أطفالنا في المركبات… بين حبّ الوالدين وغفلة الخطر

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

ليس هناك أغلى على قلب الأب والأم من أبنائهما، ولا أعظم من تلك المحبة التي تجعلهما يسعيان إلى توفير الراحة والسعادة لهم. ولكن هل تكفي المحبة وحدها لحمايتهم من الأخطار؟ وهل يمكن أن يتحول تصرف نراه تعبيرًا عن الحنان إلى سبب في مأساة لم تكن في الحسبان؟

من واقع عملي وخبرتي الطويلة في مجال الإطفاء والإنقاذ، كثيرًا ما تستوقفني مشاهد على الطرقات، تبدو لبعض الناس عادية، لكنها تحمل في طياتها مخاطر جسيمة، قد لا يدرك أصحابها حجمها إلا بعد فوات الأوان.

أرى طفلًا صغيرًا لم يتجاوز العاشرة من عمره يجلس في المقعد الأمامي بجانب والده، دون حزام أمان، أو يقف مستندًا بيديه إلى لوحة القيادة، بينما تسير المركبة وسط حركة المرور. وأحيانًا أشاهد طفلًا يتنقل داخل المركبة من مقعد إلى آخر، وكأن السيارة غرفة للعب، لا وسيلة نقل تسير بين مركبات قد تتوقف أو تنحرف في أي لحظة.

وأتساءل في نفسي: ماذا لو اضطر السائق إلى استخدام المكابح فجأة؟ ماذا لو ظهرت أمامه مركبة أخرى، أو وقع أمر لم يكن يتوقعه؟

إن الطفل الذي لا يثبته حزام أو مقعد أمان مناسب قد يندفع بقوة إلى الأمام، فيرتطم بلوحة القيادة أو الزجاج الأمامي أو أجزاء المركبة الداخلية، حتى دون وقوع تصادم كبير. وقد تتحول لحظة كان يمكن تجاوزها بسلام إلى إصابة مؤلمة، وربما إلى فقد لا تعوضه سنوات الندم.

وهناك مشهد آخر لا يقل خطورة، حين يسمح بعض الآباء لأطفالهم بفتح نوافذ المركبة وإخراج رؤوسهم أو أجزاء من أجسادهم إلى الخارج، بل قد يجلس أحدهم على حافة النافذة مستمتعًا بالهواء والمناظر، بينما يواصل السائق طريقه.

قد يضحك الطفل، وقد يبتسم الأب أو الأم فرحًا بسعادته، لكن الطريق لا يعرف براءة الأطفال، ولا يمنح السائق ضمانًا بأن كل شيء سيبقى تحت السيطرة. فقد يقترب جسم خارجي، أو تنحرف المركبة، أو يختل توازن الطفل، فتقع الكارثة في لحظة لا يستطيع أحد استدراكها.

وما يبدو للطفل لحظة مرح، قد يكون في نظر رجل الإنقاذ خطرًا ينتظر وقوعه.

ومن المشاهد التي تتكرر كذلك أن يقود الأب مركبته، وتجلس الزوجة إلى جانبه في المقعد الأمامي، وقد احتضنت رضيعها بين ذراعيها. تكون الأم قد ربطت حزام الأمان، مطمئنة إلى أنها تحمي نفسها وطفلها معًا، بينما يظل الرضيع دون أي وسيلة تثبيت تحمي جسده الصغير.

ولا أشك لحظة في محبة تلك الأم لطفلها، ولا في رغبتها الصادقة في حمايته؛ ولكن الحقيقة التي ينبغي أن ندركها أن ذراعي الأم، مهما اشتد احتضانهما، لا تستطيعان مقاومة القوى التي تتولد عند الاصطدام أو التوقف العنيف. كما أن الوسادة الهوائية الأمامية، المصممة لحماية الراكب في ظروف محددة، قد تشكل خطرًا بالغًا على الطفل الصغير الموجود أمامها.

والتصرف الصحيح ليس مجرد انتقال الأم إلى المقعد الخلفي وهي تحمل طفلها في حضنها، بل أن يُثبَّت الرضيع في مقعد أمان خاص به، مناسب لعمره وحجمه، ومركّب بطريقة صحيحة في المقعد الخلفي، مع مراعاة أن يبقى الرضيع في مقعد مواجه للخلف وفق تعليمات المقعد وحدود استخدامه. ويمكن للأم أن تجلس بجواره، وقد ربطت حزام الأمان الخاص بها.

فحضن الأم موطن الحنان، لكنه ليس بديلًا عن مقعد الأمان.

ولعل ما يؤلمني أكثر من مشاهدة هذه التصرفات هو ما قد يواجهه الإنسان حين يحاول تقديم النصيحة.

فقد دفعتني خبرتي المهنية، وحرصي على سلامة الأطفال، إلى تنبيه بعض الأسر إلى خطورة ما يفعلونه، لكنني فوجئت أحيانًا بردود تحمل شيئًا من الاستياء، وكأن النصيحة اعتداء على الخصوصية، أو تدخل فيما لا يعنيني.

وقد يأتيك الرد: «وما دخلك أنت؟ ومن أنت حتى تنصحني؟».

وهنا أجد نفسي أمام سؤال أكبر من مجرد سلامة طفل داخل مركبة: متى أصبحت النصيحة الصادقة تدخلًا في شؤون الآخرين، ومتى صرنا ننظر إلى من يحذرنا من الخطر وكأنه يسيء إلينا؟

إنني لا أتدخل في طريقة تربية الأبناء، ولا أبحث عن انتقاد الأسر أو التقليل من حرصها على أطفالها. ولكنني، بحكم عملي، أنظر إلى هذه المشاهد بعين مختلفة؛ عين تعرف أن الحوادث لا تستأذن أحدًا، وأن ثانية واحدة قد تكون الفاصل بين رحلة عائلية سعيدة ومأساة تبقى آثارها سنوات طويلة.

وإذا رأيت طفلًا معرضًا لخطر واضح، فإن واجبي الإنساني يدفعني إلى النصح، كما أتمنى أن ينصحني غيري إذا غفلت يومًا عن خطر يهدد أحد أبنائي.

فالنصيحة ليست وصاية على الناس، وإنما مشاركة في مسؤولية الحفاظ على الأرواح، على أن تُقدَّم باحترام وحكمة، دون تجريح أو تعالٍ.

ومن المؤسف أن بعضنا لا يدرك قيمة التحذير إلا بعد أن يتحول إلى تجربة قاسية. عندها تتردد العبارة التي نسمعها كثيرًا بعد المصائب: «يا ليتني انتبهت… يا ليتني سمعت النصيحة».

ولكن ما قيمة الندم حين يأتي متأخرًا؟ وما الذي يستطيع الأب أو الأم تقديمه لاستعادة لحظة كان يمكن فيها ربط حزام أمان، أو تثبيت مقعد طفل، أو إغلاق نافذة مركبة؟

إن سلامة الأطفال داخل المركبات ليست مسألة شكلية، ولا إجراءً نلتزم به خوفًا من مخالفة مرورية فحسب، بل هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية تبدأ قبل تحرك المركبة.

فالأطفال لا يدركون دائمًا طبيعة الأخطار المحيطة بهم، ولا يستطيعون تقدير عواقب تصرفاتهم كما يفعل الكبار. ومن هنا تأتي مسؤوليتنا في أن نكون نحن عيونهم التي ترى الخطر قبل وقوعه، وأيديهم التي تحميهم حين تعجز أيديهم الصغيرة عن حماية أنفسهم.

علينا أن نعلّم أبناءنا منذ الصغر أن لكل راكب مكانًا آمنًا، وأن حزام الأمان ليس قيدًا على حريتهم، بل وسيلة لحمايتهم، وأن النوافذ ليست مكانًا لإخراج الرؤوس والأجساد، وأن المركبة ليست ساحة للعب أثناء سيرها.

كما ينبغي أن نكون قدوة لهم؛ فكيف نطلب من الطفل الالتزام بحزام الأمان وهو يرى والده أو والدته يتهاونان في استخدامه؟

إن ثقافة السلامة لا تُبنى بالمحاضرات وحدها، وإنما بالممارسة اليومية، وبالسلوك الذي يشاهده الأبناء في آبائهم وأمهاتهم، حتى تصبح الوقاية عادة لا تحتاج إلى تذكير.

ولا أكتب هذه الكلمات لأزرع الخوف في قلوب الأسر، وإنما لأوقظ إحساسًا بالمسؤولية قد تغطيه مشاغل الحياة والاعتياد على بعض التصرفات الخاطئة.

فقد نقود المركبة مئات المرات دون أن يقع شيء، لكن مرور الرحلات السابقة بسلام لا يعني أن التصرف كان آمنًا، ولا يضمن أن الرحلة القادمة ستكون كذلك.

فالخطر لا يصبح آمنًا لمجرد أننا اعتدنا عليه.

رسالتي إلى كل أب وأم: حين تضع طفلك في مقعد الأمان، أو تربط له الحزام، أو تمنعه من إخراج رأسه من النافذة، فإنك لا تحرمه من المتعة، بل تمنحه فرصة أن يعود معك إلى المنزل سالمًا، ليضحك ويلعب ويكبر أمام عينيك.

وإذا جاءك يومًا من ينبهك إلى خطر قد غفلت عنه، فلا تجعل السؤال الأول: «وما دخلك أنت؟»، بل اسأل نفسك: «هل في كلامه ما يحمي طفلي؟».

فربما كانت كلمة عابرة من إنسان لا تعرفه سببًا في تجنب حادث لن تعرف أبدًا أنه كان على وشك الوقوع.

وأخيرًا، من واقع خبرتي في الإطفاء والإنقاذ، أقول لكل أب وأم:

لا تنتظروا أن تعلّمكم الحوادث ما كان يمكن أن تعلّمكم إياه النصيحة. ولا تجعلوا حبكم لأطفالكم مجرد مشاعر تحتضنهم، بل اجعلوه مسؤولية تحميهم.

فقد لا يستغرق تثبيت الطفل في مقعد الأمان سوى لحظات، وقد لا يتطلب إغلاق النافذة أو ربط الحزام إلا حركة بسيطة، ولكن هذه اللحظات قد تصنع فارقًا لا يُقدَّر بثمن.

تذكّروا دائمًا أن الطفل الذي يجلس اليوم إلى جواركم لا يعرف حجم الخطر الذي قد يحيط به، لكنه يثق بكم ثقة مطلقة، ويؤمن أنكم مصدر أمانه. فلا تخذلوا تلك الثقة بغفلة، ولا تجعلوا لحظة تساهل تتحول إلى ذكرى موجعة ترافقكم بقية العمر.

فأطفالنا لا يحتاجون إلى حبنا فحسب… بل يحتاجون إلى وعينا الذي يحميهم، ومسؤوليتنا التي تعيدهم إلى بيوتنا سالمين.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24