خالد غواص
اليوم سأخصص هذا المقال للحديث عن سيرة رجل عظيم سيرة كان ذلك الرجل يروي تفاصيلها بنفسه في لقاء جمع نخبة من علماء ومفكري وكبار شخصيات جمهورية مصر العربية من علماء الدين والكتاب والمفكرين والأطباء والمثقفين الذين خصصوا صالوناً للاحتفاء بتلك الشخصية العظيمة التي أعتقد من وجهة نظري أنه من الصعب أن يجود الزمن بمثلها مجدداً .
نحن نعيش اليوم في وقت قل فيه شغف البحث والمعرفة والعلوم وخفتت فيه الرغبة في القراءة لدى أغلب الناس في مختلف دول العالم وأعتقد أن ذلك يعود إلى حد كبير إلى سبب رئيسي وهو الإنتشار الواسع للمعرفة والمعلومات وسهولة الوصول إليها بفضل التقنية الحديثة حتى أصبح الإنسان قادراً على الحصول على ما يريد من معلومات وأبحاث دون أن يكلف نفسه الكثير من الوقت أو الجهد ،
وأعتقد جازماً أن لهذا التحول إنعكاسات ستظهر آثارها في مختلف المجالات وربما تكون الغلبة في نهاية المطاف للذكاء الاصطناعي ،
Artificial Intelligence – AI
الذي أصبح اليوم حاضراً في معظم مناحي الحياة بشكل عام
ولعل الشخصية التي سنتحدث عنها اليوم سبقت عصرها وأمتلكت من الشغف بالبحث والمعرفة ما جعلها تواكب كثيراً من العلوم والإكتشافات الحديثة في وقت كان فيه الوصول إلى المعلومة يعتمد على الكتب والمراجع والأبحاث العلمية والسفر والتنقل والإقامة في البلدان المختلفة سعياً وراء المعرفة وهو ما كان يدفع المهتمين إلى حضور المؤتمرات والندوات العالمية التي تنظمها الدول المتقدمة في مختلف التخصصات العلمية .
بل إن هذه الشخصية التي سنتحدث عنها اليوم عبر هذه المقال كانت تستقبل الوفود الأجنبية والعربية القادمة من خارج البلاد للإستفادة من علمها وإستقاء المعلومات منها إن صح التعبير ،
إنه عالم عربي مصري لا تقل مكانته العلمية والفكرية أهمية عن كثير من العلماء الأجانب في مجالات الطب والفيزياء والأحياء وعلوم الأرض والفضاء والكون إنه العالم والمفكر والطبيب المصري الشهير الأستاذ الدكتور مصطفى محمود
من منا لم يسمع عنه ومن منا لا يعرف الدكتور مصطفى محمود الذي قدم أكثر من 400 حلقة مسجلة تحت عنوان العلم والإيمان ذلك البرنامج الذي يُعد من أشهر البرامج التلفزيونية العربية التي جمعت بين الثقافة والعلوم والفكر وكانت حلقاته تُبث عبر التلفزيون المصري كل يوم إثنين في تمام الساعة التاسعة مساءً وأستمر عرضه قرابة 28 عاماً من عام 1971م حتى عام 1999م .
أتذكر عندما كنت طالباً في جمهورية مصر العربية في أواخر التسعينيات أنني كنت أتابع بعض حلقات ذلك البرنامج وفي تلك المرحلة حقيقةٍ لم أكن مهتماً بالفكر والثقافة كما أنا اليوم ولم يكن لدي الشغف نفسه بالعلوم والمعرفة فقد كنت شاباً صغيراً في مقتبل العمر ولم تتبلور لدي بعد الرغبة الكبيرة في البحث والاطلاع كنت أشاهد التلفاز فإذا صادفت إحدى حلقاته تابعتها فقد كان للدكتور مصطفى محمود أسلوب قوي وجذاب يجذب المشاهد ويجعله يتابع الحلقة حتى نهايتها كان رجلاً مؤثراً بحق يمتلك أسلوباً هادئاً وحواراً بسيطاً لكنه مليء بالمعلومات والأفكار التي تجعلك حريصاً على عدم تفويت أي جزء من حديثه .
وبعد أن قرأت لاحقاً عن هذا الرجل وتعرفت على شخصيته من خلال حواراته وما قرأت من مقالاته وبدأ إهتمامي بالفكر والثقافة والمعرفة يكبر عدت مجدداً إلى تلك الحلقات وتابعت الكثير منها خلال السنوات الأخيرة بعدما أعادت العديد من القنوات الفضائية بثها .
ولعل ذلك يعود إلى أن مرحلة الشباب المبكر تختلف عن المراحل العمرية اللاحقة فالإنسان كلما تقدم به العمر قليلاً أزدادت قدرته على إدراك قيمة المعرفة ونما لديه شغف الإهتمام بالثقافة والقراءة والبحث والتأمل .
فالعقول التي لا تفكر ولا تقرأ تحرم نفسها من تنشيط قدراتها الذهنية وتضعف لديها ملكة التحليل والإستيعاب والتفكير فالقراءة غذاء للعقل كما أن الطعام غذاء لبقية خلايا الجسم وهي وسيلة أساسية لتنمية المعرفة والمحافظة على النشاط الذهني وهذه حقيقة تؤكدها الدراسات العلمية في مجال وظائف الدماغ والتعلم .
وُلد الدكتور مصطفى محمود في جمهورية مصر العربية بمحافظة المنوفية عام 1921م وتوفي عام 2009م وهو طبيب ومفكر وكاتب وفيلسوف مصري شهير يُعد من أبرز الشخصيات الثقافية والفكرية في العالم العربي خلال القرن العشرين
جمع في كتاباته وأعماله بين العلوم الطبيعية والفلسفة والدين والأدب والفن والمسرح وترك بصمة مميزة في الثقافة العربية من خلال مؤلفاته وبرامجه التلفزيونية وحواراته الفكرية
وقد تعرض في مرحلة من مراحل حياته لاتهامات بالإلحاد بسبب تساؤلاته الفكرية والفلسفية حول الوجود والخلق والحياة لكنه كان يوضح في حواراته أن طبيعة شخصيته تقوم على التفكير والبحث والتساؤل وأنه خُلق مفكراً يميل إلى البحث عن الإجابات وأن تلك التساؤلات هي التي دفعت البعض إلى تصنيفه ووضعه في تلك الزاوية
وكان يؤكد أن ذلك الإتهام لا يعبر عن حقيقة مسيرته الفكرية وأن دراسته للطب وتأمله في أسرار الخلق والوجود قاداه إلى البحث عن إجابات لكثير من التساؤلات التي كانت تدور في ذهنه
ومن الآيات القرآنية التي تستحضر هذا المعنى قوله تعالى: “قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكّرون”
وقوله تعالى: “وفي أنفسكم أفلا تبصرون ”
وقد ترك الدكتور مصطفى محمود إرثاً فكرياً وأدبياً كبيراً يضم ما يقارب 80 كتاباً تناولت موضوعات متنوعة في الفكر والفلسفة والدين والعلوم والحياة ومن أشهر مؤلفاته:
رحلتي من الشك إلى الإيمان.
حوار مع صديقي الملحد.
لغز الحياة.
لغز الموت.
القرآن محاولة لفهم عصري.
الله والإنسان.
رأيت الله.
الإسلام ما هو .
إضافة إلى العديد من المؤلفات واللقاءات والحوارات والبرامج التلفزيونية التي أثرت المكتبة العربية والحياة الثقافية والفكرية .
ولم يقتصر عطاؤه على التأليف والإعلام ونشر المعرفة بل أمتد إلى العمل الخيري والإنساني إذ أسس عام 1979م مسجد مصطفى محمود في حي المهندسين بالقاهرة وهو المسجد الذي زرته شخصياً وصليت فيه ، كما أقام بجوار المسجد مؤسسة خيرية تضم مجموعة من الخدمات الطبية والمراكز العلاجية التي تقدم الرعاية للمرضى محدودي الدخل إلى جانب أنشطة علمية وثقافية وخدمات إنسانية متنوعة وقد قُدرت أعماله الخيرية بنحو مائة مليون جنيه في صورة تعكس جانباً آخر من شخصيته وعطائه للمجتمع .
حصل الدكتور مصطفى محمود على جائزة الدولة التقديرية في مصر عام 1995م تقديراً لإسهاماته الفكرية والأدبية والثقافية .
ثلاث سنوات صنعت عالماً ومفكراً
نستطرد الآن إلى ما دار في حديثه أمام العلماء والمفكرين الذين احتفوا به حيث تطرق إلى مراحل مختلفة من طفولته ونشأته وروى تفاصيل قد لا يعرفها الكثيرون عن حياته .
يقول الدكتور مصطفى محمود إنه عندما كان طالباً في السنوات الأولى من دراسته تعثر دراسياً ورسب ثلاث سنوات في المراحل الأولى وكان عندما يعود من المدرسة يسأله والده كم حصلت اليوم فيجيبه صفر .
وكان والده يكرر عليه السؤال وفي كل مرة يسمع الإجابة نفسها صفر ومع ذلك كان الوالد يضحك ولا يأخذ الأمر على محمل الجد أو التشدد فقد كان رجلاً متديناً بحسب وصفه .
ويرجع مصطفى محمود سبب تعثره في تلك المرحلة إلى أسلوب بعض المعلمين في التعامل مع الطلاب حيث كانوا يتعاملون معهم بشدة ويضربونهم وينهرونهم بأصوات مرتفعة الأمر الذي كان يثير الخوف في نفسه ويجعله غير قادر على التركيز والتفاعل داخل الفصل الدراسي .
ويستطرد في حديثه قائلاً إنه كان منذ طفولته محباً للتفكير والتأمل وكان يهوى كتابة الزجل في سن مبكرة وإن كانت كتاباته آنذاك بسيطة ولا ترقى إلى المستوى الذي وصل إليه لاحقاً لكنها كانت تتناسب مع عمره وفكره في تلك المرحلة.
وبعد سنوات، تمكن من التغلب على مشاعر الخوف التي كانت تسيطر عليه وبدأ مستواه الدراسي يتحسن بصورة كبيرة حتى أصبح يحصل على درجات متقدمة وكان من بين المتفوقين في المدرسة .
ويذكر أيضاً أنه كان في طفولته ضعيف المناعة كثير المرض حتى إن الإصابة بالإنفلونزا البسيطة كانت تجعله يمرض وكان يشعر دائماً بأنه يعاني من ضعف صحي .
ومع ذلك واصل تعليمه حتى أنهى المرحلة الثانوية وتم تعليق إسمه ضمن لائحة الشرف على مستوى الجمهورية تقديراً لتفوقه وحصوله على درجات متقدمة .
وبعد إنتهاء المرحلة الثانوية أشار عليه أخوه الأكبر بالإلتحاق بالكلية العسكرية حتى يتخرج ضابطاً إلا أن مصطفى محمود لم تكن لديه ميول نحو الرتب العسكرية أو الحياة العسكرية فقد كانت إهتماماته مختلفة تماماً وكان يميل إلى البحث والطب والعلوم والكهرباء والفن وغيرها من المجالات .
لكن أخاه الأكبر أصر على اختياره فوافقه على ذلك وتقدم لإجراء المقابلة الخاصة بالإلتحاق بالكلية العسكرية .
وبعد إنتهاء المقابلة بارك له الضابط المسؤول وقال له مبروك خلاص أنت حتتخرج ضابطاً ،
إلا أن الضابط لاحظ أنه لم يكن سعيداً بهذا الخبر فسأله لماذا لا أراك سعيداً بسماع هذه البشرى
فأجابه مصطفى محمود بأنه لا يرغب في هذا المجال وأن أخاه هو من أصر عليه للإلتحاق به بينما كانت ميوله الحقيقية تتجه نحو الطب والبحث والعلوم ومجالات أخرى .
فرد عليه الضابط بحسب ما رواه بما معناه خلاص أعتبر نفسك سقطت وكان هذا بالضبط ما يتمناه مصطفى محمود فأبلغ أخاه بأنه لم ينجح في المقابلة وعندها قال له أخوه إذن أدرس الطب فوافق والتحق بكلية الطب .
وهنا بدأت مرحلة جديدة ومختلفة في حياته
يقول إنه عندما التحق بكلية الطب وجد نفسه أمام نظام تعليمي يتطلب الكثير من الجهد والإجتهاد فكانت هناك إختبارات فصلية لا بد للطالب من إجتيازها حتى يتمكن من مواصلة دراسته وكان التعليم في ذلك الوقت يتسم بالصرامة والصعوبة وكان أساتذة الجامعات ورؤساء الأقسام من كبار الأساتذة والعلماء ومن بينهم أساتذة أجانب
ويشير إلى أن مصر في تلك المرحلة كانت تولي التعليم والجامعات والأبحاث العلمية والطبية اهتماماً كبيراً وتخصص لها ميزانيات وموازنات مالية مهمة الأمر الذي كان ينعكس على مستوى التعليم والبحث العلمي
وبعد قبوله في كلية الطب بدأت تتجلى لديه الرغبة الحقيقية في البحث عن أسرار جسم الإنسان وفهم تفاصيل تكوينه وأجهزته وخلاياه
ويروي أنه قام بشراء نصف جثة بشرية من المشرحة والمشرحة هي المكان الذي يتدرب فيه طلاب الطب على تشريح جسم الإنسان والتعرف على أعضائه ومكوناته وتفاصيله التشريحية
وبحسب روايته كانت الجامعة تسمح في ذلك الوقت ببيع الجثث للطلاب الراغبين في اقتنائها لأغراض الدراسة والبحث شريطة توفر المعمل والإمكانات اللازمة
وكان مصطفى محمود يجمع من مصروفه الشخصي حتى يتمكن من شراء بعض المواد الكيميائية والأدوات التي يحتاج إليها إلى أن استطاع شراء نصف الجثة العلوي ويقول إنه كان منذ صغره يحمل الكثير من التساؤلات حول خلق الإنسان وتكوينه وكان يبحث عن إجابات لها ولذلك وجد في تلك التجربة فرصة للتعمق في دراسة أسرار الجسم البشري وفهم ما كان يدور في ذهنه من أسئلة
فبدأ يقضي أوقاتاً طويلة في دراسة الجثة وتشريحها والبحث في تفاصيل الدماغ ومراكز التخزين والذاكرة والخلايا المرتبطة بالمخ وكيفية عملها وكان يستغرق في البحث والدراسة ساعات طويلة كل يوم وكان متفوق في دراسته
وبعد أن ينتهي من عمله كان يضع الجثة تحت السرير وينام فوقه وكانت الجثة محفوظة ومعقمة بإستخدام مواد كيميائية حافظة لكنه لم يكن يدرك مدى خطورة تلك المواد وسميتها ولا تأثير إستنشاقها على صحة الإنسان نتيجة حماسه الشديد للبحث وشعوره بأنه وجد أخيراً ضالته في الإجابة عن تساؤلاته القديمة
وبعد فترة بدأ يشعر بضيق في التنفس وأصيب بكحة شديدة وعندما خضع للفحص الطبي تبين أن أكثر من نصف رئته قد تعرض للتلف بحسب ما رواه عن تلك التجربة
ويقول إنه تلقى العلاج وأضطر إلى التوقف عن الدراسة لمدة ثلاث سنوات خضع خلالها للعلاج والعزل حيث حُجز في غرفة مغلقة لفترة طويلة حتى يتمكن من التعافي ،
لقد مر بمرض شديد كاد أن يودي بحياته وبعزلة قاسية لا يستطيع كثير من الناس تحملها ثلاث سنوات من الإبتعاد عن الحياة الطبيعية والدراسة والإختلاط بالآخرين
لكنه قرر الصبر والتحمل وهداه الله خلال تلك الفترة إلى القراءة فقد كانت الكتب هي رفيقته الوحيدة في تلك العزلة ولم يكن أمامه سوى أن يستثمر وقته في الإطلاع والبحث والمعرفة
وهنا حدث التحول الأكبر في حياته .
يقول إنه قرأ خلال تلك السنوات الأدب العربي كاملاً والأدب الإنجليزي والفرنسي والعالمي وأطلع على سير العلماء والفلاسفة والمفكرين في العصور القديمة بدءاً من سقراط وأفلاطون ونيوتن وصولا هيجل و إديسون وعلماء العصر الحديث وإكتشافاتهم كما قرأ عن الحضارات المختلفة التي مرت على العالم وتعمق في تاريخها وأفكارها وإنجازاتها ، لقد تحولت سنوات المرض والعزلة التي بدت في بدايتها محنة قاسية ومصيبة كبيرة إلى فرصة إستثنائية أعادت تشكيل شخصيته وصنعت منه إنساناً مختلفاً ، ويقول إن تلك السنوات الثلاث كانت هي التي أسهمت في تكوين شخصيته الحالية شخصية الإنسان الصبور والمفكر والحالم والمتأمل وهي التي مهدت الطريق لبروز مصطفى محمود الذي يجلس العلماء والمفكرون اليوم للإحتفاء به وتكريمه وهنا تكمن العبرة التي أراد أن يوصلها من خلال روايته فليس كل ما يصيب الإنسان من محن ومصائب يكون شراً محضاً فقد تحمل بعض المحن في داخلها بدايات لنجاحات عظيمة وقد تأتي المنح من رحم المحن ويكون في باطن المصائب خير لا يدركه الإنسان إلا بعد مرور الزمن .
فسبحان من يجعل من المحنة منحة ومن الألم بداية لطريق النجاح والتميز .
………
الخميس: ٥ نوفمبر ٢٠٢٦م .















