بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
للإنسان عينان تنظران إلى ما يملك الآخرون، وقلبٌ يتمنى، ونفسٌ قلّما تقول: اكتفيت.
يرى سيارةً أجمل من سيارته فيريدها، وهاتفًا أحدث من هاتفه فيشتهيه، وساعةً فاخرة فيتخيلها في معصمه، وبيتًا أكبر من حاجته فيحلم به، وثيابًا لا تنقص خزانته فيشتريها؛ ثم تمضي الأيام، ويكتشف أن كثيرًا مما ركض خلفه لم يكن حاجةً، وإنما كان رغبةً عابرة ارتدت ثوب الحاجة.
وهنا تكمن المشكلة.
فليس كل ما أريده أحتاجه، وليس كل ما أستطيع شراءه ينبغي أن أشتريه، وليس كل ما يملكه الآخرون يجب أن أملكه أنا.
هناك مسافة صغيرة في الكلمات، لكنها كبيرة في الحياة، بين قولك: «أريده» وقولك: «أحتاجه».
الحاجة تسد نقصًا حقيقيًا في حياتك، أما الرغبة فقد تصنع في داخلك نقصًا لم يكن موجودًا أصلًا.
وليس الخطأ أن يشتري الإنسان سيارة جميلة، أو هاتفًا حديثًا، أو ساعة فاخرة، أو أن يسكن بيتًا واسعًا إذا كان قادرًا على ذلك؛ فالمال نعمة، ومن حق الإنسان أن يستمتع بما رزقه الله من غير إسراف ولا مخيلة. ولكن الخطأ أن يشتري صورةً أمام الناس، ويدفع ثمنها من راحته ومستقبله.
فكم من إنسان يقود سيارة فاخرة، وفي صدره قسطٌ يطارده كل شهر!
وكم من شخص يحمل هاتفًا باهظ الثمن، بينما حسابه لا يحتمل مصروفًا طارئًا!
وكم من بيتٍ كبير امتلأ بالأثاث، بينما امتلأ صاحبه بالديون والهموم!
إننا أحيانًا لا نشتري الأشياء لأننا نحتاج إليها، بل لأننا نحتاج إلى نظرة الآخرين إلينا.
نريد أن يقال: فلان اشترى، وفلان يملك، وفلان يسكن، وفلان يقود.
وهنا يتحول المال من وسيلة لخدمتنا إلى وسيلة لإثبات أنفسنا أمام الآخرين.
وقبل أن تمد يدك إلى بطاقة البنك أو توقّع عقد القرض، اسأل نفسك بهدوء:
هل أحتاجه فعلًا؟
هل أستطيع تحمّل تكلفته دون أن أرهق نفسي وأسرتي؟
هل سأظل قادرًا عليه إذا تغيرت ظروفي؟
هل يستحق أن أقتطع من مستقبلي لأمتلكه اليوم؟
فالراتب ليس ثابتًا إلى الأبد، والصحة ليست مضمونة، والوظيفة لها نهاية، والتقاعد قادم مهما بدا بعيدًا، والأبناء يكبرون وتتغير احتياجات الأسرة، والطوارئ لا تستأذن قبل أن تطرق الأبواب.
والحكيم لا ينظر إلى قدرته على دفع القسط الأول فقط، بل إلى قدرته على احتمال السنوات التي تأتي بعده.
وقد لخّص القرآن جانبًا عظيمًا من الاعتدال في الإنفاق بقوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾
الفرقان: 67.
إنه التوازن؛ فلا بخل يحرم الإنسان وأهله من نعم الله، ولا إسراف يجعل متعة اليوم همًّا للغد.
وقال تعالى:
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾
الإسراء: 26–27.
ومن أجمل ما يتعلمه الإنسان مع تقدمه في العمر أن الغنى ليس في كثرة ما يجمع، بل في قلة ما يحتاج إليه قلبه. وقد قال النبي ﷺ:
«ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس»
متفق عليه.
وما أكثر الأشياء التي تمنيناها يومًا، وظننا أننا لن نسعد حتى نمتلكها، ثم امتلكناها، وبعد أشهر أصبحت شيئًا عاديًا في زاوية البيت، أو جهازًا مهملًا في درج، أو سيارة نبحث عمن يشتريها، بينما بقيت أقساطها شاهدة على قرار اتخذناه في لحظة رغبة.
والأشد ألمًا أن يكتشف الإنسان متأخرًا أنه أنفق سنوات من عمره ليسدد ثمن أشياء انتهت متعتها منذ سنوات.
لذلك، حين تريد شيئًا، لا تحرم نفسك منه مباشرة، ولكن امنح عقلك فرصةً قبل أن تمنح رغبتك المال.
انتظر قليلًا.
واسأل نفسك مرة أخرى:
لو لم يرني أحد بهذا الشيء، فهل سأظل أريده؟
إن كانت الإجابة نعم، وكان نافعًا لك، وكنت قادرًا عليه، ولا يرهق أسرتك، ولا يستنزف مدخراتك، ولا يحمّلك دينًا لا ضرورة له، فاستمتع بما رزقك الله.
أما إن كان جماله الحقيقي في عيون الناس لا في حاجتك إليه، فأنت ربما لا تشتري الشيء… بل تشتري إعجاب الآخرين.
وإعجاب الناس سلعة غالية جدًا؛
تدفع أنت ثمنها،
ويستمتع بها غيرك،
ثم ينساها الجميع إلا أنت ودفتر أقساطك.
وفي النهاية، ليست الحكمة أن تمتلك كل ما تستطيع شراءه، وإنما أن تعرف ما يستحق أن تدفع من أجله جزءًا من عمرك؛ لأن المال الذي بين يديك لم يأتِ من فراغ، بل جاء من ساعات عملك، ومن تعبك، ومن أيامٍ لن تعود.
فلا تجعل حياتك سباقًا مع الناس؛ لأنك إن بدأت هذا السباق فلن تصل إلى نهايته أبدًا. سيبقى هناك من يملك سيارة أغلى، وبيتًا أكبر، وساعة أفخم، وهاتفًا أحدث.
عِش بما يناسبك أنت، لا بما يبهر الآخرين.
واشترِ ما تحتاجه، واستمتع بما تستطيع، وادخر لما سيأتي، واترك شيئًا للطوارئ، وشيئًا لأهلك، وشيئًا لمستقبلك، وشيئًا تتقرب به إلى الله.
وقبل كل رغبة جديدة، ضع أمامها سؤالًا واحدًا:
«أنا أريده… ولكن هل أحتاجه؟»
فقد يوفر عليك هذا السؤال مالًا كثيرًا، ودينًا طويلًا، وهمًّا ثقيلًا، وندمًا يأتي حين لا ينفع الندم.
فليس الفقير دائمًا من لا يملك الكثير؛
قد يكون الفقير من يحتاج إلى الكثير كي يشعر أنه يملك شيئًا.















