بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
ليس أشد على بعض الناس من أن يستيقظوا ذات صباح، فلا يجدوا أسماءهم مسبوقةً بالألقاب التي صاحبتهم سنوات طويلة.
لا هاتف يرن طالبًا قرارًا، ولا أبواب تُفتح قبل وصولهم، ولا مجالس ينتظر أصحابها كلمتهم، ولا موظفون يقفون احترامًا، ولا معاملات تتوقف حتى يضعوا عليها توقيعهم.
فجأة يصبح المسؤول السابق مواطنًا عاديًا؛ يقف حيث يقف الناس، وينتظر كما ينتظرون، ويطلب بعدما اعتاد أن يُطلب منه، ويرى العالم يسير من دونه، مع أنه ربما عاش سنوات يظن أن عجلة المكان لن تدور إذا غاب.
وهنا تبدأ لعنة المناصب.
وليست اللعنة في المنصب نفسه، فالمنصب أمانة، وكم من مسؤول جعله بابًا لخدمة الناس، وتركه كما دخله نظيف اليد، طيب الذكر، تحيط به محبة الناس بعد رحيله أكثر مما أحاطت به وهو على كرسيه.
إنما تبدأ اللعنة حين يتحول المنصب من مسؤولية يحملها الإنسان إلى هوية يعيش بها.
حين لا يعود الرجل يعرف نفسه إلا بصفته: المدير، الرئيس، الوزير، المسؤول، صاحب القرار.
وحين يعتاد أن تُفتح له الأبواب، وأن تُنجز طلباته، وأن يصمت المجلس عندما يتحدث، وأن تزدحم حوله الوجوه، قد يقع في وهم خطير: أن كل ذلك له هو، لا للكرسي الذي يجلس عليه.
تمر السنوات، ويتنقل من منصب إلى آخر.
تزداد الامتيازات، وتتسع دائرة النفوذ، ويعيش هو وأسرته في رخاء وراحة. ويصبح الوصول إليه صعبًا، وكلمته نافذة، وتوقيعه قادرًا على فتح باب وإغلاق آخر.
وقد ينسى، وسط كل ذلك، حقيقة بسيطة:
أن المنصب مؤقت، مهما طال.
قال تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[آل عمران: 26].
وما بين ﴿تُؤْتِي﴾ و**﴿تَنْزِعُ﴾** تختصر الآية حكايات طويلة من السلطة والنفوذ.
فالذي أعطى قادر على أن يأخذ، والذي رفع قادر على أن يبدل الحال، ولا كرسي كُتب له الخلود.
حين يظن الإنسان أن الكرسي هو الإنسان
المشكلة ليست أن يحترم الناس المسؤول، فهذا حق لمكانته ومسؤوليته، وإنما أن يخطئ المسؤول في تفسير ذلك الاحترام.
فليس كل من ابتسم لك أحبك.
وليس كل من وافقك اقتنع بك.
وليس كل من وقف عند دخولك كان سيقف لك لو لم تكن صاحب المنصب.
وليس كل من ازدحم حول مائدتك سيبحث عنك حين تصبح المائدة خالية من النفوذ.
وهذه من أقسى الحقائق التي قد يكتشفها الإنسان بعد مغادرة السلطة.
فبعض العلاقات كانت علاقات بالمنصب، لا بصاحبه.
وبعض الهواتف كانت تتصل بالكرسي، لا بالإنسان.
وبعض المجاملات كانت تنتظر توقيعًا أو قرارًا أو منفعة.
فإذا ذهب الكرسي، ذهبت معه.
وهنا ينظر المسؤول السابق حوله، فيكتشف أن دائرةً كانت تعج بالبشر قد أصبحت صغيرة بصورة مؤلمة.
وتبدأ الأسئلة:
أين الذين كانوا يحيطون بي؟
أين الذين كانوا يتسابقون إلى مجلسي؟
أين أصحاب الكلمات الجميلة؟
أين أولئك الذين كانوا يقولون إن المكان لا يساوي شيئًا من دوني؟
والجواب مؤلم:
لقد بقي الإنسان… ورحل المنصب، فذهب معه من كانوا يعرفون المنصب أكثر مما يعرفون الإنسان.
حين يصبح الماضي وطنًا
ومن أخطر ما قد يحدث بعد انتهاء الحياة الوظيفية أن يرفض الإنسان نفسيًا مغادرة منصبه، وإن غادره جسديًا.
فتجلس معه اليوم، فيحدثك عن الأمس.
“عندما كنت مسؤولًا…”
“في عهدي…”
“كنت أقرر…”
“كانوا يستشيرونني…”
“لو كنت ما زلت هناك…”
ويصبح الماضي هو الزمن الوحيد الذي يشعر فيه بقيمته.
أما الحاضر، فلا يمنحه الشعور ذاته.
وهنا تتحول الذكريات الجميلة إلى سجن؛ لأنه لا يتذكر الماضي ليشكر الله عليه، بل ليهرب إليه من حاضر لا يستطيع التصالح معه.
وقد يشعر أن الناس لم يعودوا يقدرونه، بينما الحقيقة أحيانًا أن الذي تغير ليس احترام الناس، وإنما نوع الاحترام الذي اعتاد أن يتلقاه.
فالاحترام الذي تصنعه السلطة صاخب، ظاهر، سريع.
أما الاحترام الذي تصنعه الأخلاق فهادئ، عميق، ويبقى بعد زوال السلطة.
من أنت عندما يُسحب الكرسي؟
لعل هذا هو السؤال الذي ينبغي لكل صاحب منصب أن يسأله نفسه وهو في ذروة سلطته:
من أكون إذا سُحب الكرسي من تحتي غدًا؟
هل لدي أسرة تعرفني أبًا وزوجًا قبل أن تعرفني مسؤولًا؟
هل لدي أصدقاء يحبونني أنا، لا ما أستطيع أن أقدمه لهم؟
هل بنيت لنفسي اهتمامات وقراءة وعبادة وهوايات وعلاقات تجعل لحياتي معنى خارج المكتب؟
هل أحسنت إلى الناس بما يكفي لأن تبقى دعواتهم لي عندما يتوقف توقيعي؟
هل يستطيع الموظف البسيط الذي كان يعمل تحت إدارتي أن يراني بعد عشرين عامًا فيبتسم، أم سيشيح بوجهه متذكرًا أيام سلطتي؟
هذه الأسئلة هي التي تكشف الفرق بين رجل كان يشغل منصبًا، ورجل كان المنصب يشغله.
المنصب اختبارٌ للأخلاق
قال رسول الله ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»
متفق عليه.
فالمنصب في المنظور الإسلامي ليس امتيازًا قبل أن يكون تكليفًا، وليس سلطة قبل أن يكون مسؤولية.
وكلما ارتفع الإنسان في موقعه، اتسعت دائرة مسؤوليته.
ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو من أعظم حكام عصره، يعيش إحساس المسؤولية أكثر مما يعيش لذة السلطة.
فالقائد الحقيقي لا يسأل: كم شخصًا يعمل تحتي؟
بل يسأل: كم إنسانًا أصبحت مسؤولًا عن حقه وكرامته؟
ولا يقول: أنا صاحب القرار.
بل يتذكر أن كل قرار قد يكون له أثر في بيت، ورزق، ومستقبل، وإنسان.
حين ينظر المسؤول إلى الناس من أعلى
وأشد ما يجعل سقوط المنصب مؤلمًا أن يستخدم صاحبه سنوات سلطته في التعالي على الآخرين.
يرى الموظف الصغير أقل منه.
ويتأخر عن الناس لأن وقته – في ظنه – أثمن من أوقاتهم.
ولا يسمع إلا من يوافقه.
ويعامل البسطاء بجفاء، بينما يلين لمن هو أعلى منه منصبًا.
ويظن أن الهيبة تُصنع بإخافة الناس.
ثم تدور الأيام…
ويصبح ذلك المسؤول السابق واحدًا من أولئك الذين كان يطلب منهم الانتظار.
وهنا يتعلم، ولكن بعد فوات الأوان، أن الكراسي كانت متباعدة، أما البشر فمتساوون في أصل كرامتهم.
قال تعالى:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
[لقمان: 18].
ما كان أجمل لو أدرك الإنسان هذه الحقيقة وهو على الكرسي، لا بعد أن يفقده.
المرض ليس لعنة المنصب… ولكن الفراغ قد يكون قاسيًا
ومن الإنصاف ألا نقول إن كل مسؤول سابق سيعيش تعيسًا أو مريضًا بعد تقاعده؛ فذلك ليس قاعدة، والمرض له أسبابه المختلفة.
لكن الانتقال المفاجئ من حياة ممتلئة بالقرار والنفوذ والاجتماعات والناس إلى حياة أكثر هدوءًا قد يكون صعبًا على من بنى هويته كلها حول وظيفته.
فإذا لم يكن للإنسان عالم خارج المنصب، وجد نفسه أمام فراغ هائل.
ومن هنا تأتي الحكمة في أن يبني المسؤول حياته قبل أن يغادر منصبه، لا بعده.
أن يبني أسرته.
أن يحفظ أصدقاءه الحقيقيين.
أن يعتني بصحته.
أن يقرأ.
أن يتعلم.
أن يعبد الله بعيدًا عن أعين الناس.
أن يربي أبناءه على أن النعمة ليست دائمة.
وأن يصنع لنفسه قيمةً لا تحتاج إلى بطاقة وظيفية كي تثبت وجودها.
بعض الناس يكبرون بعد المنصب
وليس كل من ترك منصبه انطفأ.
بل هناك رجال يصبحون أكبر بعد مغادرة الكرسي.
يلتقي بهم الموظفون السابقون فيحتفون بهم.
ويذكرهم الناس بالعدل.
ويقول أحدهم: “كان يستطيع أن يظلمني فلم يفعل.”
ويقول آخر: “وقف معي يوم احتجت إليه.”
ويقول ثالث: “لم أشعر يومًا وأنا أمامه أنني أقل منه.”
هذا هو المنصب الذي لم يتحول إلى لعنة.
لأن صاحبه عرف منذ البداية أن الكرسي سيرحل، فاستثمر في الشيء الوحيد الذي سيبقى:
أثره في قلوب الناس.
لا تجعل الناس يتمنون يوم رحيلك
يا صاحب المنصب…
سيأتي يوم تدخل فيه المبنى فلا يكون المكتب مكتبك.
وسيأتي شخص آخر يجلس على الكرسي الذي ظننته طويلًا جزءًا منك.
وستنتقل الملفات إلى توقيعه.
وسيرن الهاتف من أجله.
وسيناديه الناس باللقب الذي كانوا ينادونك به.
وهذه ليست مأساة.
هذه هي الحياة.
المأساة الحقيقية أن ترحل فيتنفس الناس الصعداء.
أن ينتهي نفوذك فتبدأ حكايات المظلومين.
أن يصبح أجمل يوم عند موظفيك هو اليوم الذي غادرت فيه.
أما أجمل نجاح، فهو أن تترك المنصب فيفتقد الناس إنسانك قبل إدارتك.
قبل أن يرحل الكرسي
لا تنتظر التقاعد لتتعلم التواضع.
ولا تنتظر زوال السلطة لتعرف قيمة البسطاء.
ولا تنتظر أن يتوقف هاتفك لتكتشف من كان يحبك حقًا.
ولا تنتظر أن تقف في الطابور لتفهم أن وقت الناس كان ثمينًا كما كان وقتك.
ولا تنتظر أن تصبح بلا قرار لتتذكر كم كان قرارك قادرًا على إسعاد إنسان أو إيذائه.
استخدم المنصب قبل أن يستخدمك.
واملك الكرسي، ولا تسمح للكرسي أن يمتلكك.
واجعل بينك وبين الناس جسرًا من الأخلاق يستطيعون عبوره إليك يوم لا يبقى في يدك شيء تقدمه لهم سوى نفسك.
فالمنصب مهما طال فصلٌ من حياة الإنسان، وليس حياته كلها.
والألقاب تنتهي.
والصلاحيات تنتقل.
والمكاتب يتغير أصحابها.
والسيارات الرسمية يقودها غيرك.
ويبقى سؤال واحد:
كيف يذكرك الناس عندما لا يعودون بحاجة إليك؟
هناك فقط تعرف حقيقة مكانتك.
فإن بقيت المحبة بعد زوال المصلحة، فقد كنت كبيرًا بأخلاقك.
وإن بقي الاحترام بعد سقوط اللقب، فقد كان الاحترام لك.
وإن طرق الناس بابك بعدما لم يعد وراءه قرار ولا منفعة، فقد ربحت شيئًا لا تمنحه المناصب ولا تستطيع القرارات شراءه.
أما لعنة المناصب الحقيقية، فليست في أن تفقد الكرسي…
بل في أن تكتشف بعد فقده أنك أمضيت عمرك تبني مكانتك فوقه، ولم تبنِ لنفسك مكانًا في قلوب الناس.













