بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط
في قلب عُمان، حيث تتعانق الجبال مع الواحات، وحيث تروي الأفلاج حكايات الأجداد جيلاً بعد جيل، تقف قلعة بهلاء شامخةً كأنها صفحةٌ مفتوحة من كتاب الزمن. لا تزال جدرانها الطينية العتيقة تحفظ بين ثناياها أسرار القرون، وتروي لكل زائر قصة وطنٍ صنع مجده بالصبر والإيمان والعلم والشجاعة.
وحين تقترب من أسوارها المهيبة، تشعر وكأنك تعبر بوابةً خفيةً إلى الماضي؛ إلى زمن الأئمة والقادة، وزمن القوافل التجارية التي كانت تجوب طرقات عُمان، وزمن البنّائين الذين أبدعوا في تشييد صرحٍ ظل واقفاً في وجه الرياح والعواصف والحروب، شاهداً على تعاقب العصور وتبدل الأزمنة.
تقع قلعة بهلاء في ولاية بهلاء بمحافظة الداخلية، إحدى أعرق ولايات سلطنة عُمان وأكثرها ارتباطاً بالتاريخ والحضارة. وقد ازدهرت هذه المدينة منذ قرون طويلة بفضل موقعها الاستراتيجي بين طرق التجارة ومصادر المياه والأراضي الزراعية الخصبة، فأصبحت مركزاً سياسياً واقتصادياً وعلمياً مهماً في تاريخ البلاد.
وتُعد قلعة بهلاء من أقدم وأكبر القلاع التاريخية في سلطنة عُمان، كما تُعد إحدى أبرز التحف المعمارية الطينية في العالم. ويعود تاريخ أجزائها الرئيسية إلى عهد بني نبهان الذين حكموا عُمان لقرون طويلة، واتخذوا من بهلاء مركزاً لحكمهم ونفوذهم، فشيدوا هذه القلعة الضخمة لتكون حصناً منيعاً ومقراً للإدارة والحكم والدفاع.
ولم تكن القلعة مجرد مبنى عسكري، بل كانت مدينةً صغيرةً متكاملة داخل أسوارها. فقد ضمت مساكن للحكام والحراس، ومخازن للتموين، وآباراً للمياه، وساحات للاجتماعات، وأبراجاً للمراقبة، ومرافق متعددة جعلتها قادرة على الصمود لفترات طويلة في أوقات الحصار والنزاعات.
وعلى امتداد الأفق، يمتد سور بهلاء التاريخي العظيم كأفعى طينية عملاقة تحتضن الواحة والبيوت والمزارع. ويُعد هذا السور من أطول الأسوار الطينية التاريخية في العالم، إذ يمتد لعدة كيلومترات حول المدينة القديمة، وقد شُيّد لحماية السكان والأفلاج والمزارع من الغزوات والأخطار التي كانت تهدد المنطقة عبر التاريخ.
ولم يكن اختيار موقع بهلاء مصادفةً، بل جاء نتيجة فهمٍ عميق للجغرافيا ومتطلبات الأمن والدفاع. فالمدينة تقع في منطقة تربط بين أجزاء واسعة من الداخل العُماني، الأمر الذي جعلها ذات أهمية سياسية وعسكرية كبيرة، ودفع الحكام والأئمة إلى الاهتمام بها على مر العصور.
وقد شهدت بهلاء أحداثاً تاريخية عديدة، وتعاقب عليها الأئمة والحكام والقادة، وكانت حاضرةً في كثير من المحطات المفصلية التي مرت بها عُمان. ومن فوق أبراجها العالية، راقب الحراس تحركات القوافل والجيوش، وشهدوا صعود دولٍ وأفول أخرى، بينما بقيت القلعة نفسها ثابتةً في مكانها، لا تنحني إلا لخالقها.
ولأن التاريخ لا يُبنى بالسيوف وحدها، فقد ازدهرت في بهلاء ميادين العلم والثقافة والصناعة. واشتهرت الولاية عبر القرون بعلمائها وفقهائها وأدبائها، كما ذاع صيتها بصناعة الفخار التقليدية التي ما زالت حتى اليوم إحدى أبرز سماتها التراثية. وكانت الأسواق القديمة تضج بالحركة، وتلتقي فيها القوافل والتجار القادمون من مختلف أنحاء البلاد.
وحين أدرجت منظمة اليونسكو قلعة بهلاء ضمن قائمة التراث العالمي، لم يكن ذلك تكريماً لمبنى أثري فحسب، بل اعترافاً عالمياً بقيمة حضارية تمثل جزءاً من ذاكرة الإنسانية. فالقلعة تجسد عبقرية الإنسان العُماني في التكيف مع البيئة، وتسخير مواردها لبناء حضارة مزدهرة استطاعت أن تترك بصمتها في صفحات التاريخ.
أما ولاية بهلاء نفسها، فهي لوحةٌ فريدة تجمع بين التاريخ والطبيعة والتراث. ففيها الواحات الخضراء التي تتدفق بينها الأفلاج، والحارات القديمة التي ما زالت تحتفظ بروح الماضي، والأسواق التي تعبق برائحة الفخار واللبان، والبيوت الطينية التي تحكي قصص أجيالٍ عاشت على هذه الأرض وأحبتها.
واليوم، وبعد أعمال الترميم التي أعادت للقلعة شيئاً من ألقها القديم، ما زالت بهلاء تستقبل زوارها من داخل عُمان وخارجها، ليقفوا أمام هذا الصرح المهيب ويتأملوا عظمة التاريخ. هناك، بين الأبراج والأسوار، يدرك الزائر أن الحضارات لا تُقاس بما تمتلكه من قوةٍ عابرة، بل بما تتركه من إرثٍ خالد يظل ملهماً للأجيال.
إن قلعة بهلاء ليست مجرد جدرانٍ من الطين والحجارة، بل روح وطنٍ ما زالت تنبض بالحياة. إنها الحارس الصامت الذي حفظ ذاكرة عُمان عبر القرون، والبوابة التي يدخل منها العابرون إلى عالمٍ من الأمجاد والحكايات والبطولات.
وحين تغيب الشمس خلف جبال الداخلية، وتنساب ظلال المساء على أبراج القلعة العتيقة، تبدو بهلاء وكأنها تهمس لزوارها بصوت التاريخ:
*”هنا مرّ الأجداد، وهنا كُتبت الحكايات، وهنا سيبقى مجد عُمان ما بقيت الأرض والسماء.”*














