حارس المقبرة الفصل التاسع والعشرون: أمانةُ الخلافةِ ونداءُ التطهيرِ
بقلم: ناصر بن محمد الحارثي كاتب من سلطنة عُمان مسقط

لمْ يكُنِ التردّدُ خياراً أمامَ عادلٍ، فبعدَ لقائِهِ بِروحِ القاضي، توجّهَ إلى أبنائِهِ وأسلمَهُمْ رسالةَ العذابِ ومكانَ “سِجّلِ الظلمِ”. لمْ يتردّدِ الأبناءُ في تقديمِ السِجّلِ لِلمسؤولينَ الجُدُدِ. كانَ هذا السِجّلُ بمثابةِ البرهانِ القاطعِ، وبدأتْ عجلةُ العدلِ تدورُ لِإعادةِ الحقوقِ المنهوبةِ إلى أصحابِها، مُخفّفةً بذلكَ عنِ القاضي الظالمِ ثقلَ عذابِهِ وقيودَهُ. شعرَ عادلٌ أنَّهُ أتمَّ مهمتَهُ، فعادَ إلى بيتِهِ. جلسَ أيّاماً يتفكّرُ في أهميةِ العدلِ الإلهيِّ وفي الكنزِ الذي رزقَهُ اللهُ بهِ، وقرّرَ أنَّ الوقتَ قدْ حانَ لِأداءِ فريضةِ الحجِّ.
تهيئةُ الخَلَفِ وبدايةُ الصمتِ
استدعى عادلٌ ابنَهُ عبدَاللهِ وفاتحَهُ بِالأمرِ: “يا ولدي، لقدْ حانَ الوقتُ لِأنْ أذهبَ إلى بيتِ اللهِ الحرامِ. وأمانةُ المقبرةِ، وعهدُ الأرواحِ، تحتاجُ إلى حارسٍ أمينٍ.”
تقبَّلَ عبدُاللهِ الأمرَ بِيَقينٍ، فقدْ رأى في والدِهِ القدوةَ، وفي عملِهِ خدمةً جليلةً. بدأَ عادلٌ بِتهيئةِ ولَدِهِ للمهمةِ الجديدةِ. كانَ تدريبُهُ لا يقتصرُ على تنظيفِ الممراتِ وفحصِ السجلاتِ فحسبُ، بلْ كانَ عادلٌ يجلسُ معَهُ في غرفتِهِ الهادئةِ، ويُحدّثُهُ عنْ حكمةِ الموتِ ودروسِ الحياةِ، وعنْ خطورةِ الإهمالِ والتسويفِ، وضرورةِ اليقينِ في وعدِ اللهِ. قضى عادلٌ وعبدُاللهِ ثلاثةَ أيّامٍ منْ التدريبِ المُركَّزِ، كانتْ المقبرةُ خلالَها صامتةً صمتاً غريباً؛ لَمْ تحضرْ روحٌ واحدةٌ عادلًا، وكأنَّ الأرواحَ تُعطي الحارسَ الجديدَ فرصةً لِلاستقرارِ والتهيُّؤِ لِحملِ العبءِ الروحيِّ.
في الليلةِ الرابعةِ، بعدَما أنهى عادلٌ تدريبَهُ لِعبدِاللهِ، جلسَ وحيداً في غرفتِهِ. شعرَ بِنورٍ دافئٍ، وظهرتْ لَهُ روحٌ لِامرأةٍ كريمةٍ مُبتسمةٍ (روحُ الصبرِ). لمْ تأتِ لِتطلبَ شيئاً لِنفسِها، بلْ قالتْ: “يا عادل، إنَّ جارتيَ التي دُفنتْ بجوارِي تُعذَّبُ عذاباً شديداً بسببِ النميمةِ وسوءِ اللسانِ. إنَّ عذابَها يُؤذيني، أرجوكَ يا عادل، انظرْ في أمرِها.”
في الصباحِ، توجّهَ عادلٌ إلى القبرِ المجاورِ الذي أشارتْ إليهِ الروحُ. وقفَ عادلٌ عندَ رأسِ القبرِ، وبدأَ يسكبُ الماءَ والدعاءَ لها. لمْ تظهرْ لَهُ الروحُ، لكنَّ عادلًا سمعَ وشعرَ بِـ نحيبٍ مُكتومٍ عميقٍ يرتفعُ منْ تحتِ الترابِ، هوَ نحيبُ روحٍ غلبَها العارُ والخجلُ منْ مواجهةِ حارسِ الأمانةِ، فقدْ كانتْ تبكي منْ هولِ صنيعِها القبيحِ.
في المساءِ، عادتْ روحُ الصبرِ لِتظهرَ لِعادلٍ، وقالتْ: “إنَّ نحيبَها لمْ يتوقفْ، يا عادل، فهيَ تخجلُ أنْ تطلبَ المغفرةَ لِنفسِها.”
التطهيرُ الأخيرُ وأمانةُ الكلمةِ
خاطبَ عادلٌ الروحَ في داخلِ الترابِ: “أنا هنا يا أُختاهْ. النحيبُ لا يكفي. فما هوَ طلبُكِ لِتُخفّفيَ عنْ روحِكِ هذا العارَ؟”
ارتفعَ صوتٌ خافتٌ مُتقطّعٌ منْ تحتِ الترابِ، تترجمُهُ جارتُها المتنعّمةُ لِعادلٍ: “السماحُ يا عادلُ! أطلبُ السماحَ منْ جيرانيَ وأقاربيَ الذينَ اغتبتُهمْ ونممتُ عليهمْ!”
أومأَ عادلٌ، وبِالفعلِ، بدأَ مهمتَهُ الأخيرةَ قبلَ الحجِّ. ذهبَ إلى بيوتِ المدينةِ لا لِطلبِ حقٍّ مسلوبٍ، بلْ لِطلبِ السماحِ لِتلكَ الروحِ المُتعبةِ. شرحَ عادلٌ، بِحكمةٍ بالغةٍ وصدقٍ، عنْ خطورةِ اللسانِ وأمانةِ الكلمةِ، وطلبَ منَ الناسِ أنْ يُحلّلوا مَنْ أساءَ إليهمْ دونَ عِلمِهمْ. وبِفضلِ إحسانِ عادلٍ وصدقِهِ، تسامحَ الكثيرونَ، ورفعُوا أيديهمْ بالدعاءِ لِتلكَ الروحِ. حَلَّتِ السكينةُ في المقبرةِ، وتوقَّفَ نحيبُ العذابِ، وحلَّ محلَّهُ صمتُ القبولِ.
جلسَ عادلٌ معَ ابنِهِ عبدِاللهِ في الليلةِ الأخيرةِ قبلَ سفرِهِ، وسلّمَهُ مفتاحَ الغرفةِ والسِجّلَ القديمَ. نظرَ إليهِ عادلٌ بِنظرةِ الأبِ والمعلّمِ، وقالَ لَهُ بِصوتٍ مؤثِّرٍ يحملُ خلاصةَ عِمرٍ:
”يا عبدَاللهِ، لقدْ حملتُ هذهِ الأمانةَ عنْ أبي، والآنَ أُسلّمُها إليكَ. تذكّرْ أنَّ هذهِ المقبرةَ ليستْ مكاناً للموتِ، بلْ هيَ مدرسةٌ لِلأحياءِ. لقدْ علَّمتْنيَ هذهِ الأرواحُ أنَّ كلمةَ حقٍّ تُقالُ هيَ كنزٌ لا يفنى، وأنَّ الرحمةَ تُخفّفُ العذابَ، وأنَّ السماحَ هوَ آخرُ أبوابِ النجاةِ. لا تخفْ منْ أرواحِ الأمواتِ، بلْ خَفْ منْ غفلةِ الأحياءِ.”
خرجَ عادلٌ منَ المقبرةِ معَ فجرِ اليومِ التالي، تاركاً خلفَهُ أمانةً عظيمةً، وقلباً مُطهَّراً، ووريثاً قدْ تعلّمَ أنَّ الإحسانَ لا يموتُ أبداً.


