الامن القومي العربي في خطر

ا. د. محمد طاقة

اصحوا يا عرب !

إن الحادثة الاجرامية الاليمة التي وقعت في كنيسة بقرية حمود في محافظة الكرك الأردنية
واسفرت عن سقوط عدد من الشهداء والجرحى ، تفرض علينا الوقوف امام أبعادها الامنية والسياسية ، وعدم التعامل معها باعتبارها حدثاً عابراً ، وحتى الان ، لم يتضح جميع ملابسات الحادثة ، ولم يعلن رسمياً عن إلقاء القبض على منفذيها ، الأمر الذي يستوجب الكشف عن الحقيقة كاملة ، وتحديد المسؤولين عنها وأهدافهم ، استناداً الى نتائج
التحقيقات الأدلة الموثوقة .
أن أمن الأردن جزء لا بتجزأ. من الامن القومي العربي ، ومن هنا تبرز ضرورة تعزيز التعاون العربي لحماية أمن الدول واستقرارها ، وعدم الاكتفاء بالشجب والاستنكار ، بل الانتقال إلى اجراءات عملية تعالج مصادر التهديد وتحمي الشعب العربي .
فاستهداف أمن الأردن ، إن ثبت ارتباطه بمخططات أوسع لزعزعة استقرار المنطقة ، يفرض التنبه إلى المخاطر التي قد تواجه بقية الأقطار العربية ، وفي مقدمتها كل من مصر والسعودية ودول الخليج العربي .
إن ما يجري في المنطقة يستدعي من النظام الرسمي العربي اعادة النظر بصورة جذرية في سياساته الاقتصادية والعسكرية والأمنية ، وفي مواقفه السياسية من الصراعات والتحديات التي تواجه الامة العربية ، والعمل على بناء استراتيجية عربية مشتركة تحمي الدول العربية من التدخلات الخارجية ، وتصون سيادتها ومواردها ومصالح شعوبها .
لقد شهدت المنطقة ، خلال العقود الماضية ، تحولات استراتيجية عميقة أضعفت قدرة الدول العربية على مواجهة التحديات الاقليمية والدولية ، وكان احتلال العراق عام (٢٠٠٣) وإسقاط نظامه الوطني وتدمير اجزاء واسعة من مؤسساته وبناه التحتية من ابرز المحطات التي غيرت موازين القوى في المنطقة .
لقد كان العراق يمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وأمنية مؤثرة ، وكان يشكل احد اهم عناصر التوازن الإقليمي ، ومن وجهة نظري ، فان اضعاف العراق وإخراجه من معادلة القوة العربية اسهما في احداث اختلال استراتيجي انعكست آثاره على مجمل المنطقة ، وفتح المجال امام اتساع نفوذ قوى إقليمية ودولية على حساب الدور العربي ، وفي هذا السياق ، تداخلت مصالح اطراف إقليمية ودولية متعددة وفي مقدمتها الولايات المتحدة وايران وإسرائيل، رغم اختلاف اهدافها وتباين مصالحها في ملفات عديدة ، وقد التقت مصالح هذه الأطراف عند اضعاف العراق واعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة ، وهو ما يستدعي دراسة تلك السياسات ونتائجها بعيداً عن الاكتفاء بالشعارات والمواقف المعلنة .
ومع الأسف الشديد لم يكن الموقف العربي من احتلال العراق بمستوى التحديات التي فرضها الحدث ، اذ تباينت مواقف الدول العربية بين الصمت والتحفظ والمساندة ، ولم تتشكل استراتيجية عربية فاعلة تحافظ على وحدة العراق وقدراته وتمنع انهيار مؤسساته ، وكانت النتيجة تراجع احد اهم مراكز القوة العربية ، الأمر الذي أضعف منظومة الامن القومي العربي وترك آثاراً استراتيجية ما زالت المنطقة تعاني منها ، (( وهذا الموقف مثل أكبر خطأ استراتيجي وتاريخي من قبل النظام الرسمي العربي .)) .
منذ عام (٢٠١١) ، اتسع النفوذ الإيراني داخل العراق ، واصبحت الفصائل المسلحة المرتبطة بايران احد العوامل المؤثرة في المشهد السياسي والامني العراقي ، وقد أسهم هذا الواقع ، إلى جانب عوامل داخلية ودولية اخرى ، في تعقيد عملية بناء دولة مستقرة تمتلك قرارها السيادي الكامل .
ان استمرار ضعف المؤسسات ، وتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري ، وتدخل القوى الخارجية في الشؤون الداخلية تمثل جميعها تحديات خطيرة امام استقرار العراق ووحدته الوطنية وعلاقاته العربية ، كما ان اي هجمات تنطلق من الراضي العراقية او تنفذ بواسطة جماعات مسلحة ضد الأردن او السعودية او دول الخليج العربي ، تستوجب موقفاً واضحاً من الحكومة العراقية ، يقوم على حماية سيادة الدول واحترام امنها ومنع استخدام الأراضي العراقية للإضرار بها .
ان الموقف العربي المتردد ، ان استمر ، سيزيد من هشاشة منظومة الامن الإقليمي ، وقد يجعل الدول العربية اكثر عرضة للتدخلات الخارجية والصراعات بالوكالة . ولذلك فان حماية الامن العربي تتطلب الانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى سياسة المبادرة والتخطيط والعمل المشترك .
من اخطر التحديات التي تواجه الدول العربية انتشار الجماعات المتطرفة والشبكات المسلحة التكفيرية وغيرها التي تستغل الانقسامات السياسية والطائفية والعرقية والقبلية لتحقيق اهدافها ، وقد شهدت دول مثل العراق واليمن ولبنان وسوريا وليبيا آثاراً مدمرة للصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية ، وما رافقها من تراجع مؤسسات الدولة وتفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية .
ومن الضروري ان تدرك الدول العربية ان استقرارها لايتوقف على حماية الحدود والمنشآت الحيوية فحسب ، بل يتطلب ايضا حماية النسيج الاجتماعي ، وتعزيز المواطنة ومواجهة التحريض الطائفي والعرقي ومنع تمويل الجماعات المسلحة وتسليحها بصورة غير مشروعة . وعليه ، فان الأردن ومصر والسعودية ودول الخليج العربي وسائر الدول العربية مطالبة بتعزيز التعاون الاستخباراتي والامني ، وتبادل المعلومات. وفق الاطر القانونية ، ومواجهة الارهاب والتطرف بحزم ، مع الالتزام بالقانون وحماية حقوق المواطنيين وعدم تحويل الشكوك إلى اتهامات جماعية لاتستند إلى أدلة .
ان المشهد العربي الراهن يكشف حجم التحديات التي تواجه الامة العربية ، ففلسطين ما زالت تعاني الاحتلال ، وقد تعرض قطاع غزة لدمار واسع وخسائر بشرية هائلة، فيما تتواصل الاعتداءات والتوترات في الضفة الغربية ، كما يشهد جنوب لبنان وجنوب سوريا تطورات أمنية وعسكرية خطيرة ، بينما يعاني لبنان من أزمات داخلية وتداعيات المواجهة بين إسرائيل وحزب الله ، ويواجه اليمن صراعاً ممتداً تتداخل فيه العوامل المحلية والإقليمية والدولية ، بما في ذلك دور الحوثيين وتهديداتها الاقليمية . اما العراق فهو محتل من قبل أمريكا وإيران وإسرائيل.
ان اختلاف ساحات الصراع لا يلغي وجود قاسم مشترك بينها ، يتمثل في تراجع قدرة الدول العربية على احتواء ازماتها بصورة جماعية ، وتعدد التدخلات الخارجية ، واستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية والعسكرية ، وتعطيل فرص التنمية والاستقرار .
ومن هنا فان التحدي الحقيقي لا يكمن في مجرد تشخيص الأخطار ، بل في بناء موقف عربي قادر على حماية الدول والشعوب ، ومنع تحويل الخلافات الداخلية إلى مداخل للتدخل الخارجي ، وصون مقدرات الامة من الاستنزاف والتفكيك .
ان استمرار الاكتفاء ببيانات الشجب والاستنكار (( كما تمارسه جامعة الدول العربية )) ، من دون سياسات عملية ومواقف موحدة ، لن يكون كافياً لمواجهة التحديات المتزايدة ، فالأمن القومي العربي يحتاج إلى رؤية استراتيجية تتجاوز المصالح الضيقة والحسابات الانية ، وتضع امن الشعوب وسيادة الدول العربية في مقدمة الأولويات .
ومن ابرز الخطوات المطلوبة هي توحيد الموقف العربي وبناء استراتيجيته مشتركة للتعامل مع التهديدات الامنية والعسكرية والتدخلات الخارجية بعيداً عن ازدواجية المعايير وتضارب المصالح والعمل على تعزيز القدرات الدفاعية والأمنية وحماية القرار السيادي العربي ، ومواجهة الارهاب والتطرف واعادة بناء القوة الاقتصادية العربية ومعالجة الخلافات العربية بالحوار .
وهكذا فان الامن القومي العربي ليس مسؤلية دولة واحدة ولايمكن حمايته من خلال المواقف المنفردة او البيانات الرسمية ، انه مسؤولية مشتركة تتطلب إرادة سياسية حقيقية وتعاوناً اقتصادياً وعسكرياً وامنياً وإدراكاً عميقاً لحجم التحولات التي تشهدها المنطقة . ان مايجري في فلسطين والعراق ولبنان وسوريا واليمن ، وما يواجهه الأردن والسعودية ودول الخليج العربي وسائر الدول العربية من تحديات ومخاطر ينبغي ان يكون حافزاً لمراجعة السياسات العربية واعادة ترتيب الأولويات ، فالأمة التي لاتحمي امنها ولا تصون مواردها ولا تعزز وحدتها ستظل عرضة لتدخلات الاخرين وصراعاتهم على حساب مستقبل شعوبها وأجيالها القادمة

عمان
في ٢٤/١٠/٢٠٢٦

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24