د. عمر شاكر الكبيسي
مصر دولةٌ عربيةٌ مبهرة، لمع اسمها بما لها من عمقٍ حضاري وجذورٍ تاريخية، وهي من أكثر البلدان العربية حضورًا وانتشارًا في الذاكرة العربية؛ بفضل إعلامها، وأزهرها وكثرة أبنائها، وقدرتهم على الانتشار والعمل في مختلف البلدان.
بيد أنني دخلتُ مصر وفي ذاكرتي صورةٌ ترسَّخت منذ ثمانينيات القرن الماضي، حين كان الملايين من المصريين يعملون في العراق، وكانت لنا صحبةٌ مع الخيَّاطين، أو «الترزية» كما يُسمُّونهم؛ فمنهم الشاعر، ومنهم المعلِّم والمهندس، فضلًا عن المسلسلات المصرية التي كانت تهيمن على شاشات التلفزيون، وتدخل بيوت الناس حتى غدت اللهجة المصرية مألوفةً لأسماعنا.
وهكذا كانت مصر حاضرةً في حياتنا قبل أن تطأ أقدامي أرضها، نعرف لهجتها، ونألف وجوه أهلها، ونحفظ شيئًا من طرائقهم وحكاياتهم.
وكان أكثر ما أخشاه عند السفر إليها «الزحمة»، فقد استقرَّ في ذهني أنَّ مصر لا تخلو من الحشود، وأنَّ الوصول إلى مطارها قد يكون بدايةً لرحلةٍ من الانتظار والتدافع!
ولذلك حجزتُ خدمة المساعدة في المطار، استعدادًا لما توقَّعتُه من ازدحام، فإذا بي أُفاجأ بمطارٍ هادئ، وإجراءاتٍ تسير بانسيابية، لا تستدعي كلَّ ذلك الاحتياط!
ولما سألتُ عن سرِّ هذا الهدوء، قيل لي: «مش موسم، وفي طيارتين اتأخَّروا عن ميعادهم!».
فتعجَّبتُ من هذا التفسير، ولم أدرِ أكان الرجل يعتذر عن انسيابية الإجراءات، أم يُطمئنني إلى أنَّ الزحمة المصرية بخير، وأنَّ غيابها اليوم مجرَّد ظرفٍ طارئ!
فضحكتُ في نفسي، وأدركتُ أنَّ أول مفاجآت السفر قد تكون في سقوط الصورة التي رسمناها للمكان قبل أن نراه.
والقاعدة الأخلاقية المستفادة: «لا تجعل ما استقرَّ في ذاكرتك عن بلدٍ حُكمًا على واقعه؛ فالمعرفة بالتجربة أعدلُ من الأحكام الموروثة بالانطباع».















