نظرية الطفل الداخلي حين يكبر بالعمر

الكاتبة والصحفية / وجنات صالح ولي.
حين يكبر العمر ويبقى شيء منا صغيرً لايكبر معنا ويظل داخلنا .
هل تساءلنا يومًا لماذا تؤلمنا بعض الكلمات أكثر مما تستحق، ولماذا نخشى التجاهل، أو نبالغ في إرضاء الآخرين، أو نشعر بالحزن حين لا نجد الاهتمام الذي ننتظره؟ ربما لا تكون الإجابة دائمًا في مواقفنا الحالية، بل في جزء قديم يسكن داخلنا، يُطلق عليه في علم النفس مفهوم «الطفل الداخلي».

الطفل الداخلي ليس طفلًا حقيقيًا يعيش داخلنا، بل هو تعبير عن مشاعرنا وذكرياتنا وتجاربنا المبكرة التي قد تظل تؤثر في طريقة تفكيرنا وتفاعلنا مع الآخرين حتى بعد أن نكبر. فقد يكبر الإنسان في عمره، ويتحمّل مسؤولياته، ويبدو قويًا أمام الجميع، بينما لا يزال يحمل في داخله خوفًا قديمًا من الرفض، أو حاجة إلى الإحتواء، أو رغبة في أن يشعر بأنه محبوب دون أن يبذل جهدًا لإثبات استحقاقه للحب.

أحيانًا، لا يكون غضبنا من موقف بسيط بسبب الموقف نفسه، بل لأن ما حدث لمس جرحًا قديمًا لم يلتئم تمامًا. وقد لا يكون إرضاؤنا الدائم للآخرين دليلًا على طيبة قلوبنا وحدها، بل ربما يكون خوفًا من خسارتهم. وقد نتمسك بعلاقة تؤذينا لأننا نخشى أن نعيش مرة أخرى شعور الهجر أو الوحدة. ومع ذلك، لا ينبغي أن نفسر كل مشاعرنا من خلال طفولتنا، فهناك تجارب حاضرة وظروف واقعية تؤثر فينا أيضًا.

إن فهم الطفل الداخلي لا يعني أن نلوم آباءنا، أو نظل أسرى للماضي، أو نتخذ من جراحنا عذرًا لكل تصرفاتنا، بل أن نتعلم كيف نفهم أنفسنا برفق، ونمنح مشاعرنا حقها في الاعتراف دون أن نسمح لها بقيادة حياتنا. فالنضج الحقيقي لا يعني أن نتوقف عن التألم، وإنما أن نتعلم كيف نتعامل مع ألمنا بطريقة أكثر وعيًا ورحمة.

ربما يحتاج الطفل الذي بداخلنا إلى أن نقول له اليوم: لم يعد عليك أن ترضي الجميع كي تستحق الحب، وليس عليك أن تتظاهر بالقوة طوال الوقت، ولا أن تقبل الأذى خوفًا من الرحيل. أصبح بإمكانك أن تضع حدودًا، وأن تقول لا، وأن تختار من يمنحك الأمان والاحترام، وأن تغادر المكان الذي يستنزف روحك دون أن تشعر بأنك ارتكبت خطأ.

والأجمل أننا نستطيع، في حاضرنا، أن نتعلم ما افتقدناه في بعض مراحل حياتنا؛ أن نطمئن أنفسنا، ونحترم احتياجاتنا، ونطلب المساعدة حين نحتاج إليها، ونتعلم التعبير عن مشاعرنا بدلًا من دفنها. وقد تكون الاستعانة بمختص نفسي خطوة مهمة عندما تصبح آثار التجارب القديمة مؤلمة أو تعيق علاقاتنا وحياتنا اليومية.

في النهاية، ليس المطلوب أن نعود إلى طفولتنا لنغيّر ما حدث، فهذا مستحيل، وإنما أن نعود إليها بفهم أكبر، حتى لا نظل ندفع ثمن مواقف انتهت منذ سنوات. فالطفل الداخلي لا يحتاج منا إلى البكاء على الماضي طوال العمر، بل يحتاج إلى إنسان ناضج في داخلنا يعرف كيف يحميه، ويحتويه، ويعلّمه أن الأمان لا يأتي دائمًا من الآخرين، وأننا نستطيع أن نبني جزءًا كبيرًا منه داخل أنفسنا.

فكم من إنسان كبر عمره، لكنه لا يزال ينتظر كلمة حنان لم يسمعها، أو اعتذارًا لم يصله، أو احتواءً افتقده طويلًا؟ وربما تبدأ رحلة التعافي حين نتوقف عن سؤال الآخرين: لماذا لم تمنحوني ما احتجت إليه؟ ونبدأ بسؤال أنفسنا: كيف أستطيع اليوم أن أمنح نفسي ما أحتاج إليه، دون أن أنسى حقي في الحب من الآخرين؟

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24