
حين تشير العجلة الرقّاصة إلى اكتمال العقل وبلوغ النضج، يظلّ الكمال حكرًا على الله وحده. فالإنسان، مهما بلغ من اتزان وعدل، ومهما أحكم قبضته على تصرّفاته، يبقى هشًّا أمام لحظةٍ مباغتة، أو موقفٍ عابر في ظاهره، قادر على أن يخلخل ثباته ويبعثر يقينه.
في لحظة واحدة، قد تنفلت ردّات الفعل من عقالها، ويتسلّل الارتياب إلى القلب، ويطلّ الخوف من نافذة الفقد أو الافتقاد، وربما تسرّب إلى النفس شيء من الترهيب أو الهلع، دون وعي أو قصد، وتحت ضغطٍ ثقيل لم يكن في الحسبان؛ فيتحوّل العاقل إلى متهوّر، ويغدو الاتزان ذكرى بعيدة.
لا حسابات تُضبط، ولا توقّعات يُعوّل عليها، ولا أحكام تُحسم قبل أن تقع الوقائع. لذلك، وعن تجربة، يبدو ترك الأمور تمضي في مجراها، وفي وقتها المقدّر، ضربًا من الحكمة لا الاستسلام؛ فالإفراط في ترقّب المؤشرات وقراءة الاحتمالات لا يمنح الطمأنينة، ولا يؤخّر الخذلان.
في هذا الزمن، لا شيء مضمون… لا الوجوه، ولا النوايا. فقد تفاجئك خيبة من حسبته واعيًا، راقيًا، كريم الخُلُق، فإذا به ينقلب عليك رأيًا أو موقفًا، وأنت من سهرت يومًا على أن يكون ما هو عليه. وليس هذا إلا مثالًا، فالخذلان وجوهه كثيرة، وحكاياته لا تُحصى.
تاهت القيم، واضطربت المفاهيم، واستفرد كل إنسان بذاته، متنكرًا لما نشأ عليه من عادات وتقاليد مجتمعٍ محافظ، أو أسرةٍ كانت — على أقل تقدير — تحاول صون اجتماعها، إن لم يكن تماسكها. لكن، ويا للأسف، صار كلٌّ ينشد ليلاه، ويؤمن أن حقه من دونها ضائع، وأن البلاء نزل عليه وحده دون سواه فكم من لبيبٍ أفصح عمّا في صدره، وكم كتم وكم من ضريرٍ خبّأ في نبضه الألم،
وكم من أمٍّ ذابت قواها شيئًا فشيئًا، وأخفت عن أبنائها السقم؟، حبًّا، ورحمة، وخوفًا عليهم

