وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي
بعد غياب طويل عن المشهد السياسي بدأ حوار أحمد هارون، رئيس حزب المؤتمر الوطني المحلول، مع الإعلامي ربعي سراج عبر بودكاست السودان، أقرب إلى محاولة لكسر جدار الصمت وإعادة طرح أسئلة السلطة والدولة والحرب ومستقبل العملية السياسية. فالحوار بما اتسم به من مباشرة في تناول ملفات ظلت معلقة منذ سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019، يتجاوز حدود الظهور الإعلامي إلى استدعاء العديد من الأسئلة المعلقة حول دلالاته السياسية، وما وراء توقيته، وحسابات المرحلة المقبلة.
ما يستحق التوقف عنده ليس مضمون حديث هارون وحده، بل توقيته وطريقة بناء روايته، وما اختار إظهاره أو تركه مفتوحاً للتأويل. فالرجل الذي فوّضه عمر البشير في فبراير 2019 برئاسة المؤتمر الوطني إلى حين انعقاد مؤتمره العام، يعود بخطاب يجمع بين الدفاع عن تجربة الإنقاذ وتفسير سقوطها، وتأكيد مساندة القوات المسلحة في الحرب، ورسم مسافة سياسية بين حزبه ومؤسسات الحكم القائمة. وهو ما يمنح ظهوره دلالة مهمة ،تتجاوز استعادة الماضي إلى محاولة التأثير في معادلات الحاضر.
في تفسير سقوط الإنقاذ، وصف هارون ماجري بأنه انقلاباً من مؤسساتها، لا سقوطاً شعبياً، ومحمّلاً اللجنة الأمنية، ولا سيما صلاح قوش، مسؤولية الإخفاق. رغم إنه اقترب من توصيف الخيانة دون تسميتها، كما تحفظ على الجزم بالتدخل الخارجي. غير أن السؤال الأهم كيف انتهى حكم امتد ثلاثون عاما إلى لحظة أصبح فيها مصير الدولة رهين قرارات دائرة ضيقة من الأشخاص؟ وهنا تنتقل المساءلة من ملابسات النهاية إلى بنية الحكم.
هذه المساحة بين الاتهام والتحفظ ، تكشف أن رواية أبريل 2019 لا تزال مفتوحة على صراعات الذاكرة السياسية وصدور الرجال، وأن الأطراف التي صنعت تلك المرحلة ، لم تصل بعد إلى تفسير مشترك لما حدث. لذلك فالسؤال لم يعد فقط من أسقط الإنقاذ، وإنما لماذا وصلت الدولة إلى تلك اللحظة، وكيف تداخلت أخطاء السلطة مع الاحتجاجات الشعبية، وموقف المؤسسة العسكرية، والتفاعلات و الأطماع الإقليمية والدولية؟
وفي حديثه عن الاحتجاجات، أعاد هارون طرح مسألة التفاوت بين المركز والأقاليم وغياب الفيدرالية. وهي قضية قديمة في بنية الدولة السودانية، لكنها لا تبرر اختزال الحراك الشعبي في جغرافيته، فالمطالب لا تُقاس بمواقع الاحتجاج، وإنما بمدى تعبيرها عن اختلالات الحكم في تلك الفترة.
وفي الحرب الحالية، تبرز دلالة لافتة في حديث هارون، فتيار الإسلاميين ظل يضع الحسم العسكري في مقدمة خياراته، وينظر إلى التفاوض من بوابة تنفيذ اتفاق جدة الموقع في مايو 2023. لكن حديثه هذه المرة عن اقتراب النصر، مقروناً بالإقرار بحتمية التفاوض، يكشف انتقالاً في الخطاب من التركيز على كسب المعركة إلى التفكير في كيفية إنهاءؤها.
لكن ربما كانت الرسالة الأكثر حساسية في الحوار هي طبيعة العلاقة بين المؤتمر الوطني والرئيس البرهان والقوات المسلحة. فقد حاول هارون رسم مسافة واضحة بين حزبه وقيادة البلاد والحكومة، مقدماً مشاركة الحزب في معركة الكرامة باعتبارها موقفاً وطنياً في مواجهة الحرب، لا علاقة تنظيمية أو شراكة في إدارة الدولة.
خارجيًا تبنى هارون خطاباً منفتحاً يستوعب توازنات الإقليم، مستحضراً علاقات السودان بمصر والسعودية وتركيا وقطر وغيرها. لكن تأكيده أن إدارة علاقات السودان الخارجية وتوظيفها من اختصاص مؤسسات الدولة، يحمل دلالة مهمة، تفصل بين الحزب والسلطة.
كذلك تطرح إفادات هارون سؤالاً حول ما إذا كان الوطني يسعى إلى إعادة تعريف موقعه في المرحلة الراهنة، بوصفه قوة تساند الجيش دون أن تتحمل مسؤولية أداء الحكومة أو تتبنى خياراتها، أم أنه يعيد ترتيب علاقته بالمشهد استعداداً لما بعده. وبين الاحتمالين، تبدو محاولة الفصل بين الموقف من الحرب والموقف من السلطة هي الخيط الناظم لهذا الظهور.
وهنا ينبغي ألا نغفل أن المؤتمر الوطني ليس حزباً عابراً في المشهد السوداني، فقد ارتبط بثلاثة عقود من الحكم، بما شهدته من تحولات وإنجازات وإخفاقات وأزمات.
لذلك فإن أي حديث عن عودته إلى الحياة السياسية لا يمكن فصله عن سؤال المراجعة والمساءلة، وعن حق السودانيين في معرفة ما جرى وتقييم التجربة بكل ما لها وما عليها. كما أن الوقوف مع الجيش في الحرب لا يمنح أي تيار سياسي صكاً مفتوحاً للعودة إلى السلطة، مثلما لا يجوز أن يتحول الخلاف مع تجربة الإنقاذ إلى مبرر لإقصائه أو إقصاء أي مواطن من حقه في المشاركة السياسية وفقاً لقواعد القانون والدستور.
اللافت أن ظهور هارون قوبل بارتياح في أوساط من عضوية المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، وامتد التفاعل إلى قطاعات من الجمهور رأت في الحوار فرصة لسماع رواية غابت طويلاً. في المقابل أثار الظهور قلقاً لدى قوى ارتبطت بمشروع ما بعد ديسمبر، وفي مقدمتها صمود.
بالرغم من ذلك، فإن قراءة الحوار باعتباره انتصاراً لطرف سياسي على آخر، أو مادة للاحتفاء داخل دوائر المؤتمر الوطني والقلق لدى خصومه، تفوّت المعنى الأهم. فالسودان لا يحتاج إلى استعادة معارك الذاكرة بقدر حاجته إلى استخلاص دروسها. ولا يحتاج إلى إعادة تدوير النخب، بقدر حاجته إلى مراجعة التجارب وتأسيس عقد سياسي جديد يستوعب الجميع دون محاصصة أو إقصاء أو حصانات من المساءلة.
وهنا تستوقفني ذاكرة الشاعر محمد المكي إبراهيم في قصيدته “في خباء العامرية” . فالخباء، في قراءة رمزية، يتجاوز صورة البيت إلى معنى الملاذ والطمأنينة، فيما تستدعي العامرية صورة الجمال الذي يبحث عن فضاء آمن. ومن هذا المشهد الشعري يمكن استحضار حكاية وطن ظل بابه مفتوحاً على اقتحامات السلطة والصراع، حتى تراجعت فيه الطمأنينة.
لذلك، فإن السؤال الذي يتجاوز حوار هارون ليس فقط من اقتحم الخباء بالأمس، بل لماذا ظل الخباء مكشوفاً، ولماذا عجزت النخب السياسية على اختلاف عهودها وشعاراتها، عن بناء بيت يحمي الجميع؟
من زاوية #وجه_الحقيقة، لا يحتاج السودان إلى استعادة رواية طرف أو تبرئة آخر، بقدر حاجته إلى مصالحة تاريخه، ومراجعة شجاعة لتجارب الحكم، وعقد وطني يجعل الدولة أكبر من الأحزاب، والعدالة أساساً للمستقبل. فالعامرية لا تبحث عن حارس جديد للخباء، بقدر ما تبحث عن وطن لا يُقتحم مرة أخرى، أياً كانت الراية التي يحملها القادمون إلى بابه.
دمتم بخير وعافية
الأحد 8 نوفمبر 2026 م. Shglawi55@gmail.com










