الأستاذة قعدة الزهرة: الصحة النفسية بوابة التوازن المجتمعي… والوقاية تبدأ بالوعي والاحتواء

• حاورها : كمال فليج _ الجزائر

تُعدّ الصحة النفسية ركيزة أساسية لبناء الإنسان المتوازن والمجتمع السليم، فهي لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية، بل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بقدرة الفرد على مواجهة تحديات الحياة، وبناء علاقات إيجابية، وتحقيق التوافق الأسري والاجتماعي. وفي ظل التحولات التي يشهدها المجتمع، وما يواجهه الأطفال والشباب من ضغوط نفسية ودراسية واجتماعية، تبرز أهمية التوعية والتحسيس، وترسيخ ثقافة الإصغاء والحوار وطلب المساعدة المتخصصة بعيدًا عن الأحكام المسبقة والوصمة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، نستضيف الأستاذة قعدة الزهرة، المختصة في علم النفس والناشطة في مجال التوعية والتحسيس بولاية قصر البخاري، و المشرفة على خلية الاصغاء بالمركب الرياضي الجواري الشهيد امحمد سنوسي قصر البخاري  للحديث عن مسارها المهني وتجربتها الميدانية في مرافقة مختلف الفئات، والوقوف عند أبرز المبادرات التي شاركت فيها، لاسيما في مجال التكفل النفسي والتوعية بمخاطر الآفات الاجتماعية، وتعزيز الصحة النفسية لدى الأطفال والشباب. كما نتطرق معها إلى دور الأسرة والمؤسسات التربوية والشبابية والرياضية في الوقاية من المشكلات النفسية والسلوكية، وإلى أهمية تكاتف الجهود لبناء بيئة مجتمعية أكثر وعيًا واحتواءً، تمنح الفرد فرصة التعبير عن انشغالاته، وتساعده على تجاوز الصعوبات بثقة وأمان.

بدايةً، نود أن نتعرف على مساركم المهني في مجال علم النفس، وأبرز المحطات التي شكلت تجربتكم الميدانية؟

الأستاذة قعدة الزهرة : يعدّ العمل في مجال علم النفس مسؤولية إنسانية واجتماعية قبل أن يكون تخصصًا مهنيًا، لأنه يرتبط بفهم الإنسان ومساعدته على تجاوز الصعوبات التي قد تواجهه في مختلف مراحل حياته. وقد عزز اهتمامي بهذا المجال إيماني بأهمية الصحة النفسية في تحقيق التوازن الشخصي والاجتماعي، وضرورة نشر الثقافة النفسية داخل المجتمع.
لكن المحطة الأهم والأكثر تأثيراً في صقل شخصيتي المهنية كانت هي الاحتكاك الميداني المباشر عبر العمل في المؤسسات الشبانية والرياضة،التعليمية والتكوينية والمؤسسات المجتمعية في الميدان، أدركت سريعاً أن الكتب تمنحنا الخرائط، لكن الواقع الإنساني هو الذي يعلمنا كيف نمشي مع الشخص خطوة بخطوة في رحلته نحو الشفاء.
أبرز ما تعلمته وتجسد في مساري هو أن العمل لا يقتصر على “تشخيص الأعراض”، بل يمتد إلى بناء مساحة من الأمان والثقة؛ مساحة يستطيع فيها الإنسان أن يتنفس بعمق، وأن يواجه مخاوفه وجراحه دون أحكام مسبقة. إن مرافقة الناس في لحظات ضعفهم، وتمكينهم من اكتشاف نقاط قوتهم الداخلية لاستعادة التوازن والسلام، هي التجربة التي تُشكّل هوية المختص الحقيقي يوماً بعد يوم..
فالعمل الميداني، فيمنح الأخصائي النفسي فرصة حقيقية للتقرب من مختلف الفئات، والتعرف على احتياجاتها وانشغالاتها، وهو ما يجعلني أؤمن بأهمية الجمع بين المعرفة النفسية والتوعية المباشرة، بما يسهم في ترسيخ ثقافة الوقاية وطلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة
وكانت لنا أعمال كثيرة في الميدان من بينها:
• المشاركة في التكفل النفسي لضحايا العشرية السوداء
• التكفل النفسي بالأشخاص الذين فقدوا عائلاتهم وأحبابهم بسبب فيروس كورونا.
• المشاركة في الحملات التوعوية للوقاية من انتقال فيروس كورونا.
• القيام بمبادرة شباب ايجابيون التي كانت لها صدى ايجابي في المحيط.
• القيام بمبادرة أطفال ايجابيون وتعزيز السلوكات الايجابية.
• اعادة ادماج الشباب في الحياة التعليمية والنكوينية
وغيرها من المواضيع النفسية،الاجتماعية والمدرسية

ما الذي دفعكم إلى الاهتمام بالحملات التحسيسية والتوعوية، وما الأهداف التي تسعون إلى تحقيقها من خلالها؟

الأستاذة قعدة الزهرة : إن الدافع الأساسي للاهتمام بالحملات التحسيسية هو إدراكنا أن كثيرًا من المشكلات النفسية والاجتماعية يمكن الحد من آثارها من خلال التوعية المبكرة، وتوفير المعلومات الصحيحة، وفتح المجال أمام الأفراد للتعبير عن انشغالاتهم دون خوف أو خجل.
نسعى من خلال هذه الحملات إلى نشر ثقافة الصحة النفسية، وتصحيح المفاهيم الخاطئة المرتبطة بها، وتعريف المواطنين بأهمية الوقاية والتدخل المبكر، فضلًا عن تعزيز مهارات التواصل والحوار وإدارة الضغوط النفسية.
كما نهدف إلى تشجيع الأطفال والشباب والأولياء على التعامل الواعي مع المشكلات اليومية، والتأكيد أن طلب المساعدة النفسية ليس دليلًا على الضعف، بل هو خطوة إيجابية نحو فهم الذات وتحسين جودة الحياة.
* الأهداف المراد تحقيقها:
نشر الثقافة والوعي الصحي: تمكين الأفراد من فهم الذات، والتعرف على مؤشرات الضغط النفسي، واكتساب مهارات الإسعافات النفسية الأولية للتصرف عند الأزمات.
تشجيع الثقافة الوقائية وطلب الدعم المبكر: بناء وعي يدرك أن طلب المساعدة هو دليل شجاعة ووعي، وليس علامة ضعف، مما يسهم في التدخل المبكر وتقليل الخسائر النفسية والاجتماعية.
تعزيز الجاهزية ومهارات التكيف: تقديم أدوات عملية ومقترحات مبسطة لتسيير الضغوط اليومية، وبناء المرونة النفسية، وتحسين جودة الحياة داخل الأسرة والمؤسسات التعليمية وبيئات العمل.
مد جسور التواصل مع المجتمع: بناء بيئة داعمة ومتقبلة تشجع على الحوار المفتوح حول القضايا الإنسانية والنفسية دون خوف من الأحكام المسبقة.

أبرز الموضوعات النفسية والاجتماعية التي تركزون عليها في حملاتكم التوعوية بقصر البخاري؟

الأستاذة قعدة الزهرة : تكتسي التوعية النفسية والاجتماعية أهمية خاصة بالنظر إلى احتياجات المجتمع المحلي، ولا سيما فئة الشباب التي تواجه تحديات متعددة على المستويات الشخصية والأسرية والدراسية والاجتماعية.
الحملات التوعوية تركز على مواضيع :
1. المراهقون والشباب:
الوقاية من الآفات الاجتماعية: تسليط الضوء على خطورة الإدمان (بمختلف أنواعه) والسلوكيات الخطرة، مع تقديم بدائل صحية وتوعية بمهارات الصمود النفسي ومقاومة ضغط الأقران.
إدارة الضغوط المدرسية والأكاديمية: توجيه تلاميذ المقابلين على الامتحانات المدرسية (كشهادة التعليم المتوسط والبكالوريا) للتعامل مع قلق الامتحان وتطوير مهارات الاستذكار والتخطيط للستقبل.
الهوية ورؤية الذات: مساعدة الشباب على بناء التقدير الذاتي، واكتشاف ميولهم، والتعامل مع تحولات مرحلة المراهقة في ظل التحديات المعاصرة.
2. الأسرة والتنشئة الوالدية:
تعزيز التواصل الأسري: معالجة الفجوة بين الجيلين (الآباء والأبناء)، ونشر أساليب التربية الإيجابية البديلة للعنف أو الإهمال.
التوعية بالتغيرات النفسية والمراحل العمرية: مساعدة الوالدين على فهم الخصائص النفسية لكل مرحلة عمرية (خاصة المراهقة)، وكيفية التعامل مع مشاعر الأبناء وسلوكياتهم بوعي واحتواء.
الاستقرار النفسي والأسري: تقديم إرشادات حول كيفية إدارة الأزمات والضغوط الاقتصادية أو الاجتماعية داخل البيت بما يحافظ على التماسك الأسري.
3:البيئة المدرسية الآمنة: التوعية بظاهرة التنمر المدرسي وأهمية بناء بيئة تعليمية داعمة تنمي الصحة النفسية للطالب والمربي على حد سواء.
4. التكنولوجيا والمجتمع:
الاستخدام الرشيد للشاشات وسائل التواصل: التوعية بالمخاطر النفسية والاجتماعية للإدمان الرقمي على الأطفال والشباب، وكيفية حماية الأسرة من العزلة الاجتماعية والتأثيرات السلبية للفضاء الافتراضي.
كيف تقيّمون مستوى الوعي بالصحة النفسية داخل المجتمع، وما أبرز المفاهيم الخاطئة التي تسعون إلى تصحيحها؟
الأستاذة قعدة الزهرة : تقييم مستوى الوعي بالصحة النفسية:
تطور إيجابي وتدريجي: يشهد المجتمع اليوم تحولاً ملموساً ونوعياً مقارنة بالسنوات الماضية؛ حيث أصبح هناك إقبال أكبر على فهم الذات وطلب الاستشارة النفسية، خاصة بين فئة الشباب والأولياء الأصغر سناً.
وعي يتزايد بزيادة التحديات: أسهمت ضغوط الحياة المعاصرة والتفتح الإعلامي في جعل قضايا الضغط النفسي والقلق موضوعات قابلة للنقاش، لكن هذا الوعي يظل في حاجة ماسة إلى التأطير والتوجيه الصحيح للانتقال من مجرد الوعي بالوجود إلى الوعي بالممارسة والوقاية.
2. أبرز المفاهيم الخاطئة والمراد تصحيحها:
ربط المعاناة النفسية بضعف الإيمان أو الشخصية:
* التأكيد على أن المريض النفسي ليس ضعيف شخصية ولا ناقص إيمان، بل هو إنسان يخوض تحدياً يتعلق بالتوازن الكيميائي أو الانفعالي والعقلي، ومثلما تمر الأجساد بالمرض، تتأثر النفوس بالضغوط والأزمات.
اختزال طلب الدعم النفسي في “الجنون” أو الحالات الحادة:
* ترسيخ فكرة أن المساعدة النفسية هي مساحة نمو ووقاية للجميع؛ تُطلب لتسيير الضغوط، واتخاذ القرارات، وتحسين جودة الحياة، وليست حصراً على الاضطرابات العقلية الشديدة.
الاعتقاد بأن المشكلات النفسية تزول بـ “الزمن وحده”:
* توضيح أن تجاهل المعاناة أو تراكمها لا يلغيها بل قد يفاقمها إلى أعراض جسدية أو اضطرابات أعقد، وأن التدخل المبكر هو الخيار الأقل تكلفة من الناحية النفسية والاجتماعية.
الخلط بين الفضفضة العابرة والاستشارة المتخصصة:
* التوعية بأن التحدث مع الأصدقاء مهم للدعم العاطفي، لكنه لا يغني عن المرافقة المتخصصة التي تعتمد على أدوات علمية ومنهجية واضحة للتعافي والنمو.
خلية الإصغاء


ما الفئات التي تستهدفها حملاتكم، وكيف تكيّفون رسائلكم التوعوية لتناسب الأطفال والشباب والأولياء؟

الأستاذة قعدة الزهرة : تستهدف التوعية النفسية مختلف فئات المجتمع، لأن بناء بيئة صحية نفسيًة مسؤولية جماعية، إلا أن الأطفال والمراهقين والشباب يحتاجون إلى اهتمام خاص، نظرًا إلى طبيعة التحديات التي تواجههم في مراحل النمو المختلفة.
2. كيفية تكييف الرسائل التوعوية حسب كل فئة:
أولاً: الأطفال (التعبيرات المبسطة والتفاعلية)
الأسلوب: نبتعد تماماً عن المصطلحات المعقدة، ونعتمد على اللعب، الرسم، الحكايات، والأنشطة التفاعلية.
مضمون الرسالة: نركز على مساعدة الطفل على التعرف على مشاعره الأساسية (الخوف، الغضب، الحزن، الفرح)، وتعليمه كيف يعبر عنها بأسلوب صحي، إضافة إلى ترسيخ مفاهيم الحماية الذاتية والأمان النفسي بأسلوب سلس ومحبب.
ثانياً: المراهقون والشباب (الحوار المفتوح واللغة المعاصرة)
الأسلوب: نعتمد التواصل المباشر القائم على الند للند، وورش العمل التفاعلية، واستخدام الأمثلة من واقعهم الرقمي واليومي، مع تجنب أسلوب الوعظ أو إلقاء الأحكام.
مضمون الرسالة: يتم التركيز على بناء الصورة الذاتية، التقدير الذاتي، مهارات إدارة الضغوط الدراسية والحياتية، الوقاية من السلوكيات الخطرة والإدمان، وتزويدهم بأدوات عملية لبناء المرونة النفسية وتحديد الأهداف.
ثالثاً: الأولياء والمربين (الشراكة والدعم المتبادل)
الأسلوب: نستخدم لغة واقعية تقدّر حجم التحديات والضغوط التي يواجهونها في التربية، بعيداً عن التنظير أو تحميلهم الشعور بالذنب.
مضمون الرسالة: نركز على إكسابهم مهارات التربية الإيجابية، فهم الخصائص النفسية لمراحل نمو أبنائهم (خاصة المراهقة)، كيفية بناء جُسور التواصل الفعّال داخل الأسرة، والتعرف على المؤشرات المبكرة التي تستدعي طلب الاستشارة المتخصصة لحماية أبنائهم.

بحكم خبرتكم الميدانية، ما أبرز المشكلات النفسية والاجتماعية التي تواجه الشباب اليوم، وكيف يمكن التعامل معها والوقاية منها؟

الأستاذة قعدة الزهرة : أبرز المشكلات النفسية والاجتماعية الملاحظة ميدانياً:
أزمة الهوية والشعور بالضياع (Identity & Meaning Crisis):
يعاني كثير من الشباب من حيرة شديدة في تحديد أهدافهم، وتذبذب التقدير الذاتي نتيجة المقارنات المستمرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما يولد لديهم شعوراً بالغربة وجدوى المساعي.
اضطرابات القلق والاكتئاب النفسي:
ارتفاع منسوب القلق المرتبط بالمستقبل (الدراسة، العمل، الاستقرار)، إلى جانب مشاعر العزلة والوحدة النفسية رغم الاتصال الرقمي الدائم.
السلوكيات الإدمانية الحديثة:
لا تقتصر على الإدمان السلوكي على الشاشات ومواقع التواصل والالعاب الإلكترونية فحسب، بل تمتد أيضاً إلى إدمان المواد المخدرة والمؤثرات العقلية لدى بعض الفئات كهروب سلبي من الضغوط.
ضعف مهارات التكيف والمرونة النفسية:
صعوبة في إدارة الانفعالات، والتعامل مع حالات الفشل أو الرفض، مما يؤدي سريعاً إلى الإحباط أو نوبات الغضب والانكفاء على الذات.
2. كيفية التعامل مع هذه المشكلات (التدخل والعلاج):
توفير المساحات الآمنة للإصغاء:
أهم خطوة هي منح الشاب الفرصة للتعبير عن مخاوفه دون خوف من الأحكام المسبقة أو التهميش، مع التركيز على تقبل مشاعره وتفهم ظروفه.
التدريب على حل المشكلات وإدارة الذات:
مساعدة الشاب على تفكيك الضغوط الكبيرة إلى أجزاء صغيرة يمكن التعامل معها، وتطوير أفكار أكثر واقعية ومرونة تجاه نفسه وتجاه المستقبل.
التوجيه نحو الدعم المتخصص:
عند ملاحظة استمرار الأعراض التأثيرية (كاضطرابات النوم، فقدان الشغف الشديد، تراجع الأداء)؛ يتم التوجيه للمرافقة المتخصصة لتطبيق برامج تنظيم السلوك والتوازن الانفعالي.
3. سُبل الوقاية وحماية الفئة الشبابية:
تعزيز المهارات الحياتية (Life Skills):
دمج برامج التدريب على التفكير النقدي، الاتصال الفعّال، الذكاء العاطفي، ومهارات اتخاذ القرار داخل المؤسسات التعليمية والشبابية.
تفعيل دور الأسرة والدعم المجتمعي:
إعادة بناء جسور الحوار الداخلي في البيت، والانتقال من منطق “الأوامر والرقابة” إلى منطق “الشراكة والمرافقة”، مما يمنح الشاب سنداً عاطفياً متيناً عند الأزمات.
تشجيع الانخراط في أنشطة ذات معنى:
توجيه طاقات الشباب نحو العمل التطوعي، الرياضة، الإبداع الفني، أو المبادرات الجماعية التي تعزز لديهم الشعور بالإنجاز والانتماء إلى المجتمع.
وقد تتفاقم هذه الصعوبات عندما يفتقر الشاب إلى الدعم الأسري أو يجد صعوبة في التعبير عن مشاعره وطلب المساعدة. لذلك، فإن الوقاية تبدأ بتوفير بيئة آمنة للحوار، وتعزيز الثقة بالنفس، وتشجيع ممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية والترفيهية، وتطوير مهارات حل المشكلات وإدارة الانفعالات.
كما ينبغي تمكين الشباب من التعبير عن طموحاتهم وانشغالاتهم، وإشراكهم في المبادرات المجتمعية التي تمنحهم الشعور بالانتماء والمسؤولية.
وعندما تستمر المعاناة النفسية أو تؤثر بوضوح في الدراسة أو العمل أو العلاقات اليومية، فمن الضروري الاستعانة بمختص مؤهل لتقييم الوضع وتقديم المرافقة المناسبة.

 

ما دور الأسرة في حماية الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وما النصائح التي تقدمونها للأولياء في التعامل مع أبنائهم؟

الأستاذة قعدة الزهرة : الأسرة هي البيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل التعبير عن مشاعره وبناء ثقته بنفسه وتكوين علاقاته مع الآخرين، فهي المرآة الأولى التي يرى الطفل من خلالها ذاته والعالم من حوله؛ فهي ليست مجرد توفير للمأكل والملبس، بل هي البيئة الانفعالية التي تُبنى فيها شخصية الأبناء. فالاستقرار والاحتواء داخل البيت يمنحان الطفل والمراهق الأمان النفسي الذي يجعله أكثر حصانة وقدرة على مواجهة ضغوط الحياة، بينما يمثل اضطراب البيئة الأسرية العامل الأول في نشوء كثير من المشكلات النفسية والسلوكية
2. أبرز النصائح الموجهة للأولياء:
الاستماع الفعّال دون أحكام (الانصات الذكي):
اصنعوا مساحة آمنة للحوار داخل البيت؛ استمعوا لأبنائكم ولتخاوفهم ومشاعرهم دون تسفيه أو عتاب فور، لكي لا يلجؤوا للبحث عن الأمان خارج الأسرة.
الفصل بين سلوك الطفل وقيمته الذاتية:
عندما يخطئ الأبناء، انتقدوا السلوك الخاطئ ووجهوه، ولا تنتقدوا ذات الطفل أو شخصيته. تجنبوا عبارات التهميش أو الوصم (مثل: “أنت فاشل” أو “أنت كسول”) واستبدلوها بالتوجيه الدائم للتحسين.
مراعاة الخصائص النفسية لكل مرحلة عمرية:
المراهقة ليست “تمبداً متعقداً”، بل هي مرحلة إعادة بناء للهوية واستقلال الذات. التعامل مع المراهق يتطلب الانتقال من أسلوب “الأوامر والرقابة” إلى أسلوب “الصداقة والشراكة والمشاورة”.
تجنب المقارنات المباشرة وغرس التقدير الذاتي:
مقارنة الأبناء بالأقارب أو الأقران تدمر ثقتهم بأنفسهم وتزرع بينهم الحقد والحسد. ركزوا على نقاط قوة كل طفل وساعدوه على التطور حسب قدراته الخاصة.
أن نكون القدوة في إدارة الضغوط:
يتعلم الأطفال والمراهقون كيفية التعامل مع الغضب والضغط النفسي عن طريق النمذجة والملاحظة؛ فاستقرار الأولياء وطريقتهم الهدائية في حل المشكلات الأسرية ينعكسان مباشرة على أسلوب تعامل الأبناء مع انفعالاتهم.
ومن المهم أيضًا الانتباه إلى التغيرات المستمرة في السلوك، مثل الانعزال غير المعتاد أو اضطرابات النوم أو تراجع الأداء الدراسي أو الحزن المستمر. فهذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، لكنها قد تستدعي الحوار والاهتمام، والاستعانة بمختص إذا استمرت أو أثرت في حياة الطفل

كيف يمكن للحملات التحسيسية أن تسهم في الوقاية من العنف والتنمر والإدمان والسلوكيات الخطرة لدى الشباب؟

الأستاذة قعدة الزهرة : التفكيك المبكر للمفاهيم الخاطئة والصور النمطية:
في مجالات الإدمان والسلوكيات الخطرة: تسهم الحملات في تصحيح وهم “التجربة الأولى العابرة” أو الاعتقاد بأن المواد المخدرة والمؤثرات العقلية هي وسيلة ناجحة للهرب من الضغوط النفسية والاجتماعية.
في قضايا العنف والتنمر: تعمل الحملات على إعادة تعريف القوة والرجولة بعيداً عن أشكال السيطرة والعنف و تعزيز مهارات التواصل وإدارة الغضب وحل الخلافات بطرق سلمية، مع التأكيد على أن العنف ليس وسيلة مقبولة لحل المشكلات.، وتبيان أن التنمر ليس سلوكاً عادياً أو “دعابة”، بل هو شكل من أشكال الإيذاء الذي يترك آثاراً نفسية عميقة وممتدة لدى الضحية والممارس على حد سواء.
كما ينبغي ترسيخ ثقافة احترام الاختلاف، وتعليم الأطفال والشباب كيفية التعامل مع النزاعات، وتشجيعهم على الإبلاغ عن حالات التنمر وطلب المساعدة دون خوف.
2. تعزيز الوعي بالذات وتطوير مهارات الرفض (المرونة النفسية):
لا تقتصر الحملات الناجحة على تحذير الشباب من المخاطر فحسب، بل تُزودهم بمهارات حياتية أساسية، وفي مقدمتها “مهارة الرفض الحازم وتدريبهم على مقاومة ضغط الأقران ، وهو السبب الأول المباشر لاندفاع المراهقين نحو التجريب والوقوع في الإدمان أو السلوكيات العدوانية. 3. تحويل الشباب من مستهدفين إلى فاعلين (التوعية بالأقران):
أثبتت التجربة الميدانية أن الرسائل التوعوية تكون أكثر تأثيراً عندما يُشارك الشباب أنفسهم في نقلها وصياغتها. تعتمد الحملات التحسيسية الحديثة على بناء شبكات من “السفراء الشباب” داخل المؤسسات التربوية والشبابية، مما يجعل الخطاب التوعوي أقرب إلى واقعهم اليومي وأكثر قبولاً ومصداقية.
وبالنسبة إلى الوقاية من الإدمان والسلوكيات الخطرة، فإن التوعية بالمخاطر وحدها لا تكفي؛ بل يجب أن تقترن بتعزيز المهارات الحياتية، وتوفير أنشطة رياضية وثقافية واجتماعية جاذبة، ودعم الشباب الذين يواجهون صعوبات نفسية أو اجتماعية.
كما أن إشراك الشباب أنفسهم في إعداد الحملات وتنفيذها يساعد على إيصال الرسائل بطريقة أكثر قربًا من واقعهم.
4. كسر جدار الصمت وإنشاء شبكات الأمان:
يوفر النزول الميداني مساحة آمنة لتشجيع ضحايا التنمر والعنف على التعبير وطلب المساعدة دون خوف من الانتقام أو التهميش.
تشكل الحملات جسر وصل مباشر بين الشباب والمؤسسات المتخصصة (كخلايا الإصغاء و الإرشاد النفسي،نوادي صحة الشباب والمراكز العلاجية)، مما يسهم في التدخل المبكر قبل تفاقم الظواهر السلوكية.
5. إشراك البيئة المحيطة (الأسرة والمؤسسات التربوية):
الوقاية لا تتم بمعزل عن المحيط؛ لذا تسعى الحملات إلى توعية الأولياء والمربين بالمؤشرات والدلائل النفسية والسلوكية المبكرة لتعاطي المواد أو التعرض للتنمر والعنف (كالانزواء، التراجع الدراسي، تقلبات المزاج الحادة)، مما يتيح التكفل السريع والمبكر بالحالة.
خلية الاصغاء

ما أهمية إدماج التوعية النفسية ضمن الأنشطة الرياضية والترفيهية التي يحتضنها المركب الرياضي الجواري الشهيد امحمد سنوسي بقصر البخاري؟

الأستاذة قعدة الزهرة : يشكل المركب الرياضي الجواري الشهيد امحمد سنوسي بقصر البخاري فضاءً مناسبًا للتوعية والتواصل مع الأطفال والشباب، بالنظر إلى ما تتيحه الأنشطة الرياضية من فرص للتفاعل والتعاون وتعلم الانضباط واحترام القواعد وتقبل الفوز والخسارة.
فالرياضة لا تقتصر على تنمية القدرات البدنية، بل يمكن أن تسهم أيضًا في تعزيز الثقة بالنفس، وتنمية روح الفريق، وتعلم التحكم في الانفعالات، والتعامل مع الضغوط بطريقة إيجابية.
ومن هذا المنطلق، يمكن تنظيم لقاءات توعوية وورشات تفاعلية بالتوازي مع الأنشطة الرياضية، تتناول موضوعات مثل التنمر والوقاية من الإدمان وإدارة الغضب والصحة النفسية وأهمية التواصل الإيجابي.
ويمكن إبراز هذه الأهمية في النقاط الجوهرية التالية:
1. الصحة النفسية والوقاية من الضغوط
تخفيف التوتر والقلق: تشكل الرياضة متنفساً حقيقياً، وعندما تقترن بالتوعية والإرشاد النفسي، فإنها تساعد الشباب على تفريغ الشحنات السلبية، التوتر اليومي، وضغوط الحياة الدراسية أو المهنية.
الوقاية من السلوكيات الانحرافية: توفر الأنشطة الرياضية الموجهة بيئة آمنة تشغل أوقات فراغ الشباب، مما يقلل من احتمالية الوقوع في فخ العزلة، الاكتئاب، أو السلوكيات الضارة.
2. بناء الشخصية وتطوير المهارات الحياتية
تعزيز الثقة بالنفس: تحقيق النجاحات الرياضية والتغلب على التحديات بإشراف توعوي يعزز شعور الفرد بالكفاءة والتقدير الذاتي.
إدارة الانفعالات: تعلم الرياضة الانضباط، وتعمل التوعية النفسية على مساعدة الرياضيين والرواد على التحكم في الغضب، التعامل مع خيبة الأمل أو الهزيمة بروح إيجابية، وتحويل التحديات إلى فرص للنمو.
3. تعزيز الاندماج الاجتماعي والتواصل الفعال
بناء روابط اجتماعية سليمة: الفضاءات الرياضية الجوارية هي ملتقى لأبناء المنطقة؛ وإدماج البعد النفسي يعلمهم كيفية العمل الجماعي، التواصل الفعال، وحل النزاعات بطرق سلمية وواعية.
مكافحة العزلة: دمج الفئات المختلفة في أنشطة تفاعلية يشعر الفرد بالانتماء للجماعة والمجتمع المحلي.
4. تحسين الأداء والتجربة الرياضية
التركيز والدافعية: الجانب النفسي السليم يرفع من مستوى التركيز، الانتباه، والدافعية لدى الممارسين، مما ينعكس إيجاباً على أدائهم الرياضي واستمتاعهم بالأنشطة الترفيهية.
كما يمكن أن يسهم التعاون بين المربين والمدربين والجمعيات في اكتشاف بعض الصعوبات التي قد يواجهها الشباب وتوجيههم نحو الجهات المختصة عند الحاجة، مع احترام خصوصيتهم.

ما أبرز التحديات التي تواجهكم في العمل التحسيسي والتوعوي، وكيف يمكن تعزيز التعاون بين المؤسسات والجمعيات لإنجاح هذه المبادرات؟

الأستاذة قعدة الزهرة : إن نجاح الحملات يتطلب التخطيط الجيد، وتوفير الإمكانات اللازمة، واختيار الموضوعات المناسبة، وضمان استمرارية المبادرات بدل الاكتفاء بأنشطة ظرفية مرتبطة بمناسبات معينة.
ولعل أبرز التحديات في العمل التحسيسي والتوعوي
المقاومة الاجتماعية والنظرة النمطية:
لا يزال البعض ينظر إلى التوعية النفسية أو الاستشارات بخشية أو بحساسية، حيث ترتبط أحياناً بمفاهيم مغلوطة (مثل وصمة العار أو الخوف من نظرة المجتمع)، مما يجعل إقبال المستهدفين حذراً في البداية.
لتحقيق تكامل فعال وبناء جسور قوية بين مختلف الفاعلين، عليناالاعتماد الآليات التالية:
_إبرام اتفاقيات شراكة وتكوين لجان تنسيق مشتركة:
تأسيس إطار تنظيمي واضح يجمع بين المركب الرياضي، والجمعيات المحلية الناشطة، والمصالح المختصة (كالصحة والشباب)، لتخطيط برامج سنوية موحدة ومدروسة.
توحيد الجهود الإعلامية والرقمية:
استغلال منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالمؤسسات والجمعيات لشن حملات توعوية مشتركة وموجهة بلغة قريبة من فئة الشباب، تكسر الحواجز النفسية وتعرف بأهمية الصحة النفسية والرياضة.
الاستثمار في تكوين المؤطرين والفاعلين الميدانيين:
تنظيم دورات تكوينية مشتركة لمشرفي الأنشطة الرياضية والشبابية والجمعوية، لتمكينهم من اكتساب مهارات أساسية في الإنصات، التوجيه الأولي، والتعامل مع الاضطرابات البسيطة أو الضغوط النفسية لدى الممارسين.
تنظيم فعاليات وأبواب مفتوحة كبرى:
الخروج من أسوار القاعات عبر تنظيم قوافل تحسيسية، أيام ميدانية مفتوحة، ودورات رياضية مقرونة بورشات توعوية ترفيهية، مما يسهل الاحتكاك المباشر بالجمهور المستهدف وإيصال الرسالة ببساطة.
كما أن للإعلام المحلي دورًا مهمًا في نشر الثقافة النفسية وتصحيح المفاهيم الخاطئة، شريطة تقديم المعلومات بصورة مسؤولة تحترم خصوصية الأفراد وتستند إلى المعرفة العلمية
فتعزيز الصحة النفسية مسؤولية جماعية، وأن العمل المشترك هو السبيل إلى بناء مبادرات أكثر استدامة وتأثيرًا.

كيف تقيّمون أثر الحملات التي شاركتم فيها أو أشرفتم عليها، وما المبادرات التي تطمحون إلى تجسيدها مستقبلًا لخدمة المجتمع المحلي؟

الأستاذة قعدة الزهرة : إن تقييم الحملات التحسيسية لا ينبغي أن يقتصر على عدد المشاركين أو الأنشطة المنظمة، بل يجب أن يشمل أيضًا مدى فهم الرسائل المقدمة، وقدرتها على تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة، وتشجيع المستفيدين على تبني سلوكيات أكثر إيجابية وطلب المساعدة عند الحاجة.
يمكن لمس نتائج وحصيلة الحملات السابقة من خلال عدة مؤشرات ميدانية وإيجابية:
ارتفاع مستوى الوعي وتقبل الفكرة: ملاحظة تراجع ملموس في الحساسية أو التردد تجاه الاستشارات والأنشطة التوعوية النفسية، وتحول النظرة لدى الشباب والأولياء نحو تقدير أهمية التوازن النفسي كجزء أساسي من الصحة العامة.
زيادة الإقبال والتفاعل: تسجيل مشاركة أوسع وأكثر إيجابية في الورشات والأيام التحسيسية، خاصة عندما ترتبط هذه الفعاليات بالأنشطة الرياضية والترفيهية المحببة.
تغير السلوك والانضباط: انعكاس التوعية على سلوكيات الشباب داخل المرافق الرياضية، من خلال تحسن مهارات ضبط النفس، وتراجع منسوب العنف اللفظي أو التعصب أثناء المنافسات الرياضية، وسود روح العمل الجماعي.
طلب الدعم والاستشارة المبكرة: زيادة نسبة المبادرة الذاتية من طرف الشباب للحديث عن مشكلاتهم والبحث عن التوجيه والإرشاد، مما يساعد على التدخل المبكر قبل تفاقم أي صعوبات نفسية أو اجتماعية.
ثانياً: المبادرات والطموحات المستقبلية لخدمة المجتمع المحلي
لتطوير العمل وترسيخ الفائدة على المدى البعيد، نطمح إلى تجسيد مجموعة من المبادرات النوعية
– مواصلة نشر الثقافة النفسية داخل المجتمع المحلي، وتطوير حملات تستهدف الأطفال والشباب والأولياء، مع الاهتمام بالوقاية من التنمر والعنف والإدمان، وتعزيز التربية الإيجابية والتواصل الأسري.

في ختام هذا الحوار، ما رسالتكم إلى الشباب والأولياء بشأن أهمية الصحة النفسية وضرورة طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة؟

الأستاذة قعدة الزهرة : أولاً: رسالة إلى الشباب
“صحتك النفسية هي سر قوتك وثباتك، وطلب الدعم دليل وعي وشجاعة وليس ضعفاً.”
أن يثقوا بأنفسهم، وأن يدركوا أن مواجهة الصعوبات جزء طبيعي من الحياة، وأن الشعور بالحزن أو القلق أو الضغط لا ينتقص من قيمتهم ولا يعني أنهم ضعفاء. المهم هو ألا يسمحوا لهذه المشاعر بأن تتحول إلى معاناة صامتة، وأن يبحثوا عن الدعم المناسب عندما يشعرون بالحاجة وعليهم:
-العناية بالنفس أولاً: كما تهتم ببناء جسدك وتطوير مهاراتك الرياضية أو الدراسية، اعتنِ بعقلك ومشاعرك. التعثر، الضغط، والقلق أمور طبيعية يمر بها كل إنسان.
_تجاوز الوصمة: لا تجعل الخوف من كلام الآخرين يمنعك من التعبير عما تشعر به. التحدث مع مختص أو طلب النصح خطوة شجاعة نحو حل المشكلات قبل أن تكبر.
_بناء علاقات إيجابية قائمة على الاحترام والثقة، الابتعاد عن رفقاء السوء فصاحب ساحب.
_استغل الفضاءات الجوارية: افرغ طاقتك في الرياضة، شارك في الأنشطة الترفيهية، ولا تتردد في الاستفادة من فضاءات التوجيه والإرشاد المتوفرة لخدمتك.
ثانياً: رسالة إلى الأولياء والمربين
_أن يكونوا مصدر أمان لأبنائهم، وأن يمنحوهم مساحة للتعبير عن مشاعرهم وانشغالاتهم، وأن يتعاملوا مع صعوباتهم بالصبر والحوار والتفهم، بعيدًا عن التحقير أو المقارنة أو التقليل من معاناتهم.
“احتووا أبناءكم وأنصتوا لهم بوعي وتفهم، وشاركوهم اهتماماتهم وضغوطهم اليومية.
الدفء الأسري والحوار الهادئ يقللان من حدة الضغوط النفسية لدى الشباب.
ملاحظة التغيرات مبكراً: الانتباه لأي تغير مفاجئ في سلوك الأبناء (كالعزلة، التراجع الدراسي، الانفعال الزائد، أو فقدان الشغف بالرياضة والأنشطة) يتطلب التدخل الهادئ والتوجيه المناسب.
تقبل المساعدة المتخصصة: الاستعانة بمرشد أو مختص نفسي عند الحاجة لا يعني وجود خلل خطير، بل هو أداة تربوية وعلاجية تساعد الأسرة على تجاوز العقبات وبناء شخصية متوازنة للطفل أو الشاب.
ختاماً: إن صناعة مجتمع سليم تبدأ من بناء فرد متوازن نفسياً وجسدياً. وبتضافر جهود الأسرة، والمؤسسات الشبابية والرياضية، والمجتمع المدني، نستطيع توفير البيئة الآمنة التي تمكّن شبابنا من إبراز طاقاتهم والنجاح في حياتهم.

شكرا لك الأستاذة قعدة الزهرة، من خلال هذا الحوار يتضح أن العمل في مجال الصحة النفسية يتجاوز حدود التشخيص والمرافقة الفردية، ليصبح رسالة إنسانية و توعوية تقوم على الإصغاء، والاحتواء، والوقاية، وبناء جسور الثقة بين الفرد ومحيطه. كما تؤكد تجربتها الميدانية أن الاستثمار في الوعي النفسي، ولا سيما لدى الأطفال والمراهقين والشباب، يمثل خطوة أساسية للحد من العنف والتنمر والإدمان والسلوكيات الخطرة، وتعزيز القدرة على مواجهة ضغوط الحياة وتحدياتها.
وتبقى الأسرة الحاضنة الأولى للصحة النفسية، فيما تضطلع المؤسسات التربوية والشبابية والرياضية والجمعيات والمجتمع المدني والإعلام بمسؤولية مشتركة في نشر ثقافة نفسية سليمة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتشجيع طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة. ومن هنا، فإن بناء مجتمع متوازن يبدأ بالإنسان، وباحترام مشاعره، والإنصات إلى انشغالاته، وتوفير فضاءات آمنة تتيح له التعبير عن ذاته دون خوف أو وصم.
إن الصحة النفسية ليست ترفًا، بل ضرورة إنسانية واجتماعية، وطلب المساعدة ليس علامة ضعف، بل خطوة واعية نحو التعافي والتوازن. وهي الرسالة التي يختتم بها هذا الحوار، أملًا في أن تتحول التوعية من مبادرات متفرقة إلى ثقافة مجتمعية مستدامة، تجعل من الوقاية مسؤولية الجميع، ومن احتواء الإنسان أساسًا لبناء مجتمع أكثر تماسكًا ووعيًا.

Share this post :

Facebook
Twitter
LinkedIn
Pinterest

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أخبار 24