العراق في برزخ 2026: مخاض السيادة بين مطرقة المحاصصة وسندان الانهيار
بقلم: الأستاذ الدكتور عبدالرزاق محمد الدليمي

يدخل العراق عام 2026 وهو يرزح تحت وطأة انسداد بنيوي لم تشهده العملية السياسية منذ أكثر من عقدين. إن قراءة المشهد القادم تشير إلى أننا لسنا أمام أزمة “تشكيل حكومة” فحسب بل أمام أزمة “شرعية نظام” باتت أدواته التقليدية غير قادرة على امتصاص غضب الشارع أو التكيف مع المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة !!تلك المعادلات التي تفرضها جغرافية العراق الحساسة وموارده الحيوية على قراره السياسي وعلاقاته الدولية.
بورصة الأسماء.. وفرضية “حكومة اللحظة الأخيرة”
في الوقت الذي يستقتل فيه البعض للحصول على منصب رئاسة الوزراء !! وفي ظل تآكل جبهة “الإطار التنسيقي” – التي أضحت في نظر القراءة الموضوعية “إطاراً كارثياً” أفرغ الدولة من محتواها المؤسساتي – تبدو حظوظ الوجوه التقليدية في التجديد ضئيلة جداً. إن المرحلة القادمة تقتضي دفع “شخصية تسوية” تمتلك قبولاً نسبياً لدى القوى الفاعلة في النظام الدولي والإقليمي لكنها ستصطدم بواقع مرير ؟حيث ستكون مكبلة بالإرث الثقيل لـ “الدولة العميقة” التي باتت تتحكم بمفاصل المال والسلاح. لذا تشير التوقعات إلى أن الحكومة القادمة لن تعدو كونها “حكومة تسيير أزمات” لا حكومة حلول، حيث سيستمر الصراع على الموارد لتعويض خسائر القوى التقليدية في قواعدها الجماهيرية المنهكة.
القوى الدولية والإقليمية: تقاطع المصالح فوق الرماد العراقي
ما زال الموقف الإقليمي وتحديداً في طهران يتمسك بخيوط اللعبة عبر حلفائه لكنه يواجه مأزقاً حقيقياً فاستمرار المنهج الحالي القائم على تقديم شخصيات “تنفيذية مسلوبة الإرادة” يسرع من وتيرة الانهيار الشامل … وهو سيناريو تخشاه اغلب القوى الإقليمية حالياً. في المقابل تتبنى واشنطن استراتيجية “الاحتواء الحذر”!! حيث تضغط عبر الملفات الاقتصادية كالدولار والتحويلات المالية لضمان بقاء العراق ضمن النظام المالي العالمي الذي تتحكم به مع ترك الباب مناسبا لظهور بدائل “تكنوقراطية” حقيقية عراقية قادرة على لجم السلاح غير المنضبط ومنع انزلاق البلاد نحو فوضى شاملة.
ماذا ننتظر من الحكومة الجديدة؟
تحتم علينا الواقعية السياسية التأكيد على قول الحقيقة حيث لا يمكن توقع اختراقات كبرى من منظومة “المحاصصة”. فالحكومة القادمة ستواجه عجزاً مالياً وبنيوياً في تلبية مطالب الجيل الذي أنتجته انتفاضة تشرين 2019 وأي محاولة للترقيع ستصطدم بجدار التضخم الكارثي والبطالة المرتفعة. إنها حكومة ستولد “ميتة سريرياً” حتما ووظيفتها الوحيدة تأجيل الانفجار الشعبي القادم عبر مسكنات مالية لم تعد تنطلي على أحد، وزيادة الأعباء نتيجة الفساد المستشري بينما يبقى المواطن البسيط هو الضحية الوحيدة لهذا التخبط.
نافذة الفرصة.. “الخط الوطني الثالث”
إن هذا الانسداد… وهذه التبعية المزدوجة… والارتباك الواضح في أداء القوى المسيطرة هو الذي يخلق الفراغ الاستراتيجي الذي يجب أن يملأه الوعي الوطني المنظم. إننا نتوقع أن يكون عام 2026 هو عام “سقوط الأقنعة” عن الوعود الانتخابية الزائفة !! وهنا تبرز الحاجة الماسة لـ “النواة الصلبة” من الكفاءات والنخب الوطنية المستقلة التي تطرح مشروعاً سيادياً يخرج العراق من معادلة “الوكلاء” إلى رحاب “الدولة الوطنية”.
إن المرحلة القادمة ليست مرحلة انتظار بل هي مرحلة لإثبات الوجود النوعي للعراقيين ! فالعراق لا يحتاج لتبديل وجوه تآكلت …بل يحتاج لتبديل منهج الفشل بمنهج الدولة الناجحة.


