صناعة الرئيس

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

صناعة الرؤساء في عالم اليوم معادلة معقدة تتداخل فيها إرادة الشعوب مع موازين القوة الداخلية والخارجية والحسابات السياسية. فالعواصم الكبرى قد تؤثر في المسارات وتدعم خيارات وتحاول هندسة التحولات وفق مصالحها، لكنها لا تستطيع صناعة شرعية مستدامة. فالرئيس الذي لا يستند إلى قبول وطني يبقى رهين ظرف استثنائي، لأن موقعه لا يتعلق بالسلطة فقط، بل بدوره في تشكيل مستقبل الدولة.

الاثنين الماضي، التقى رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان قيادات الكتلة الديمقراطية في الخرطوم، مجددًا التزامه بإطلاق حوار سوداني ـ سوداني، وتعهد بعدم التدخل في مخرجاته، مع توفير الضمانات اللازمة لعودة القوى السياسية وتهيئة المناخ للحوار. وبالتزامن مع حراك سياسي موازٍ في نيروبي لبحث ترتيبات إنهاء الحرب ومستقبل العملية السياسية، تصاعدت في الداخل دعوات أطلقها رئيس المجلس الأعلى لنظارات البجا محمد الأمين ترك، وأيدتها لاحقًا قوى أخرى، لتفويض البرهان رئيسًا للجمهورية وحل مجلس السيادة.

هذا التزامن يعكس دخول السودان مرحلة إعادة توزيع النفوذ السياسي استعدادًا لمرحلة قادمة، حيث بات الصراع حول شكل السلطة لا يقل أهمية عن معركة الميدان. وفي المقابل، تطرح اجتماعات نيروبي رؤية تقوم على شراكة مدنية في المرحلة الانتقالية، لكنها تواجه واقعًا سياسيًا معقدًا، إذ ترى قطاعات واسعة أن تحالف “صمود” تراجع بسبب مواقف مكوناته من الحرب، وما يُنظر إليه كتـنسيق مع مشروع الدعم السريع، فضلًا عن مسؤولية سياسية يحملها البعض لقياداته عن انهيار مسار الانتقال. لذلك يطالب كثيرون بأن يسبق أي دور سياسي مستقبلي مسار عدالة انتقالية يضمن المحاكمة العادلة وحق الدفاع، لتكون العدالة أساسًا للمصالحة لا غطاءً للإقصاء أو الإفلات من العقاب.

وفي تقديري، فإن الخطأ الأكبر هو اختزال المشهد في سؤال يُفوَّض البرهان أم لا؟ لأن القضية ليست التفويض، وإنما صناعة شرعية جديدة للدولة. فالرئاسة إحدى نتائج التسوية، أما جوهر الصراع فهو من يضع القواعد، ومن يمتلك حق هندسة المشهد.

في جانب آخر، اكتسبت الندوة السياسية المشتركة التي عقدها حزبا الأمة القومي والاتحادي الديمقراطي الأصل في أم درمان الثلاثاء، دلالة مهمة. فهي تمثل أول ظهور سياسي منظم للحزبين ، داخل البلاد منذ اندلاع الحرب، بما قد يعكس بداية استعادة القوى التقليدية لحضورها في معادلة ما بعد الحرب. كما أن توافقهما على مبادئ الحوار السوداني، ووحدة الدولة، ورفض الإقصاء، والاستعداد للانتخابات، يرسل رسالة بأن الأحزاب ذات الامتداد الاجتماعي تسعى إلى استعادة دورها في رسم المرحلة المقبلة، وعدم ترك الساحة محصورة بين الفاعلين العسكريين أو تحالفات الحرب.

في المقابل، تتطلب قراءة الموقف الدولي واقعية، إذ لم تُظهر التطورات منذ اندلاع الحرب اعتراضًا جوهريًا على بقاء البرهان، بل تعاملت معظم المبادرات معه كطرف لا يمكن تجاوزه. غير أن المجتمع الدولي يربط استقرار المرحلة الانتقالية بغطاء مدني يوسع القبول السياسي. أما القوى الإقليمية فتتعامل مع السودان وفق حسابات البحر الأحمر والقرن الأفريقي والأمن العربي، ما يجعل التأثير في شكل السلطة المقبلة مستمرًا عبر التفاوض والتحالفات. لكن النفوذ الخارجي، مهما اتسع، لا يصنع شرعية بلا قبول وطني.

ومن مفارقات الحرب أنها أعادت رسم الخريطة السياسية الداخلية. فقد أعاد التيار الإسلامي تنظيم صفوفه، وبرز كأحد الفاعلين الذين يصعب تجاوزهم في أي معادلة سياسية، ما يفسر حرص بعض الفاعلين الدوليين والإقليميين على بناء توازنات تحول دون هيمنة تيار واحد على السلطة. وفي المقابل، أعلنت قيادات إسلامية، بينها د. أمين حسن عمر، أنها لا تسعى للمشاركة في سلطة انتقالية بلا تفويض شعبي، لينتقل الجدل من صراع التمثيل إلى صراع الشرعية.

وفقًا لماتقدم يصبح السيناريو الأرجح هو استمرار قيادة البرهان للدولة خلال ما تبقى من المرحلة الانتقالية، سواء عبر الإطار القائم لمجلس السيادة أو ضمن صيغة رئاسية توافقية تحددها مخرجات الحوار السوداني، السوداني ، مع توسيع قاعدة المشاركة السياسية وصولًا إلى انتخابات عامة تعيد الشرعية إلى صندوق الاقتراع. ويظل هذا المسار الأكثر اتساقًا مع موازين القوى التي أفرزتها الحرب، والأقدر على تحقيق قبول اقليمي و دولي، دون تجاوز حقيقة أن مركز القرار السياسي والعسكري بات داخل البلاد.

ختامًا و بحسب #وجه_الحقيقة، فإن معركة السودان لا تتعلق فقط بكيفية صناعة الرئيس، سواء عبر مجلس السيادة أو من خلال رئاسة الجمهورية، ومن سيمتلك مفاتيح القرار في تشكيلها. فصناعة الرئيس هي صناعة للدولة، كما أنها انعكاس لموازين القوة، وإرادة الداخل، وحدود تأثير الخارج. وسيظل الإقليم والمجتمع الدولي طرفين مؤثرين، لكن التجربة أثبتت أن الشرعية المستدامة لا تُمنح من الخارج، بل تُبنى بإرادة وطنية قادرة على إدارة التعدد والخلاف داخل إطار دستوري جامع. عندها تصبح صناعة الرئيس قرارًا سودانيًا خالصًا، ويكون انتصار ما بعد الحرب للدولة لا للأشخاص.

دمتم بخير وعافية.
الخميس 23 يوليو 2026 م Shglawi55@gmail.com

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24