د. عمر شاكر الكبيسي
على متن السفينة كشكٌ صغير لبيع الملبوسات المصرية، وكنتُ أُشفق على صاحبه؛ إذ لا يكاد يمرُّ به أحد، فضلًا عن أن يشتري منه!
وأثناء تناولنا الغداء، أخبرونا أنَّ هناك حفلةً ستُقام في مطعم السفينة بعنوان «حفلة الجلابيب»، وأنَّ على السائحين ارتداء الجلباب المصري، رجالًا ونساءً، للمشاركة في أجواء الحفلة.
وما هي إلا لحظات حتى رأيتُ الأجانب يتوافدون على الكشك، يشترون الجلابيب ويلبسونها، والبائع مسرورٌ بإقبالهم، وأنا مشدوهٌ بما أرى!
فقلتُ في نفسي: سبحان الله! بضاعةٌ كانت بالأمس تنتظر الزبائن، فإذا بالزبائن اليوم يتسابقون إليها! وما تغيَّرت البضاعة، وإنما تغيَّرت طريقة عرضها، وصار لها موعدٌ ومناسبةٌ ورغبة!
فتذكَّرتُ حكاية تسويق الحمار الأسود، وكيف يمكن للكلمة البارعة أن تُحوِّل ما يزهد فيه الناس إلى شيءٍ يتطلَّعون إليه!
وأدركتُ أنَّ صاحب الكشك لم يكن بحاجة إلى توسيع متجره، وإنما إلى توسيع دائرة الرغبة في بضاعته؛ فقد صنعت الحفلةُ من الجلباب حاجةً، ومن الحاجة سوقًا، ومن الكشك الصغير متجرًا مزدحمًا!
وتلك هي فهلوة التسويق حين تقترن بحسن التدبير؛ أن تعرف كيف تُقرِّب بضاعتك إلى رغبات الناس، وأن تجعلهم يأتون إليها بدلًا من أن تظلَّ تنتظر مرورهم بها.
والقاعدة الأخلاقية:
التسويق الذكي أن تُحسن تقديم ما تملك، دون أن تخدع الناس فيما تبيع؛ فالبراعة في العرض، والبركة في الصدق.















