بيتٌ واحد وقلوبٌ متباعدة… ماذا فعلت بنا الهواتف؟

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

كان البيت قديمًا مكانًا نعود إليه من العالم…

أما اليوم، فقد حملنا العالم معنا إلى البيت.

دخل معنا في جيوبنا.

وجلس معنا على مائدة الطعام.

ودخل غرف نومنا.

ورافقنا في مجالسنا.

حتى أصبحنا أحيانًا خمسة أشخاص في غرفة واحدة…

لكننا لسنا معًا.

الأب يتابع الأخبار.

والأم تنتقل بين الرسائل والمقاطع.

والابن في لعبة إلكترونية.

والابنة في عالم مواقع التواصل.

والطفل الصغير يشاهد مقاطع لا تنتهي.

الجدران تجمعهم…

لكن الشاشات تفرق انتباههم.

نحن قريبون جدًا… وبعيدون جدًا

ما أغرب هذا الزمن.

نستطيع خلال ثوانٍ أن نتحدث مع إنسان في آخر الأرض، لكننا قد نعجز عن الحديث مع الشخص الجالس على الطرف الآخر من الأريكة.

نعرف ماذا تناول أحد المشاهير على الإفطار…

ولا نعرف لماذا كان ابننا حزينًا اليوم.

نعرف أين سافر فلان، وماذا اشترت فلانة، وما القضية التي يتجادل حولها الناس…

لكننا ربما لم نسأل أمنا الجالسة معنا:

كيف كان يومك؟

لقد قرب الهاتف البعيد…

لكننا حين أسأنا استخدامه، أبعد القريب.

مائدة الطعام التي صمتت

كانت المائدة أكثر من مكان للطعام.

كانت مكانًا للحكايات.

كيف كان يومك؟

ماذا حدث في المدرسة؟

ماذا قال لك المدير؟

ما خطتنا لعطلة نهاية الأسبوع؟

ثم بدأت الهواتف تحتل المقاعد بصمت.

يصل إشعار، فيمد أحدهم يده.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

وبعد دقائق، ينخفض صوت الحديث، ولا يبقى إلا صوت المقاطع القصيرة وأصابع تتحرك فوق الشاشات.

وربما يحدث الأمر الأكثر غرابة:

يرسل أحد أفراد الأسرة مقطعًا إلى شخص يجلس بجواره!

نحن لم نفقد القدرة على التواصل…

بل أصبح لدينا من وسائل التواصل ما جعلنا أحيانًا ننسى التواصل نفسه.

«لحظة… أنا مشغول»

قد يأتي الطفل إلى أبيه يحمل رسمة صنعها.

بابا، انظر!

فيرد الأب وعينه في الهاتف:

لحظة.

تأتي الطفلة لتخبر أمها بما حدث في المدرسة:

ماما، تعرفين ماذا حدث اليوم؟

فتقول:

انتظري قليلًا.

والمشكلة ليست في «اللحظة» الواحدة.

كلنا ننشغل.

لكن ماذا لو أصبحت تلك اللحظة سنوات من طفولة أبنائنا؟

فالطفل الذي حاول الحديث معنا عشر مرات ولم يجد عيوننا، قد يتوقف في المرة الحادية عشرة عن المحاولة.

وحين نضع الهاتف أخيرًا ونقول:

لماذا ابني لا يتحدث معي؟

قد يكون الجواب مؤلمًا:

لأنه حاول طويلًا عندما كان يريد الحديث… ولم نكن نستمع.

المشكلة ليست في الهاتف

ولنكن منصفين.

الهاتف ليس عدوًا.

به نطمئن على أهلنا، ونتعلم، ونعمل، ونقرأ، وندير شؤون حياتنا، ونحفظ ذكرياتنا، ونصل أرحامًا تفصلنا عنها آلاف الكيلومترات.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى سيد للوقت والانتباه.

عندما لا نستطيع تناول وجبة دونها.

ولا انتظار خمس دقائق دون فتحها.

ولا الحديث مع شخص دون النظر إلى إشعار.

ولا الذهاب إلى النوم قبل جولة أخيرة بين التطبيقات.

لقد دخل الهاتف حياتنا ليخدمنا…

فمتى بدأنا نحن نخدمه؟

أبناؤنا يتعلمون منا قبل أن يسمعوا نصائحنا

نقول للطفل:

اترك الهاتف.

بينما الهاتف في أيدينا.

نقول:

لا تستخدمه أثناء الطعام.

ثم يصلنا إشعار فنفتحه.

نقول:

أنت مدمن ألعاب.

بينما نقضي نحن ساعات نتنقل بين المقاطع والأخبار والمحادثات.

وهنا لا يحتاج الطفل إلى محاضرة.

إنه ينظر فقط.

وقد أكدت إرشادات الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال في السنوات الأخيرة أهمية ألا تقتصر الأسرة على حساب «عدد ساعات الشاشة»، بل تنظر كذلك إلى نوع الاستخدام وسياقه وما يزيحه من أنشطة مهمة، مثل النوم والحركة والعلاقات الأسرية، مع أهمية أن يقدم الوالدان نموذجًا صحيًا في استخدام الوسائط الرقمية.

فأقوى رقابة أبوية ليست دائمًا برنامجًا نضعه في هاتف الطفل…

قد تكون أبًا يعرف متى يضع هاتفه جانبًا.

سرقة الانتباه

ربما يكون أخطر ما تأخذه الهواتف منا ليس الوقت وحده.

إنها تأخذ الانتباه.

والانتباه أحد أجمل أشكال الحب.

عندما يحدثك شخص وتنظر إليه، فأنت تقول دون كلام:

أنت مهم الآن.

وعندما يحدثك وأنت تتصفح هاتفك، قد تصل إليه رسالة أخرى:

هناك شيء على هذه الشاشة أهم منك.

ولذلك قد يجلس زوجان ساعات في المكان نفسه دون حديث حقيقي.

لا مشكلة كبيرة بينهما.

لا خصومة.

لا شجار.

لكن العلاقة تضعف بطريقة أكثر هدوءًا…

تموت من قلة الانتباه.

فالعلاقات لا تنهار دائمًا بانفجار كبير.

بعضها يذبل قليلًا كل يوم.

نصور اللحظة… وننسى أن نعيشها

نسافر مع الأسرة، فننشغل بتصوير الرحلة.

يأتي الطعام، فنصوره.

يجتمع الأقارب، فنصورهم.

يلعب الأطفال، فنصورهم.

تغرب الشمس، فنرفع الهواتف.

ولا مشكلة في الاحتفاظ بالذكريات.

لكن أحيانًا يستحق المشهد أن نراه بأعيننا أولًا، لا من خلال العدسة.

فليست كل لحظة تحتاج أن يعرف بها الآخرون.

بعض اللحظات خُلقت لكي نعيشها فقط.

وربما أجمل صورة في الرحلة…

هي الصورة التي لم نلتقطها، لأننا كنا مشغولين بالسعادة.

فلنصنع مناطق بلا هواتف

الحل ليس أن نرمي الهواتف.

ولا أن نحول البيت إلى معسكر من القوانين.

نحتاج فقط أن نستعيد بعض المساحات التي أخذتها منا الشاشة.

مائدة طعام بلا هواتف.

نصف ساعة نجلس فيها مع أبنائنا.

حديث بين الزوجين قبل النوم لا يشاركهما فيه أحد من خلف الشاشة.

زيارة للأبوين يكون الهاتف فيها صامتًا قدر الإمكان.

رحلة عائلية نترك فيها مساحة للنظر والحديث والضحك.

والأهم:

عندما يأتي ابنك ليحدثك في أمر مهم…

ضع الهاتف.

وانظر إليه.

فقد لا تعرف قيمة تلك الدقائق الآن، لكنه قد يتذكرها طوال حياته.

﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

وصف الله العلاقة الزوجية بقوله:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[الروم: 21].

وتأمل كلمة:

﴿لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.

فالبيت ليس فندقًا ينام فيه أفراد الأسرة تحت سقف واحد.

إنه سكن.

ومودة.

ورحمة.

وحديث.

وإنصات.

وحضور.

ولا تكفي أجسادنا لتصنع هذا الحضور…

لابد أن تحضر معها قلوبنا.

سيأتي يوم يصبح فيه البيت هادئًا

هذه الطفلة التي تقاطعك اليوم ستكبر.

وهذا الطفل الذي يزعجك بأسئلته سيصبح رجلًا له حياته.

والابن الذي تطلب منه أن يتركك قليلًا قد يأتي يوم تتمنى فيه أن يجلس معك ساعة.

ستكبر الأسرة.

ويتزوج الأبناء.

وتصبح الغرف أكثر هدوءًا.

وقد تجلس يومًا على الأريكة نفسها، والهاتف نفسه بين يديك…

لكن الأصوات التي كانت تزعجك لن تكون موجودة.

وعندها قد تدرك أن الضجيج الذي كنت تهرب منه إلى هاتفك…

كان هو الحياة.

لذلك لا تنتظر حتى يصبح البيت هادئًا لتعرف قيمة الأصوات التي كانت تملؤه.

ولا تنتظر حتى يكبر أبناؤك لتبحث عن الأحاديث التي أجلتها.

ولا تجعل هاتفًا اشتريته ليقربك من الناس…

سببًا في ابتعاد أقرب الناس إليك.

ضعه جانبًا أحيانًا.

انظر إلى الوجوه التي حولك.

اسأل.

استمع.

اضحك.

تناولوا الطعام وأنتم حاضرون حقًا.

فليس الخطر أن تكون في بيتنا خمس شاشات…

الخطر أن تصبح لدينا خمس حيوات منفصلة تحت سقف واحد.

وقد يأتي يوم نكتشف فيه أننا كنا متصلين بالعالم كله…

إلا بمن كانوا يجلسون إلى جوارنا.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24