الصور: مجرد مزاح.
وإذا أصبح الأمر أكثر وضوحًا: كنت أبحث عن شخص يفهمني.
أما إذا سُئل: ولماذا أخفيت الهاتف؟
فيسكت.
وهنا يصبح الهاتف فجأة أمين أسرار الدولة.
ومن أطرف أساطير الخيانة أن أحدهم يقول:
«أنا أحب زوجتي، لكن…»
وهذه الـ«لكن» وحدها تحتاج إلى رواية من ثلاثمائة صفحة.
الخيانة في جوهرها ليست مشكلة جمال.
فالجمال موجود.
والرجال يرون الجميلات.
والنساء يرَين الرجال.
والإنسان ليس حجرًا.
لكن الإنسان يمتلك شيئًا اسمه الاختيار.وهنا يبدأ الامتحان.يمكنك أن ترى ولا تلاحق.
أن تعجب ولا تتورط.أن تسمع كلمة جميلة ولا تجعلها عنوانًا لقصة جديدة.
فالفرق بين الرجل الذي يقول: «امرأة جميلة.»
والرجل الذي يقول: «أريد رقم هاتفها.»
هو الفرق بين العين والقرار.
والفرق بين المرأة التي تقول: «رجل أنيق.»
والمرأة التي تبدأ مراسلته في منتصف الليل، هو أيضًا الفرق بين الإعجاب وفتح الباب.
الخيانة تبدأ أحيانًا من النقد الأدبي!!!
قال صديقي: أتذكر أول رسالة وصلتني من إحدى المعجبات؟
قلت: ماذا قالت؟
قال: قالت: «أستاذ، قرأت نصك وأعجبني كثيرًا.»
قلت: جميل.
قال: نعم، جميل جدًا.
قلت: ثم؟
قال: قلت لها: شكرًا.
قال: فقالت: «أنت مختلف عن بقية الكتاب.»
قلت: وماذا فعلت؟
قال: أغلقت الهاتف!!
قلت: لماذا؟
قال: لأنني أعرف أن الجملة التالية ستكون:«وأنا أيضًا مختلفة عن بقية النساء.»
ضحكت.
ثم قال: يا صديقي، بعض الناس لا يحتاجون إلى علاقة عاطفية، وإنما يحتاجون إلى حارس حدود!!!
والملتقى الثقافي؟
قلت له:إذن، ماذا تعلمت من تلك المرأة؟
قال: تعلمت أن بعض الشعراء يكتبون عن العفة في النهار، ثم يبحثون عن رقم الهاتف في المساء!!!
قلت: وهل كلهم؟
قال: لا.
قلت: إذن لا تظلمهم.
قال: طبعًا، هناك من بقي وفيًا لزوجته.
ثم ابتسم: لكنه كان يجلس في الصف الأخير… حتى لا يراه أحد!!!
الإسلام جاء بالعلاج قبل المصيبة
وهنا يصبح الموضوع أقل هزلًا وأكثر جدية.
الإسلام لم ينتظر وقوع الإنسان في الفاحشة حتى يبدأ العلاج.
قال تعالى:﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾
لاحظ:
لم يقل فقط «لا تزنوا»، بل قال:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا﴾.
أي لا تقتربوا من الطريق المؤدي إليها.
قال: «أغلق الباب قبل أن تحتاج إلى إطفاء الحريق.»















