الجامعة.. أزمة اختيار أم أزمة دولة؟

وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي

تدخل الأسر السودانية كل عام، مع إعلان نتائج الشهادة السودانية، في دوامة التوتر والقلق، أي تخصص يختار الطالب، وأي جامعة أنسب، وأي كلية تفتح له طريقًا أكثر أمانًا في المستقبل؟ يبدو الاختيار قرارًا فرديًا، لكنه في واقع الأمر انعكاس لمنظومة رسمت الدولة والاقتصاد والمجتمع حدودها، وتركت للطالب مساحة محدودة لصناعة مستقبله.

الطالب لا يختار تخصصه من فراغ، فهو يوازن بين ميوله وقدراته، بينما الأسرة تنظر إلى فرص العمل والدخل والمكانة الاجتماعية. ومع غموض المستقبل، تتحول الرغبة إلى حسابات أمان وحسابات سوق العمل، فتتقدم تخصصات تبدو أكثر ضمانًا للوظيفة، حتى إن لم تكن الأنسب لقدرات الطالب أو احتياجات البلاد، بينما تتراجع تخصصات يحتاجها الاقتصاد والتنمية، لأنها لا تبدو طريقًا واضحًا إلى العمل والحياة الكريمة.

هنا تبدأ أزمة الدولة، فالتعليم ليس مجرد قبول جامعي وشهادات، بل أداة لتخطيط المستقبل وبناء الاقتصاد. وعندما تتوسع الجامعات والتخصصات دون ربطها باحتياجات سوق العمل، تنتقل الدولة من معالجة نقص المهارات إلى إنتاج فائض من الشهادات، فيتخرج الشباب بأعداد متزايدة، بينما تبقى قطاعات الاقتصاد في حاجة إلى مهارات لا تجدها.

الطالب يستطيع اختيار تخصصه، لكنه لا يستطيع التخطيط لسوق العمل في البلاد. والأسرة تستطيع تقديم النصيحة، لكنها لا تستطيع معرفة ما يحتاجه السودان بعد خمس أو عشر سنوات. والجامعة تستطيع تخريج الكفاءات، لكنها لا تستطيع وحدها بناء اقتصاد يستوعبها. أما الدولة فهي الجهة القادرة على جمع البيانات وربط التعليم بالتنمية والاستثمار والإنتاج.

ومن هنا فإن غياب قاعدة بيانات وطنية محدثة بصورة دورية، عن سوق العمل وفجوات المهارات يجعل الاختيار الجامعي أقرب إلى التخمين. ودليل القبول، مهما كان مهماً في تنظيم الترشيح، لا يكفي للإجابة عن السؤال الذي يشغل الأسرة، ماذا سيحتاج السودان عندما يتخرج ابني؟

هذه الوظيفة تتجاوز إرشاد الطالب إلى إجراءات التقديم، وتتطلب نظامًا وطنيًا للإرشاد، وقاعدة بيانات محدثة ترصد اتجاهات سوق العمل والقطاعات المرشحة للنمو والمهارات المطلوبة، مع مراجعة سياسات القبول والتخصصات وفق احتياجات التنمية، دون تقييد حرية الطالب.

وتزداد أهمية ذلك مع ثورة الذكاء الاصطناعي التي يتوقع ان تعيد تشكيل كثير من الوظائف، وتفرض مهارات جديدة، وتقلل الطلب على بعضها في المستقبل المنظور.

وقد جعل السودان 2026 عامًا للتعليم التقني والتقاني، لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الإعلان، كيف يتحول هذا الاهتمام إلى تعليم جاذب، وتدريب جيد، ودخل محترم، ومسار مهني واضح؟ فالناس لا تتبع الشعارات، بل ما تراه ناجحًا أمامها. وبعد الحرب تزداد الحاجة إلى هذا النوع من التعليم، لأن إعادة الإعمار تحتاج إلى فنيين ومهنيين يشغّلون الكهرباء والمياه والمصانع والمستشفيات والاتصالات والزراعة والطرق. لذلك فإن بناء رأس المال البشري ليس ملفًا تابعًا للإعمار، بل أحد شروط نجاحه.

بلادنا اليوم لا تحتاج فقط إلى خريجين أكثر، بل إلى خريجين أكثر قدرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج. فالجامعة ليست مكتب توظيف، والشهادة ليست عقد عمل، والدولة ليست مطالبة بتعيين كل خريج، لكنها مسؤولة عن بناء الطريق بين التعليم والاقتصاد، وبين المهارة والفرصة.

وهنا ينبغي أن تتغير فلسفة القبول، من سؤال، كم طالباً نستوعب؟ إلى سؤال، ما نوع الإنسان الذي تحتاجه البلاد. فالتعليم الذي يقيس نجاحه بعدد المقاعد والخريجين فقط قد يحقق توسعاً كمياً، لكنه لا يضمن بالضرورة تنمية بشرية. والجامعة التي تنفصل عن الاقتصاد والمجتمع تفقد جزءاً من وظيفتها، كما أن الاقتصاد الذي لا يستفيد من المعرفة يهدر.

ولا يعني ذلك أن التعليم يجب أن يتحول إلى مصنع لتلبية سوق العمل فقط، فالجامعة فضاء للمعرفة والبحث والتفكير والإبداع. لكن المطلوب إزالة القطيعة بين هذه الوظائف وحاجات المجتمع، بحيث تصبح المعرفة قادرة على إنتاج قيمة، والمهارة قادرة على صناعة فرصة واعدة لأجل المستقبل.

فالأسرة مطالبة بالتخلي عن منطق التفاخر ، والطالب بمعرفة قدراته وميوله، والجامعة برفع جودة التعليم، والمجتمع بإعادة تعريف النجاح. لكن الدولة مطالبة بأن تربط هذه العناصر كلها برؤية وطنية واضحة.

في المحصلة، بحسب #وجه_الحقيقة، أزمة الجامعة ليست أزمة طالبٍ يخطئ الاختيار، بل أزمة دولة لم تُحسن بعدُ رسم صورة المستقبل. فالدولة التي لا تحدد احتياجات اقتصادها، ولا تربط التعليم بسوق العمل وإعادة الإعمار، تترك أبناءها أمام خيارات فردية تحكمها المخاوف لا الرؤية. وبعد الحرب، لم يعد مقبولًا أن تنتج الجامعات مزيدًا من الشهادات بينما يبحث الاقتصاد عن المهارات. القضية إذن ليست: ماذا سيدرس الطالب؟ بل، أي سودان تريد الدولة أن تبنيه، وأي إنسان تحتاجه هذه الدولة لبنائه؟

دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 29 سبتمبر 2026م. Shglawi55@gmail.com

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24