بقلم: وحيد الأطرش
تفرض التجارب الصيدلانية في المنطقة التوقف عند أربع محطات بارزة؛ فالأردن يمتلك خبرة عريقة في تصنيع الأدوية وتصديرها، ونجح في بناء سمعة دولية في الأسواق الدوائية. أما مصر، فتستند إلى قاعدة صناعية واسعة وسوق دوائية استراتيجية، جعلتها من أبرز مراكز الإنتاج والاستهلاك في المنطقة. وفي المقابل، تراهن المملكة العربية السعودية على استثمارات ضخمة وتوجهات استراتيجية لتوطين الصناعات الدوائية وتطوير التكنولوجيا الصحية، بما يعزز مكانتها في مستقبل الصناعة الصيدلانية.
أما الجزائر، فقد صنعت خلال السنوات الأخيرة تحولاً صناعياً يستحق قراءة استثنائية. لم تعد مجرد سوق تعتمد على استيراد الأدوية، بل أصبحت قوة صيدلانية صاعدة تمتلك قاعدة إنتاجية واسعة ومؤشرات تضعها في مقدمة المشهد الإفريقي. فقد تجاوز عدد مؤسساتها الصيدلانية 230 مؤسسة، وأصبحت الصناعة المحلية تغطي نحو 82% من احتياجات السوق الوطنية، وفق ما أعلنه المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في نوفمبر 2025، مشيراً إلى أن الجزائر تسجل أعلى نسبة تغطية دوائية محلية في إفريقيا.
هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات إنتاجية، بل تعكس تحولاً عميقاً في بنية الاقتصاد الصيدلاني الجزائري؛ انتقالاً من الاعتماد على الخارج إلى بناء قدرات وطنية في التصنيع والاستثمار ونقل التكنولوجيا، ومن سوق تستوعب منتجات الآخرين إلى دولة تمتلك إمكانات إنتاجية تؤهلها للمنافسة خارج حدودها.
ويأتي هذا التحول في سياق رؤية استراتيجية تعززت خلال عهد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي جعل من الأمن الصحي والسيادة الصناعية أولوية وطنية، ودعم توجهاً يربط الاستثمار بالإنتاج المحلي وبناء قاعدة صناعية قادرة على تلبية الاحتياجات الوطنية وتقليص التبعية للخارج.
لكن الرهان الأكبر اليوم يتجاوز حدود التصنيع؛ فالجزائر أصبحت أمام مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من قوة إنتاجية وطنية إلى قوة تجارية دولية. ويتمثل التحدي في فتح الأسواق الخارجية، وتطوير قنوات التسويق والتصدير، وتحويل القدرات الصناعية إلى حضور مؤثر في إفريقيا والعالم العربي والأسواق الدولية.
الجزائر لم تعد تكتفي بصناعة الدواء، بل تتطلع إلى جعل الدواء الجزائري علامة تنافسية حاضرة في الأسواق العالمية.











