الجميع يطارد الملايين… فمن يطارد راحة البال؟

بقلم: ناصر بن محمد الحارثي
كاتب من سلطنة عُمان – مسقط

في زحام الحياة، وبين ضجيج الطموحات وتسارع الأيام، يمضي الناس في سباقٍ لا يكاد ينتهي؛ هذا يسعى إلى جمع المال، وذاك يطمح إلى امتلاك القصور، وآخر يقيس نجاحه بعدد السيارات التي يمتلكها، أو الأرقام التي تتراكم في حسابه المصرفي. وبين هؤلاء جميعًا، يقف سؤال هادئ، لكنه عميق بما يكفي ليوقظ القلوب من غفلتها: إذا كان الجميع يطارد الملايين، فمن يطارد راحة البال؟

سؤالٌ قد يبدو بسيطًا في كلماته، لكنه يحمل في أعماقه فلسفة الحياة التي يغفل عنها كثيرون؛ فليس كل من امتلك المال امتلك السعادة، وليس كل من عاش في بيت متواضع عاش فقيرًا. فقد يسكن الإنسان قصرًا فسيحًا، لكنه يعجز عن العثور على زاوية صغيرة يطمئن فيها قلبه، وقد ينام آخر في منزل بسيط، لا يملك من الدنيا إلا القليل، لكنه يغمض عينيه كل ليلة وكأنه يمتلك الدنيا وما فيها.

تأملوا ذلك الرجل الذي يستيقظ كل صباح، لا ليبحث عن لقمة عيشه فحسب، بل ليضيف مليونًا جديدًا إلى ملايينه، ويشتري سيارة أخرى إلى جانب سياراته، ويُوسّع قصرًا لم يعد يعرف عدد غرفه. ومع ذلك، كلما ازداد ما يملك، ازداد خوفه مما قد يفقد، وكلما ارتفع رصيده، ارتفعت معه قائمة همومه. وفي المقابل، هناك رجل آخر يستيقظ شاكرًا، يذهب إلى عمله مطمئنًا، ويعود إلى منزله ليجد زوجته وأبناءه ينتظرونه، فيجلس بينهم على مائدة بسيطة، يتبادل معهم الحديث والضحكات، ثم ينام وقد سكنت نفسه واطمأن قلبه.

فأي الرجلين أغنى؟

ليس المقصود هنا أن المال شرٌّ، أو أن الفقر فضيلة في ذاته، أو أن الطموح إلى حياة أفضل أمر مذموم؛ فالمال نعمة إذا اكتُسب من حلال، وأُنفِق في خير، وكان وسيلة لصون الكرامة وإعانة الأهل وخدمة الناس. ولكن الخلل يبدأ حين يتحول المال من وسيلة نعيش بها إلى غاية نعيش من أجلها، وحين تصبح قيمة الإنسان في نظر نفسه مرهونة بما يملك، لا بما يكون.

ولعل أجمل ما يمكن أن يتمناه الإنسان ليس أن يمتلك العالم بأسره، وإنما أن يمتلك من الرزق ما يكفيه ليعيش كريمًا؛ أن يسدد التزاماته دون خوف من الغد، وأن يوفر لأسرته حياة مستقرة، وأن يستطيع اصطحاب أبنائه في رحلة صغيرة تُخلّد في ذاكرتهم لحظات من الفرح، وأن يجلس في مطعم فيطلب ما يشتهيه دون أن يظل منشغلًا بحساب ما تبقى في جيبه. تلك أمنيات تبدو متواضعة أمام أحلام الملايين، لكنها عند كثير من الناس تمثل صورة صادقة للحياة الطيبة.

وهنا تتجلى الحكمة النبوية في أبلغ صورها، حين قال رسول الله ﷺ:

«ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس».
رواه البخاري ومسلم.

ما أعظم هذا الميزان! فالنبي ﷺ لم يجعل الغنى فيما تجمعه الأيدي، وإنما فيما تستقر عليه النفوس. فقد يكون الإنسان كثير المال، لكنه فقير القناعة، لا يشبع من المزيد، ولا يهنأ بما لديه. وقد يكون متوسط الحال، لكنه غني القلب، يعرف قيمة النعمة، ويحسن الاستمتاع بها، ولا يسمح للمقارنات أن تسرق منه لذة العيش.

إن من أشد ما ابتُلي به إنسان عصرنا أنه لم يعد ينظر إلى ما بين يديه بقدر ما ينظر إلى ما في أيدي الآخرين. يرى منزل صديقه فينسى دفء منزله، ويشاهد سيارة جاره فيزهد في سيارته، ويتابع رحلات المشاهير فينسى اللحظات الجميلة التي يستطيع أن يصنعها مع أسرته. وهكذا تتحول الحياة إلى سباقٍ من المقارنات، لا يصل فيه أحد إلى خط النهاية؛ لأن هناك دائمًا من يملك أكثر، ومن يسافر أبعد، ومن يعيش في رفاهية أعظم.

وما أقسى أن يمتلك الإنسان أسباب السعادة، ثم يعجز عن رؤيتها لأنه مشغول بعدِّ نِعَم الآخرين!

ولذلك، فإن القناعة ليست استسلامًا للواقع، ولا عجزًا عن تحقيق الطموحات، وإنما هي القدرة على السعي دون جشع، والعمل دون أن نفقد أنفسنا، والطموح دون أن نحتقر ما أنعم الله به علينا. أن نمد أيدينا إلى المستقبل، ولكن دون أن نغفل عن النعم التي تستقر بين أيدينا اليوم.

ولقد قال الله سبحانه وتعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
سورة النحل، الآية 97.

تأملوا قوله تعالى: ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾. لم يَعِد الله المؤمن العامل للصالحات بقصورٍ شاهقة، ولا بخزائن ممتلئة، وإنما وعده بحياة طيبة؛ حياة قد تتجلى في القناعة والسكينة والرضا والرزق الحلال، وفي قلبٍ يعرف ربه، ويشكر نعمه، ويصبر على ابتلائه. فطيب الحياة ليس مرهونًا بكثرة الممتلكات، وإنما بما يبارك الله فيه من رزقٍ وعملٍ وعلاقاتٍ وأيام.

ولعلنا لو تأملنا ما نملكه حقًا لأدركنا أننا أكثر ثراءً مما نظن. فكم تساوي ليلة ينام فيها الإنسان دون ألم؟ وكم تساوي ضحكة طفل يركض نحو أبيه عند عودته إلى المنزل؟ وكم تساوي دعوة صادقة من أم، أو يد حانية من زوجة، أو صديق يقف إلى جانبك حين تضيق بك الدنيا؟

كم من ثريٍّ يستطيع شراء أفخم سرير، لكنه لا يستطيع شراء النوم! وكم من إنسان يملك ثمن موائد العالم، لكنه حُرم لذة الطعام بسبب المرض! وكم من صاحب مال يستطيع أن يجوب البلدان، لكنه يتمنى أن يجلس ساعة واحدة مع عزيزٍ رحل ولن يعود!

فالمال يستطيع أن يشتري الدواء، لكنه لا يضمن العافية، ويستطيع أن يشتري المنزل، لكنه لا يضمن المودة، ويستطيع أن يشتري وسائل الترفيه، لكنه لا يستطيع أن يفرض السعادة على قلبٍ أنهكته الهموم.

ومن هنا، علينا أن نعيد النظر في مفهوم النجاح. فليس النجاح أن تصبح أغنى إنسان في المجلس، وإنما أن تكون قادرًا على دخول منزلك بقلبٍ مطمئن، وأن تنظر إلى أسرتك بعين الرضا، وأن تجد في يومك متسعًا للعبادة والعمل والراحة وصلة الرحم، وأن تترك في حياة الآخرين أثرًا جميلًا.

قد يكون نجاحك في تربية ابنٍ صالح، أو في إسعاد زوجتك، أو في مساعدة محتاج، أو في إتقان عملك، أو في تجاوز محنة دون أن تفقد إيمانك وأخلاقك. فالنجاح له وجوه كثيرة، وليس من العدل أن نختصرها جميعًا في وجه المال.

ولا ننسى أن الحياة، مهما طالت، تظل رحلة محدودة الأيام. وما أسرع ما تمضي السنوات ونحن نؤجل سعادتنا إلى موعدٍ لا يأتي! نقول: سأرتاح عندما أشتري المنزل، ثم نقول: عندما أشتري السيارة، ثم عندما أترقى في عملي، ثم عندما أجمع مبلغًا أكبر. وهكذا تتوالى الشروط، وتمضي الأعمار، وربما نصل إلى ما تمنيناه بعد أن نفقد الصحة أو الوقت أو الأشخاص الذين أردنا أن نشاركهم فرحتنا.

فلماذا نؤجل الحياة حتى تكتمل الأشياء، ونحن نعلم أن الأشياء لن تكتمل أبدًا؟

ولماذا لا نفرح بما تحقق، ونحن نسعى إلى ما لم يتحقق بعد؟

إن الحياة الطيبة لا تعني أن تخلو أيامنا من المتاعب، ولا أن تتحقق جميع رغباتنا، وإنما أن نمتلك من الإيمان والصبر والقناعة ما يعيننا على مواجهة تقلباتها، وأن نحسن التعامل مع النعم حين تأتي، ومع الابتلاءات حين تقع.

ومن أجمل صور الثراء أن يكون لديك ما يكفيك، ثم يبقى في قلبك متسع لتعطي غيرك؛ أن تساعد محتاجًا، أو تجبر خاطر مكسور، أو تدخل السرور على إنسان أثقلته الحياة. فالثروة التي ننفقها في الخير لا تُقاس بما ينقص من أرصدتنا، وإنما بما تضيفه إلى إنسانيتنا، وما تتركه من أثرٍ في نفوس الآخرين.

وفي نهاية المطاف، لن يسألنا العمر عن عدد السيارات التي امتلكناها، ولا عن مساحة البيوت التي سكنّاها، بل ستبقى في ذاكرتنا وجوه أحببناها، وأيادٍ أمسكنا بها، ومواقف أحسنّا فيها، وأيام عشناها بقلوب مطمئنة.

فلا تقضِ حياتك كلها محاولًا إبهار الآخرين؛ فبعض الذين تسعى إلى نيل إعجابهم قد لا يعرفون شيئًا عن معاركك الخفية، ولا عن الثمن الذي تدفعه من صحتك ووقتك وراحة بالك.

اعمل، واجتهد، واطمح، وابنِ مستقبلك، واطلب من الله سعة الرزق وبركته، ولكن لا تجعل جمع المال يسرق منك الحياة التي تجمع المال من أجلها.

وإذا سألك أحدهم يومًا: كم تملك من هذه الدنيا؟ فلا تتعجل النظر إلى حسابك المصرفي، بل انظر إلى صحتك، وأسرتك، وطمأنينة قلبك، ومحبة الناس لك، وما قدمته من خير. فقد تكتشف أنك تملك ثروة لا تستطيع الملايين شراءها.

وفي الختام، تذكّر أن الدنيا ليست سباقًا لمعرفة من يجمع أكثر، وإنما رحلة نحتاج فيها إلى ما يكفينا، وإلى قلوبٍ تحبنا، وإلى نفوسٍ ترضى بما قسمه الله لها، دون أن تتوقف عن العمل والأمل.

فليس الفائز في سباق الحياة من وصل إلى الملايين أولًا، وإنما من وصل إلى نهاية رحلته وقد عاش كريمًا، وأحبَّ صادقًا، وأحسن إلى الناس، وحافظ على قلبه من أن تبتلعه أطماع الدنيا.

فليطارد الناس ما شاءوا من الملايين، أما أنت، فلا تنسَ أن تطارد راحة البال؛ فإن أدركتها، فقد أدركت كنزًا لا يُقدَّر بثمن.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24