الإعلامي الصيني نور يانج يكتب: قدرات العرض الجديدة في معرض كانتون تلتقي باحتياجات العالم المتجددة

الإعلامي الصيني نور يانج

مع تسارع اندماج الذكاء الاصطناعي في عمليات الإنتاج، وإعادة التحول الأخضر رسم اتجاهات الاستثمار، واتجاه الاستهلاك العالمي بصورة متزايدة نحو الجودة والتخصيص، يشهد المنطق الأساسي للتجارة بدوره تحولا عميقا. فما بات نادرا في السوق لم يعد مجرد السلع في حد ذاتها، بل العرض عالي الجودة القادر على الاستجابة بسرعة للتحولات في الطلب. وقد استقطبت المرحلة الأولى من الدورة الـ140 لمعرض كانتون، التي افتتحت في 15 أكتوبر، 189 ألف مشتر أجنبي من 214 دولة ومنطقة، بزيادة 13.3 بالمئة على أساس سنوي، وهو مستوى قياسي جديد. ولا يمكن تفسير التدفق الكثيف للتجار من أنحاء العالم إلى قوانغتشو بحجم التجارة وحده، بل يرتبط أيضا بتحولات هيكلية عميقة يشهدها العرض الصيني نفسه.

 

وتعكس التحولات في هيكل المعروضات بصورة مباشرة تغيرا نوعيا في جانب العرض. فمن بين 32 ألف شركة مشاركة في هذه الدورة من معرض كانتون، تجاوز عدد المؤسسات عالية الجودة، بما فيها الشركات المتخصصة والدقيقة والمبتكرة، والشركات الرائدة في مجالات صناعية محددة، 11 ألف شركة. كما أدخلت 64 بالمئة من الشركات المشاركة تقنيات جديدة، مثل الإنترنت الصناعي والذكاء الاصطناعي، في عمليات الإنتاج. وبلغت حصة المنتجات الجديدة 23.2 بالمئة، فيما وصلت حصة المنتجات الخضراء إلى 26 بالمئة، مسجلتين مستويين قياسيين جديدين. وحملت المرحلة الأولى شعار “التصنيع المتقدم”، وشهدت حضورا بارزا لروبوتات الخدمات والطائرات المسيرة ومركبات الطاقة الجديدة وغيرها. وما تراه السوق العالمية هنا لم يعد مجرد كميات ضخمة من المنتجات الصينية، بل قدرات عرض جديدة يواصل التصنيع الصيني توليدها باستمرار.

 

ولا يعتمد ظهور هذا العرض الجديد على عدد محدود من الشركات البارزة التي تتصدر المشهد. فمدى قدرة أي تقنية متقدمة على التحول سريعا إلى منتج يتوقف على كفاءة التنسيق بين المواد والمكونات والبرمجيات وسلاسل الإمداد. وتمتلك الصين منظومة صناعية متكاملة تغطي مختلف القطاعات، إلى جانب قاعدة ضخمة من الشركات شديدة القرب من السوق. وبمجرد حدوث تغير في الطلب، يمكن أن تتشكل بسرعة حلقة تغذية راجعة قصيرة للغاية تربط بين البحث والتطوير وخطوط الإنتاج والطلبات السوقية. ويجسد تجمع عشرات الآلاف من الشركات عالية الجودة في معرض كانتون بصورة مباشرة عمق هذه البيئة الصناعية.

 

ولا تقتصر احتياجات السوق العالمية على الروبوتات ومركبات الطاقة الجديدة. فالمرحلة الثانية الجارية من المعرض تركز على “المنازل عالية الجودة”، حيث تعرض نحو 11 ألف شركة 2.376 مليون منتج، تشكل المنتجات الجديدة منها 24.2 بالمئة، والمنتجات الخضراء 26.9 بالمئة، فيما تبلغ حصة المنتجات التي تتمتع بحقوق ملكية فكرية مستقلة 25 بالمئة. ومن مواد البناء الخضراء إلى المنازل الذكية، تمر منتجات تبدو تقليدية في ظاهرها بعملية تحديث شاملة في المواد والتصميم وتقنيات توفير الطاقة. فالمستهلكون في الدول المختلفة وعلى مستويات الدخل المتباينة لا يحتاجون إلى نموذج موحد مما يسمى “التكنولوجيا المتقدمة”، بل إلى حلول تتناسب مع أسواقهم المحلية. وتكمن مرونة العرض الصيني تحديدا في قدرته على الاستجابة الدقيقة لهذا الطلب العالمي المتعدد المستويات والمتنوع.

 

ويدفع الارتقاء في مواءمة العرض مع الطلب نمط التجارة الخارجية إلى الانتقال من مجرد “بيع المنتجات” إلى “تقديم حلول متكاملة”. ففي هذه الدورة من معرض كانتون، بدأت 36.5 بالمئة من الشركات المشاركة بالفعل التحول إلى نموذج “المنتج + الخدمة”. وبالنسبة للمشترين في الخارج، لم يعد السعر وحده هو الذي يحدد قرار الشراء، بل أصبحت عوامل مثل الاعتماد والمعايير، والخدمات اللوجستية، وخدمات ما بعد البيع، ودعم التشغيل المحلي جزءا أساسيا من القرار. كما تؤثر قدرة المعدات على العمل بصورة مستقرة على المدى الطويل، والقدرة على مواصلة صيانة المشروعات، بصورة مباشرة في رغبة العملاء في الشراء. وعندما تربط الشركات الصينية المنتجات بخدمات تغطي دورة حياتها كاملة، فإن قدرتها على العرض تمتد بثبات من مرحلة التصنيع إلى كامل فترة استخدام المنتج.

 

ويلعب معرض كانتون دورا محوريا في هذه العملية من خلال خفض تكلفة المواءمة بين العرض والطلب المعقدين بدرجة كبيرة. فمع اجتماع أكثر من 30 ألف شركة ونحو 4.88 ملايين معروض في مكان واحد، لا يستطيع المشترون مقارنة المنتجات والعثور على الموردين بكفاءة أكبر فحسب، بل يمكنهم أيضا، من خلال التواصل المباشر وجها لوجه، نقل ردود الفعل من السوق إلى قطاع التصنيع بصورة مباشرة. وقبل سبعين عاما، كان معرض كانتون يعالج أساسا مسألة فتح قناة لوصول المنتجات الصينية إلى العالم؛ أما اليوم، فقد تحول إلى حلقة وصل كبرى تربط احتياجات السوق العالمية بعمق مع منظومة التصنيع الصينية. والعرض الجديد الحقيقي يتشكل ويتطور باستمرار من خلال هذا التفاعل المتواصل مع الأسواق العالمية.

 

كما تؤكد بيانات التجارة الخارجية الكلية هذه التحولات التي تظهر على المستوى الجزئي. ففي الأرباع الثلاثة الأولى من هذا العام، بلغ إجمالي تجارة الصين من السلع، صادرات وواردات، 39.94 تريليون يوان، بزيادة 18.8 بالمئة على أساس سنوي، فيما شكلت صادرات المنتجات الميكانيكية والكهربائية 64.3 بالمئة من إجمالي الصادرات. وحافظت صادرات الدوائر المتكاملة والسيارات الكهربائية وبطاريات الليثيوم على زخم قوي. ويتناغم اتجاه “الجديد والأخضر والذكي” الذي يبرز في معرض كانتون مع التحسن المستمر في هيكل الصادرات الصينية. وهكذا تنتقل القدرة التنافسية للتجارة الخارجية الصينية تدريجيا من مزايا التكلفة والحجم إلى مزايا تحديث التكنولوجيا، وتكامل الصناعات الداعمة، وكفاءة التسليم، والقدرة على تقديم خدمات متكاملة.

 

وتحمل هذه الروابط العميقة أهمية كبيرة بالنسبة للدول النامية. فالكثير من هذه الدول يحتاج، أثناء دفع عملية التصنيع، إلى تحقيق التوازن بين التحول في قطاع الطاقة وتحديث البنية التحتية. وسواء كانت تبحث عن معدات لتخزين الطاقة ومواد بناء خضراء، أو تحتاج إلى آلات ومعدات وأدوات رقمية تتمتع بكفاءة عالية من حيث التكلفة، فإن وجود منظومة عرض قادرة على توفير مستويات تكنولوجية مختلفة وحلول متنوعة يتيح لكل دولة اختيار ما يتناسب بمرونة مع مرحلتها التنموية وظروفها الخاصة.

 

وبعد سبعين عاما من التطور، قد لا يكون أكبر ما تغير في معرض كانتون هو مساحة قاعات العرض أو عدد الشركات المشاركة، بل طريقة ارتباط الصين بالأسواق العالمية. ففي الماضي، كان التركيز ينصب على إيصال المنتجات الصينية إلى مختلف أنحاء العالم؛ أما اليوم، فأصبح الاهتمام أكبر بفهم احتياجات السوق العالمية بدقة، ثم تحويلها، من خلال التكنولوجيا والتصنيع ومنظومة الخدمات، إلى منتجات وحلول قابلة للتطبيق. إن التنمية طويلة الأجل للتجارة العالمية تحتاج إلى عرض عالي الجودة قادر على الاستجابة السريعة للمشكلات والاحتياجات الواقعية، كما تحتاج إلى قنوات انفتاح عالية المستوى تضمن وصول هذا العرض بسلاسة إلى الأسواق العالمية.

انعكاس النمو المزدوج الرقم للتجارة الخارجية الصينية على الحاجة العالمية إلى كفاءة سلاسل الإمداد

مصر والصين.. 70 عامًا من العلاقات وشراكة متنامية في الطاقة والفضاء والبنية التحتية (فيديو)

وزير الخارجية يكشف الأولويات عالميا وإقليميا: تفتخر بأن مصر كانت أول دولة عربية وإفريقية تعترف بالصين

(صور) وزير العدل بمقر شركة «هواوي» بالصين لتفقد التقنيات الذكية المُزمَع تطبيقها بـ«مدينة العدالة»

استعمار الصين لصناعة السيارات علي مستوى العالم

 

رامي لبيب علم الدين: زيارة الرئيس الصيني لمصر بداية لمرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24