د.طارق الهاشمي
ليست الأزمات الاقتصادية استثناءً في حياة الدول، ولا يُقاس نجاح الحكومات بقدرتها على تجنبها دائمًا، وإنما بكيفية الاستعداد لها وإدارتها بكفاءة، وتوزيع أعبائها بعدالة، وحماية المواطنين من تداعياتها، وتحويل التحديات إلى فرص للإصلاح والتقدم.
استمعت باهتمام إلى خطاب الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، أمام مجلس الشورى في الثالث عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2026. كان خطابًا شاملًا تناول السياسة والاقتصاد والتنمية والحرب والسلام، لكن ما استوقفني على وجه الخصوص هو حديثه الصريح عن إدارة الاقتصاد والمالية العامة في ظل ظروف استثنائية عصفت بالمنطقة، ولا تزال، وألحقت أضرارًا مباشرة بمصادر الإيرادات الوطنية.
فقد كشف الأمير أن الإيرادات العامة انخفضت بنسبة 42% خلال النصف الأول من العام الحالي، فيما جرى تخفيض الإنفاق العام بنسبة 14%، دون المساس بالخدمات الأساسية أو الأولويات التنموية. ورغم الأزمة والضغوط المالية، أكد أمير قطر تخصيص استثمارات بقيمة 221 مليار ريال للسنوات الخمس المقبلة، وأن توسعة إنتاج حقل غاز الشمال مستمرة. وأوضح أن السياسات الاستباقية، من تعزيز الاحتياطيات وخفض الدين العام وتنويع الإيرادات، ساعدت الدولة على امتصاص جانب مهم من الصدمة.
والأهم من الأرقام هو المنهج الذي يحكم إدارة الأزمة: «الاستعداد قبل وقوعها، والمصارحة بحجمها، وترشيد الإنفاق دون التضحية بالخدمات الأساسية، والمحافظة على مسار التنمية بدل تجميده».
ومن الواضح من هذا الخطاب أن قطر انتقلت بمرونة من إدارة الوفرة إلى إدارة الأزمة، وهي تتعامل مع ما هو متاح من موارد مالية بانضباط عالٍ، عبر ترشيق الإنفاق واستمرار التركيز على التنمية والاستثمار.
هنا وجدت نفسي أقارن، بحسرة، بين هذه المقاربة وما يواجهه العراق من أزمات مالية واقتصادية متكررة، رغم ما يمتلكه من ثروات طبيعية وبشرية هائلة، بل ومن خبرات استثنائية تراكمت منذ تأسيس الدولة عام 1921.
فالعراق لا يعاني نقص الموارد بقدر ما يعاني اختلالًا مزمنًا في إدارة هذه الموارد، وتضخمًا في الإنفاق الجاري، الذي يتضمن إنفاقًا ترفيًّا غير منتج ولا ضروري، واعتمادًا مفرطًا على النفط، وضعفًا في القطاعات الإنتاجية، فضلًا عن الفساد والهدر والمحاصصة التي كثيرًا ما تجعل المصالح الحزبية والفئوية تتقدم على المصلحة الوطنية.
وكلما واجهت المالية العامة أزمة، عاد الحديث عن حلول عاجلة تمس المواطن مباشرة: تخفيض قيمة الدينار، أو تأخير الرواتب، أو الاقتراض، أو فرض أشكال جديدة من التقشف. وهي خيارات قد تعالج جانبًا من مشكلة السيولة في الأمد القصير، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب البنيوية للأزمة.
والمقلق أن كلفة هذه المعالجات تقع غالبًا على الفئات الهشة، وهي الأقل قدرة على الاحتمال: الموظف البسيط، والعامل، والكاسب، والمتقاعد، والعائلة التي لا يكفي دخلها لتغطية احتياجاتها الأساسية.
إن خفض قيمة العملة، على سبيل المثال، ليس مجرد تعديل في سعر الصرف أو وسيلة لتحسين إيرادات الخزينة بالدينار؛ بل قرار له انعكاسات على أسعار المستوردات والقدرة الشرائية وتكاليف المعيشة. ولذلك، ما كان ينبغي أن يُتخذ قبل دراسة البدائل الأخرى بموضوعية، وتقدير آثاره الاجتماعية، ووضع ضمانات لحماية ذوي الدخل المحدود.
والسؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار العراقي هو: لماذا يتجه البحث عن الحلول إلى جيب المواطن البسيط، بدل أن يتجه إلى جيب الفاسد، وإلى مراجعة أبواب الهدر والامتيازات والإنفاق غير المنتج بهدف ترشيدها؟
لقد لفت نظري في خطاب الأمير تأكيده على «أن الانضباط المالي لا ينفصل عن رفع كفاءة الإنفاق، وأن البرامج الحكومية ينبغي أن تُراجع وفق أثرها الفعلي في المجتمع والاقتصاد».
وهذه قاعدة جوهرية في الإدارة الرشيدة: ليست العبرة بحجم ما تنفقه الدولة، بل بما تحققه من نتائج في التنمية أو تطوير الخدمات.
في العراق، نحن بحاجة إلى مراجعة جادة لأولويات الإنفاق، وإلى التمييز بين ما هو ضروري لحياة الناس وما هو قابل للتأجيل أو الإلغاء، وإلى إصلاح مؤسسات الدولة، واستعادة الأموال المهدورة، وتنشيط الصناعة والزراعة والاستثمار، وفتح آفاق عمل حقيقية ومنتجة أمام الشباب، بدل التوسع في النفقات التشغيلية بمواصلة النهج الخاطئ القائم على الاعتماد على التوظيف الحكومي.
وبينما يقتضي الظرف التحول إلى اقتصاد تقشف بهدف تعظيم الموارد وتخفيض الإنفاق، تقدم الحكومة موازنة رفاهية للسنة القادمة! وذلك في وقت تحولت فيه معظم دول الخليج العربية إلى التقشف؛ فقطر، مثلًا، خفضت مخصصات الجهات الحكومية بنسبة 30%، وقلصت المساعدات الخارجية بنحو 85%، فيما تتوقع السعودية إنفاق 1.392 تريليون ريال في 2027، مقارنة بنحو 1.435 تريليون ريال لعام 2026، وبدأت بتقليص بعض المشاريع والفعاليات وتأجيل أخرى.
لا أقصد أن تجربة قطر قابلة للاستنساخ بحذافيرها؛ فلكل دولة ظروفها السكانية والاقتصادية والسياسية، ناهيك عن القيود والتحديات التي تواجهها. لكن المبادئ التي تحكم الإدارة الرشيدة لا تختلف كثيرًا: التخطيط السليم، والانضباط، والكفاءة، والشفافية، وتقديم المصلحة العامة.
وثمة درس آخر لا يقل أهمية، وهو أن الدولة التي تستعد للأزمات في سنوات الرخاء تكون أقدر على مواجهتها في سنوات الشدة. أما الدولة التي تغريها الوفرة بالإنفاق دون حساب، فتستهلك مواردها دون بناء احتياطيات وتنويع اقتصادها، فإنها تجد نفسها مضطرة إلى خيارات مؤلمة كلما تراجعت الإيرادات. وهذا ما يواجه العراق، حيث انكشف الاقتصاد الوطني عند أول صدمة تعرض لها بفعل الحرب الدائرة وتقييد عبور الخام عبر مضيق هرمز.
لقد تعب العراقيون من الأزمات المزمنة، ومن سيل النصائح التي لم تجد حتى الآن آذانًا صاغية ولا طريقًا إلى التنفيذ، ومن الخطط التي تُعلن ولا تُستكمل. وأخشى أن تكون المشكلة أعمق من نقص الخبرة أو غياب البدائل؛ إنها تكمن، في جانب كبير منها، في «تعارض المصالح» بين منافع قوى نافذة ومصالح الوطن؛ قوى يهمها استمرار الاختلالات البنيوية في الاقتصاد العراقي، وغياب المهنية والحوكمة، وتعليق خطط الإصلاح الحقيقي، لتحقيق المزيد من المنافع والثروات.
لا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن يحقق غاياته ما لم تقترن به إرادة سياسية تضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية والشخصية أو غيرها، وتُخضع الإنفاق للمساءلة، وتعيد الاعتبار للكفاءة والنزاهة في إدارة الدولة.
لقد قدم خطاب أمير دولة قطر مناسبة للتأمل في معنى القيادة المسؤولة وإدارة الأزمات، وفي العلاقة بين القرار الاقتصادي وكرامة الإنسان، وبين سلامة المالية العامة واستمرار التنمية.
وما أحوج العراق إلى أن يتعلم من تجارب الآخرين، لا أن يظل يعيد أخطاءه ويدفع المواطن ثمنها.
فالحكمة ليست في إنكار الأزمة، ولا في تحميل الفقراء أعباءها، وإنما في مواجهتها بشجاعة وعدالة، وتحويلها إلى فرصة لإصلاح ما اختل من مؤسسات الدولة واقتصادها.
والدولة التي تجعل الإنسان أولويتها، والمصلحة الوطنية بوصلتها، تستطيع أن تواجه الأزمات دون أن تفقد ثقة مواطنيها. أما حين تتقدم المصالح الخاصة على المصلحة العامة، فإن الأزمة تتحول من ظرف عابر إلى عجز مزمن.















